Saturday, November 8, 2014

أشرعة الثورة


شهدت الحركة الثورية المصرية تحولات جذرية بدت بوادرها مع استفتاء مارس 2011 لتعديل الدستور و ظهرت جليةً في الانتخابات البرلمانية الأولى عقب الثورة و اكتساح تيارات الاسلام السياسي لها، و فوز مرسي بمقعد الرئاسة، و ما تلا ذلك من تطورات انتهت بالإطاحة بهم جميعاً في الثلاثين من يونيو 2013 ، و تصدر الجيش للمشهد مرة اخرى، و ما واكب ذلك من عودة العديد من الوجوه التي طالما عارضت ثورة يناير المجيدة بل و شوهت رموزها.

ولم تقتصر تلك التحولات علي القوى الثورية المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي فقط، بل و أيضاً على القوى الثورية الشبابية المستقلةخاصةً تلك التي سبق تكوينها ثورة الخامس و العشرين من يناير- و التي عصفت بها الخلافات الداخلية و تلاعبت بها مصالح الكثيرين من القائمين على أمورها من أجل البقاء تحت الأضواء في المشهد السياسي الجديد، أو من أجل المزيد من التمويل لخدمة خطط من يريدون اعتلاء الثورة للوصل إلى أهداف محلية و إقليمية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية العليا.

و يعلم المنخرطين في العمل الثوري و المتابعين له جيداً كيف استغلت القوى المنقضة على الثورة و المعارضة لها تلك الحركات و الإئتلافات الشبابية كستار لتحقيق اهدافها، بل و تمادى هؤلاء ليشكلوا حركات "صورية" ليس لها من كيان إلا مسماها، و ادعاء أن تلك الحركات و الإئتلافات الصورية تمثل الثورة المصرية و تتفاوض بإسمها مع السلطة القائمة،  أو التيارات الحزبية و النخبوية الساعية للحصول على أحد مقاعد السلطة.

و بالرغم من تكوين إئتلاف شباب الثورة الذي انضمت إليه حركات رئيسية تم تكوين بعضها في مرحلة ما قبل الخامس و العشرين من يناير، و رغم علمنا بإخلاص العديدين من المنتمين إليه، إلا أنه لا يخفى على أحد الآن ما رددته و حذرت منه مراراً و تكراراً كعضو مؤسس لإحدى الحركات الفاعلة المستقلة، من أن إئتلاف شباب الثورة بما ضمه من كل أطياف العمل الثوري القومي و اليساري و الليبرالي و الاسلام السياسي، لم يكن إلا بوتقة أراد القائمين على خلقها السيطرة على العمل الشبابي الثوري و توجيه خطابه و مواقفه بما يخدم أطرافاً معينة دون غيرها.
 
و بدا جلياً في العديد من المواقف الفارقة في عمر الثورة كيف أن القائمين على إدارة ذلك الإئتلاف، و المتحدثين بإسمه احتكروا لأنفسهم الحديث بإسم الثورة، و أغلقوا الباب أمام الحركات الوطنية المستقلة للإسهام في مسيرتها بدعوى التخوف من اندساس أعضاء محسوبين علي النظام البائد، بينما كان الهدف المستتر من ذلك هو استبعاد كل من قد يشكل خطراً على الأهداف المرحلية لهؤلاء و التي قد تتعارض مع أهداف الثورة الحقيقية ، بل و الدفع في اتجاه تحويل الحركات المنضمه للإئتلاف بعيداً عن العمل الثوري و توجيهها للعمل السياسي و الدخول في دهاليز التوازنات المظلمة، لتتوه منهم في النهاية معالم الطريق الحقيقي للوصول لأهداف الثورة.
كل ذلك أدى إلى النهاية الحتمية بحل الإئتلاف في يوليو 2012 بعد أن حقق بنجاح الهدف الخفي لمن دعوا لإنشائه باستخدامه كورقة ضغط لا أكثر حتى وصول الإخوان المسلمين للسلطة عن طريق استغلال مصداقية الكيانات المنضمة للإئتلاف من الحركات المستقلة للترويج لثورية مرشحهم مرسي ضد شفيق المرشح المحسوب على النظام الذي قامت ضده الثورة.

و إذ أن الحركة الثورية التي أفتخر بالنتماء إليها هي أحد الكيانات التي ولدت من رحم الثورة المصرية لتكون محاولة لخلق منبر يعبر من خلاله الشباب المستقل و المخلص عن مطالب وأهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير التي لخصتها الجماهير الثائرة في شعار " عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية ".، فإن الحركة و أعضائها كانوا حريصين اشد الحرص على الثبات على المبدأ و تشكيل ظهير ثوري في الشارع يساندوا من خلاله من آثروا التحول للعمل السياسي و يوفروا لهم الدعم على الأرض.
.
 و هكذا ظلت الحركة بعيدة عن اي توازنات سياسية قد تتطلب أن تحيد الحركة عن الطريق الواضح للثورة كما فعلت حركات أخرى أشهرها حركة 6 أبريل، فكان موقفنا من رفض التعديلات الدستورية واضحاً، و موقفنا من تلكؤ المجلس  العسكري و تخاذله في مواجهة مخططات الإخوان واضحاً، و موقفنا من فساد العملية الانتخابية و فساد قانون الانتخاب واضحاً، بل إننا دعونا إلى مقاطعة تلك الانتخابات -و هو ما ثبت صحته بعد حل مجلس الشعب لاحقاً-، و كان موقفنا أكثر وضوحاً من ضرورة تسليم السلطة لمجلس مدني منتخب يضمن عدم تغول الجيش على السلطة و ألا تجور تيارات الإسلام السياسي بما تملكه من تنظيم و موارد بشرية و مادية على حقوق الحركات الشبابية الوليدة، و هو ما ترجمناه لاحقاً في العديد من الفعاليات التي حولها المندسون إلى أحداث دامية كما حدث في أحداث محمد محمود و مجلس الوزراء التي بدا جلياً فيها للجميع التحالف المريب للمجلس العسكري مع تيارات الإسلام السياسي للالتفاف على الثورة، و هو ما حذرنا منه كثيرأ من خلال فعاليات المسيرات الليلية التي طافت كافة ارجاء المدن الرئيسية لمدة عام كامل.

و ها نحن ذا، ننظر إلى كل يوم من أيام السنوات الثلاث الماضية لنتحسر على كل فرصة كان يمكن للجميع أن يستمع فيها إلينا و لكنهم لم يفعلوا.

 ها نحن ذا، ننظر بأسى إلى كل الأرواح و ناسف لكل الدماء التي سالت دون تحقيق الحد الأدنى من التنسيق، و دون وصول الجميع للحد الأدنى من الوعي بمتطلبات المرحلة، و تحديات الواقع على الأرض.

 
ها نحن ذا، ننظر إلى كل يوم من أيام السنوات الثلاث الماضية لنسترجع كبف تجاهل الجميع تحذيراتنا من مخططات المنقضين على الثورة للقضاء عليها بكل الطرق الممكنة بدءاً بدس رجالهم وسط الثوار و نهاية بتشويه صورتهم أمام الشعب دون سند او دليل مستخدمين في ذلك آلتهم الإعلامية الضخمة للتأثير على عقول الجميع.

و لن نستثني الثوار المخلصين من الإثم، فهم من سمح  بحسن نيتهم و لن أقول سذاجتهم لهؤلاء ان يندسوا بينهم، و هم من سمحوا باستجابتهم للمغريات الآنية بان يحيد مسارهم عن تحقيق أهداف الثورة، إلى مجرد الاشتراك في عملية سياسية لن تتعدى أقصى أمانيهم فيها استدرار عطف القابع على كرسي السلطة أن يفعل ما يتوجب عليه لنصرة الوطن، و نصرة يناير، و توفير العيش و نشر الحرية، و تحقيق العدالة الاجتماعية

قد تبدو الصورة هنا قاتمة، و لكن ما نحن واثقين منه و بشدة، هو أن مصر الآن ليست هي مصر ما قبل يناير و إن كنا لم نحقق مبتغانا بعد.
ما نحن واثقين منه و بشدة هو أن الشعب المصري العظيم أصبح له أخيراً مقعد على طاولة التوازنات بعد أن كان مجرد متلقي لنتائج صفقات من يجلسون عليها. 
ما نحن واثقين منه و بشدة هو أن أبناء هذا الوطن و نحن منهم  اصبحوا اكثر  إدراكاً لما هو تحت عباءة التدين، و أكثر وعياً بما يغلفه الاستقرار القائم على القمع و تكميم الأفواه.

و يبقى إيماننا الأعظم هو أن الفرصة لم تمر بعد لكي يلتف المخلصون من جديد تحت لواء واحد من أجل مصر، و من أجل شعبها الذي لم نخرج إلا من أجل مستقبل أبناءه، فالثورات لا تنتصر بين ليلة و ضحاها، و الشعوب لا تنضج إلا بالتجربة، و ما علينا سوى استكمال الطريق لنصبح جزءا فاعلاً في هذ التجربة بأن نظهر لهذا الشعب رقي ما ندعوه إليه  بدلاً من الصراخ فقط ضد ما يدعوه إليه غيرنا.

ستظل قناعتنا دائماً أن أجمل أيام الثورة هو يوم لم نعشه بعد، و أجمل بحارها هو بحر لم ترتده أشرعتا بعد
.
الله .. الوطن .. الثورة