Saturday, November 8, 2014

فلسطين و العراق .. المؤامرة و إشارات التاريخ !


إيهاب الشيمي:

قد يعد الكثيرون كلماتي هنا من باب الإغراق في نظريات المؤامرة و المؤامرة المركبة، و لكن  صفحات التاريخ التي لا يقرأها الكثيرون عادة، أو من يتعمد من قرأها أن يتجاهل إمكانية تكرارها، تحمل الكثير من الإشارات و التنبيهات التي لا نلتفت إليها في إطار لهفتنا لمتابعة حلقة جديدة من الصراع مع الكيان الصهيوني و الإمبريالية العالمية الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية !
ذلك الصراع الذي نستدعي فيه مع كل حادث جديد مشاعر القهر و الأسى و الألم و الكراهية و الغضب و الإحساس بالعجز الشديد لننتهي أخيراً بالبحث عن نعمة النسيان و المضي قدماً في مسيرة لا نريد أن نتعلم من عثراتنا العديدة خلالها !

فمثلما فعلت حماس و إسرائيل في نوفمبر 2008 باستهداف كلا منهما للآخر عقب فترة طويلة من الهدنة، فعل الإثنان نفس الشئ في يوليو 2014، و استخدما نفس السيناريو الذي يبدأ بقصف سرايا الجهاد الاسلامي و حماس لجنوب إسرائيل بالصواريخ، لتبدأ إسرائيل بعدها عملية واسعة تشمل القصف المركز و تنتهي بالاجتياح البري، ليسقط خلالها الآلاف من الضحايا الفلسطينيين بين قتيل و جريح مقابل بضعة عشرات فقط من الإسرائيليين، و ذلك دون مكسب عسكري او سياسي او استراتيجي يمكن حسابه للطرف الفلسطيني في الصراع، بل و دون تحقيق الطرف الإسرائيلي، الذي يدعي النجاح و النصر في كل مرة، للهدف المعلن من عملياته و هو القضاء على بؤر الإرهاب في غزة، و تحييد خطر الصواريخ التي تهدد المستوطنين للأبد!

ما يمكن أن يمثل إشارة خفية هنا هو ذلك التشابه الغريب في الواقع السياسي و الاقتصادي لكل من "حماس" و إسرائيل في الحالتين، ففي العام 2008 كان الانقسام يجتاح المجتمع الإسرائيلي للدرجة التي ظهر معها لأول مرة و بشكل واضح انقسام الأحزاب الرئيسية على نفسها مما أدى في النهاية لتولي أولمرت و هو من حزب "كاديما" المنشق عن "الليكود" لمقاليد الأمور، و هو ما كان يجب أن يتوقف فوراً حفاظاً على تماسك الدولة العبرية، و الذي كان لا بد لها من خطر حقيقي يوحد أطرافها و فرقائها السياسيين تحت لواء إسرائيل الأم، و هو ما قدمته حماس لهم على طبق من ذهب.

بينما نجد على الجانب الآخر من المشهد ما لا يمكننا إغفاله من الأزمة المالية الخانقة التي وصلت إليها الحكومة المقالة في غزة التي ترأستها حماس في انشقاق غير مسبوق عن السلطة الوطنية في رام الله في العام 2007، و هي الأزمة التي هددت بفقدان حماس لشعبيتها التي اكتسبتها بين أوساط الفلسطينيين بفضل لعبها على وتر فشل السلطة في تحقيق آمال الشعب الفلسطيني، و ليس اقتناعاً من ذلك الشعب بقدرة حماس على حل نفس المشكلات أو تحقيق ذات الآمال!

و بعد مرور ست سنوات كاملة، و تحديداً في يوليو 2014، وجدنا أنفسنا و نحن نعيش نفس السيناريو، بنفس المعطيات، بل و بنفس الأشخاص و الأحزاب، فنتنياهو الذي تزعم الدعوة لتدمير غزة في 2008 و فاز على إثرها برئاسة الوزراء في مارس 2009 خلفاً لأولمرت، هو نفسه من يتولى رئاسة الوزراء عن حزب الليكود أيضاً، و ها هما إسرائيل و حماس تمران بنفس المشكلات التي كانتا تمران بها في العام 2008 مع اختلاف بسيط في بعض التفصيلات، فنتنياهو يسعى لتوحيد الإسرائيليين تحت زعامة الليكود، بعد الاحتجاجات و الانقسامات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية في السنوات الثلاث الماضية تزامناً مع الربيع العربي لأسباب اقتصادية و اجتماعية متعددة من جهة، و لأسباب تتعلق بالانشقاق الناتج من الخلاف بيت تيارات اليمين القومي و اليمين الديني المتشدد و بين التيارات التنويرية لمرحلة ما بعد الصهيونية، و تأثير ذلك الخلاف على تصور آفاق التسوية مع الفلسطينيين، بل و انقسام جبهة اليمين ذاتها بعد إقرار فرض الخدمة العسكرية الإجبارية على طوائف الحريديم المناهضة للصهيونية كتيار علماني و التي كانت من الطوائف المعفية من هذه الخدمة الوطنية طبقاً لتعاليمها المتشددة. 
و ها هي حماس من جديد في الجانب الآخر من المشهد تبحث عن طوق نجاة يخلصها من حقيقة فقدانها للكثير من التعاطف الشعبي الداخلي و الإقليمي و الإسلامي كحركة مقاومة وطنية بعد مواقفها السياسية الأخيرة من العديد من ثورات الربيع العربي، و يخلصها من ناحية أخرى من كارثة عدم قدرتها على دفع رواتب موظفيها في القطاع، و كذلك التنصل من اتفاق المصالحة مع "فتح" الذي أضطرت لإتمامه للوفاء بتلك الالتزامات و تجنب ثورة شعبية ضدها في غزة قد لا تستطيع ميليشياتها السيطرة عليها.

ما يغفل عنه الكثيرون ايضاً، أن اتفاق مصالح الإسرائيليين و حماس في 2008 و 2014 لم يقتصر على التشابه في عناصر كثيرة مثل تولي نفس الأحزاب لمقاليد السلطة، بل و تولي نفس الأشخاص له، بل إن المدقق يجد  تزامناً يدعو للدهشة، و ينفي اي شبهة للصدفة أو العشوائية،  بين ما حدث و ما يحدث في غزة في هاتين الفترتين و ما حدث و يحدث من أحداث مفصلية في العراق تخدم و بشكل مباشر مصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة.

ففي نوفمير 2008 و تزامناً مع عملية الرصاص المصبوب ضد غزة، توجه بوش الإبن ليوقع على المعاهدة الأمنية بين الحكومة العميلة في بغداد برئاسة نوري المالكي، و بين سلطة الاحتلال الأمريكي، و هي المعاهدة التي كرست لفكرة الوصاية الأمريكية على العراق بما في ذلك مرحلة ما بعد الإنسحاب الكامل، بل و يعطي الحكومة العميلة الحق في استدعاء النفوذ الأمريكي السياسي و العسكري متى رأت أن ذلك ضرورياً لحماية ما سمي في الاتفاقية بوحدة العراق و سلامة اراضيه، و هو ما شهدناه واضحاً في العام 2014 من  إرسال أوباما للقوات الأمريكية من جديد للعراق، و الذي بدأه بإدعاء كونه مجرد دعم استشاري عسكري و لوجستي للقوات العراقية لصد هجوم الجماعات السنية و على رأسها "داعش"، ثم تطور لاحقاً بإرسال قوات  من مشاة البحرية لحماية السفارة الأمريكية و المنطقة الخضراء، ثم نهاية بإرسال المزيد من القوات لحماية مطار بغداد، و هو ما سيتطور بالتأكيد لاحقاً لحماية حقول النفط التي تركها المالكي لقمة سائغة لداعش في تكريت و الموصل، في حلقة جديدة من حلقات مسلسل التقسيم الفعلي للعراق.

كما سبق و ذكرت هنا، فكل تلك التنبيهات و الإشارات التي يبعث لنا بها كتاب التاريخ، لا تمكنني من أن أنظر للمشهدين بصورة منفصلة، فما يحدث في غزة، يغطي دائماً بكل دمويته و استدعاءاته  الإنسانية و الشعورية و التاريخية على كل ما سواه ليخفي الأسباب الحقيقية  لأطراف الصراع الفلسطيني و الإسرائيلي لبدأ الصراع من الأساس، و هو في الوقت ذاته يلفت الأنظار عن الكثير مما تريدنا الولايات المتحدة أن نغفل عنه في العراق من تمرير لاتفاقيات تضمن مصالحها، أو إعادة لاحتلال مقنع يؤدي لتقسيم لا بد من حدوثه.





و ما أريد أن ألفت انتباهكم إليه هنا أيضاً، هو ذلك الدور الخفي لمن يدعون نصرة القضية الفلسطينية و التحدث باسم الشعوب العربية، ذلك الدور الذي يعتمد على التركيز على كل هذه الأحداث دون غيرها، و التعتيم على ما هو أهم فعلياً من خلال اللعب على أوتار التعاطف مع الضحايا الأبرياء و تضخيم حجم المأساة، و عرض الأشلاء و الدماء و الأجساد الممزقة، بينما تتجاهل في الخلفية أن كل ذلك مجرد عرض للألعاب النارية يستغل دماء الأبرياء لإلهاء الجميع بما يحدث في السماء عما يحدث على الأرض من تمزيق من نوع آخر، و لكن لجسد الوطن العربي الذي لن تتعرفوا على أشلائه خلال عقد من الزمان طالما استمرت تلك المسرحية الحمساوية التي تنتجها الولايات المتحدة و حلفاؤها في تل أبيب، و تلك الدعاية الإعلامية القطرية لها، و تلك السذاجة التي يصر الجميع في المنطقة العربية أن يتحلوا بها في مواجهة التحديات الحقيقية !

في النهاية، لست أطالبكم هنا بتبني نظرية المؤامرة كما أفعل أنا في كثير من الأحيان، و لا بالتخلي عن إيمانكم بأن نظرية المؤامرة هي مجرد مهرب للعرب للتخلي عن حقيقة فشلهم في مواجهة التحديات، و لكني ارجو منكم إعادة النظر في المشهد برمته كي لا تمر المزيد من الأجندات، بينما ننتحب على المزيد من الضحايا الذين نفقدهم يوماً بعد الاخر، او بينما ننكب على تخوين كل منا للآخر بينما يسعى العدو لتوحيد صفوفه على اشلاء شهداءنا.


علينا فقط انتظار الفصل القادم من المسرحية .. حين تتأزم الأمور من جديد هناك في إسرائيل و على الجانب الآخر لدى حماس في غزة، و الأهم .. حين تريد واشنطن تمرير بند آخر من بنود المؤامرة، و لا داعي أن أرسل لك بطاقة دعوة لحضور المسرحية .. فقناة الجزيرة ستقوم بذلك الدور كالعادة على أكمل وجه !