Saturday, November 8, 2014

الرئيس .... بين ضرورات المرحلة و نقطة اللاعودة !

June 2, 2014 at 10:55pm

على مدى ثلاث سنوات و نصف من الحراك الثوري و الوطني، لم تمر مصر و شعبها بكل هذا الجدل حول هوية من يستحق أن يقبض على عصا قيادة الوطن وسط كل تلك السماوات الملبدة بالغيوم القاتمة التي لا تمثل صواعقها التي تضرب بين الفينة و الأخرى خطراً عليها، بقدر ما تمثله جبال الريبة و الشك و الخوف و انعدام الثقة التي تختفي خلف تلك الغيوم، و التي تهدد بسقوط الجميع في هاوية سحيقة حال الارتطام بها و تحولها من مجرد مخاوف في أذهانهم إلى حقيقة واقعة تعود بالجميع إلى ما قبل الخامس و العشرين من يناير 2011.
و حين أذكر مصر و شعبها، فأنا لا أستثني منه أحدا، فالكل كان مشمولاً بحالة الجدل و الانقسام في الرأي الذي وصل في بعض الأحيان لاتهام البعض للآخر إما بخيانة الثورة، أو في المقابل بخيانة الوطن !

ففي زاوية من المشهد الوطني، و حيث يقف من يرون أن يونيو هي استمرار للمد الثوري الذي بدأ في يناير، نجد هؤلاء و هم منقسمون بين اختيار من قدم نفسه كمرشح للأولى بكل ما تعنيه من مبادئ الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية، و بين من استجاب لنداءاتهم في الثانية لإنقاذ سفينة الوطن من الغرق في غيابة بئر فاشية الحكم الديني، بالرغم من كل التحفظات على انتماء الرجل لمجلس طالما هتفوا ليرفع يده عن الحكم و مازالوا يطالبون بمحاسبة ذلك المجلس على كل الانتهاكات التي سجلت في عهده حتى تسليمه مقاليد الأمور لغير المأسوف على عزله.
بينما وجدنا في زاوية اخرى من المشهد المحتدم، اليساريون و القوميون و الاشتراكيون و هم بدورهم منقسمون بين اختيار مرشح يساري التوجه، قومي النزعة، و بين آخر يرون أنه يمثل إعادة للنموذج الناصري الذي يمكنه توحيد الكلمة و شحذ الهمم و إعادة هيبة الدولة و استعادة دورها الإقليمي و الدولي دون تبعية أو استكانة.

و لكن جل المشهد كان مزدحماً بكل أولئك المصريين البسطاء الذين لا يعنيهم من الأمر سوى الرغبة الشديدة في رد الجميل، كعادة المصريين دائما، لرجل أعاد لهم وطنهم الذي يعرفونه، و أعاد لعقولهم و قلوبهم مشاعر الانتماء و الوطنية الصادقة التي طالمت افتقدوها لثلاثة عقود لا سيما و أن الرجل يرتدي الزي العسكري الذي طالما ارتبط في الوجدان المصري بالعزة و الكرامة الوطنية.

و لكن ما يعنيني و بشدة في هذا المشهد هم أولئك الذين لا تستطيع من قلة عددهم ان تلحظ لهم وجوداً، و إن كنت أؤمن أنهم الأكثر صواباً، و الأكثر قدرة على تحليل الأمور و اتخاذ القرار الذي لا يصب إلا في إناء المصلحة العليا للوطن، و لا ينتقص بأي حال من حظوظ الثورة على المدى الطويل في بسط مبادئها رغماً عن الجميع.

هؤلاء الذين لم يعنيهم التقيد بشعارات جوفاء، أو التبعية لأيقونات واهية، أو الانتماء لأيديولوجيات جامدة، حتى و إن كان ذلك احياناً على حساب تراجع مؤقت للمسيرة الثورية ليقينهم انه و إن كانت الوسيلة المثلى للتغيير، فهي ليست هدفا بحد ذاتها.

هؤلاء ممن يظن المتابع الضحل لهم أنهم غير ثابتين على مبادئهم، فلقد رآهم يخرجون في يناير للمطالبة بالعيش و الحرية و العدالة الاجتماعية مطالبين الجيش بمساندتهم، ثم بعدها للمطالبة بتنحي المجلس العسكري و إقامة الدولة المدنية و إرساء دعائم دولة القانون بدلاً من دولة البطش و الطوارئ، ثم رآهم في النهاية يخرجون على من قد يبدو رئيساً مدنياً منتخباً، بينما كان خروجهم ضد التفاف الإخوان على مبادئ الثورة و خيانتهم لثقة الملايين ممن أئتمنوهم على وطن لم يروه إلا لبنة ضمن أخريات في مشروع إعادة بناء الخلافة المزعوم.
 
هذه القلة التي لم تحيد عن مطلبها و هدفها في رؤية وطن موحد قوي ينعم فيه الجميع بالحرية و المساواة و الكرامة، و لكن تحت راية واحدة و فوق تراب وطني موحد. ذلك الهدف الذي يتطلب على المدى القصير وجود قيادة تمتلك الحد الأدنى اللازم من القدرة على التعامل مع هذه التهديدات مدعومة بتاييد شعبي حقيقي لا يستند للتزوير أو انعدام الشفافية، و الحد الأدنى اللازم من القدرة على التحكم في موارد و اجهزة الدولة، دون إبطاء، للاستجابة لمتطلبات التصدي لتلك التهديدات، بل و دعني اقول، و الحد الأدنى من الصرامة اللازمة لكبح جماح من سولت لهم أنفسهم استباحة الدماء و الأعراض و الملكيات العامة و الخاصة.

قد يتوهم البعض أني، و هم، بذلك نعطي الضوء الأخضر لمن تولى مقاليد الحكم ليفعل ما يشاء و أن يعود بالأمور لما قبل يناير، و لكني أثق في انهم، و انا منهم، بالرغم من اختيارهم لهذه القيادة في المرحلة الآنية، فهم يملكون اليقظة الكافية للحيلولة دون إعادة تأليه الحاكم، و الإصرار اللازم لمواصلة العمل على تنمية الوعي السياسي و الإجتماعي و الثقافي للأمة و تعريف الجميع بحقوقهم التي صوتوا لدستور يمنحهم إياها، و الأهم من ذلك كله و هو ثقتي في إيمانهم بان يناير ستظل و بلا شك نقطة اللا عودة لما قبلها من قبول للقمع تحت ستار حفظ الامن، أو كبت الحريات تحت مظلة حماية الأمن القومي، أو تخوين المعارضة بحجة الحفاظ على وحدة الكلمة.