Sunday, February 27, 2022

شرح المعلم سلطان .. في حرب الروس والأوكران !

 


بقلم: إيهاب الشيمي

"ابوك هيسيب البيت يا معلم سلطان .. البيت دة هيتطربق على دماغ أهالينا يا أبو السلاطين .."

هكذا كان رد كمال (أحمد زكي) على أخيه سلطان (سعيد صالح)  بصوت أجش يشبه صوت "المعلمين على القهوة" حينما اعترض عليه سلطان  قائلاً "انت بتقول كلام يصعب على أمثالنا فهمه .. كلمنا بالهجايص !" أثناء الاجتماع الطارئ الذي ضم كذلك عاطف (يونس شلبي)  لبحث التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لزواج أبيهم "رمضان السكري" من "الست سونة" !

هذا المشهد من مسرحية "العيال كبرت" هو أول ما تبادر إلى ذهني وسط موجة السخرية والفكاهة التي رافقت متابعة ملايين المصريين للأزمة الأوكرانية، وحصرهم تأثيرات تلك الأزمة في تحقيق أحلامهم بالزواج من اللاجئات الأوكرانيات الشقراوات بارعات الجمال، أو في اعتقادهم أن تلك الأزمة هي فرصة مصر التاريخية في أن يكون غازها بديلاً لأوروبا عن الغاز الروسي، و كيف اننا "هنبيع ونكسب وتبقى الأشيا معدن" !

فمنذ تصاعد وتيرة الأحداث في شرق أوروبا واشتعال الموقف منذ أسابيع، بدأ المصريون في الاهتمام بتلك الأزمة، وأسبابها، وتداعياتها، وكعادتهم، فهم يتكاسلون عن البحث بأنفسهم عن المعلومة من مصادر موثوقة ومختلفة، بل يفضلون اقتباس ما يمكن اقتباسه من الأحاديث الجادة على المقاهي، أو من مذيعي برامج "التوك شو" غير المتخصصين، الذين يبحثون عن الإثارة وليس عن تقديم المعلومة !

وفي جنبات ذلك المشهد، هناك من يصفق لبوتين ويبدي إعجابه الشديد به، وهناك من يدعو عليه بالمرض والفناء، وهناك من يتهم أوروبا والولايات المتحدة بالتخاذل، وهناك من يبدي مساندته لقراراتهم التي تدعم الديمقراطية الوليدة في دول الاتحاد السوفييتي السابقة ضد تغول روسيا الاتحادية ورغبتها في فرض وصايتها على الدول المحيطة، وهناك من يقول أن تلك الحرب على بعد آلاف الأميال منا ولا داعي لكل ذلك التوتر، وهناك من يروج بشدة أن الكوكب كله في الطريق لحرب عالمية ثالثة لن تبقي ولا تذر !

و حتى لا أخطئ خطأ "احمد زكي" حينما شرح أسباب وتداعيات زواج أبيه بمفردات "مجعلصة" وتفاصيل "متخصصة"، أردت أن ألخص في هذا المقال ما يمكنك من خلاله عزيزي القارئ أن تفهم الأسباب وتقرأ التداعيات بصورة مبسطة، ولكن بعيداً قدر الإمكان عن "الهجايص" !

قد يبدو السبب المعلن للتدخل العسكري في أوكرانيا من الجانب الروسي هو حماية الأقلية الروسية في شرق أوكرانيا، بينما تروج واشنطن وحلفاؤها لفكرة أنه غزو شامل يمهد لخطة أكبر حجماً وخطراً، بينما الحقيقة مختلفة تماماً عما يريد هؤلاء أن يقنعوك به !

فروسيا تعلن أن تدخلها العسكري في أوكرانيا محدود المدة والانتشار الجغرافي لتأمين سلامة الأقليات الروسية في منطقتي لوغانسك و دونييتسك الواقعتين في أقليم الدونباس شرق أوكرانيا، وهو تماماً المبرر الذي استخدمته لضم شبه جزيرة القرم الواقعة جنوب شرق أوكرانيا على البحر الأسود في عام 2014، ولكي تعرف عزيزي القارئ ما صلة كل تلك المناطق ذات الأسماء الصعبة ببعضها، يمكنني أن ألخص لك الأمر في أن كل تلك المناطق كانت تابعة للاتحاد السوفييتي وتحديداً لجمهورية "روسيا السوفييتية"، ولكن قامت قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي بإعلان ضمها لجمهورية "أوكرانيا السوفييتية" لتحقيق مكاسب سياسية داخل اللجنة المركزية للحزب، ففي النهاية، كل ذلك مجرد نقل لمسؤوليات الإدارة داخل إطار "الاتحاد السوفييتي" أو بمعنى أدق "زيتنا في دقيقنا"  كما يقول المثل الشعبي المصري!

ولكن الزيت انفصل عن الدقيق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991, وأصبحت أوكرانيا و روسيا كيانين منفصلين يتمتعان بالسيادة والاستقلالية، وفقدت روسيا بالتبعية تلك الأقاليم لصالح أوكرانيا، تماماً كما فقدت أقاليم أخرى لصالح جمهوريات سوفييتية سابقة، وهو ما جعل سكان هذه المناطق مجرد أقليات عانت من معاملتها كمواطنين من الدرجة الثانية، بل وتعرضت للعنصرية والاضطهاد بعد تولي أنظمة تابعة أيديولوجياً وسياسياً للغرب مقاليد الحكم في أوكرانيا منذ عام 2014 فيما عرف بالثورة البرتقالية !

على الجانب الآخر، تروج الإدارة الديمقراطية في واشنطن بقيادة بايدن، وحليفتها البارزة لندن بقيادة غريب الأطوار بوريس جونسون لفكرة ان التدخل الروسي هو مجرد مقدمة لخطة أكبر تهدف إلى تحقيق حلم "الطاغية الدموي بوتين"، على حد وصفهم، بإعادة رسم خريطة أوروبا من خلال ضم روسيا لكل الأراضي التي فقدتها وإحياء الإمبراطورية الروسية العظيمة كما كانت قبل قيام الاتحاد السوفييتي في عشرينيات القرن الماضي، وأن الديمقراطية والحرية في أوروبا كلها، والعالم من خلفها، ستتعرض لما هو أسوأ مما فعله "هتلر" لو أن بوتين لم يجد من يوقفه ويجهض خطته المزعومة !

ولكن .. عليك أن تدرك عزيزي القارئ، أن كل تلك المبررات، حتى وإن كان بها جزء يسير من الحقيقة، ما هي إلا مواد للاستهلاك المحلي ومحاولة لرسم صورة زائفة لتلك الأنظمة أمام شعوبها لتبدو بمظهر المنقذ للأقليات المستضعفة، أو المدافعة عن الحرية في وجه الطغاة !

فالحقيقة الوحيدة هي أن الولايات المتحدة وحليفاتها في أوروبا استخدموا دول أوروبا الشرقية السابقة، والتي كانت جزءاً من منظومة الأمن السوفييتية، كوسيلة للضغط على روسيا أمنياً وعسكرياً من خلال ضم هذه الدول للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي "النيتو" ليمكن للحلف الامتداد شرقاً حتى حدود روسيا الاتحادية ضمن حزمة من الامتيازات الاقتصادية والتجارية التي تمنح شعوب هذه الدول الرغبة في التعاون مع الغرب وتضغط على حكوماتها للاستمرار في التعاون مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، بينما الحقيقة المؤلمة أن واشنطن والنيتو تستغل هذه الدول وشعوبها كمجرد مناطق عازلة موالية لها لتضمن بقاء التهديد الروسي بعيداً عن حدود الحلف الشرقية، بل وما زاد الطين بلة هو أن "النيتو" بدأ في نشر أسلحة تكتيكية واستراتيجية في تلك الدول، بل وبناء قواعد عسكرية ضخمة في بولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا مما شكل تهديداً مباشراً لروسيا، فإطلاق صواريخ تكتيكية "فرط صوتية" (وهي التي تحلق بسرعات أضعاف سرعة الصوت) من هذه القواعد، سيجعلها تصل إلى أهدافها في موسكو من هذه القواعد خلال أقل من عشر دقائق بحيث لن تسمح حتى بالتحذير منها أو البدء في إجراءات الرد المضاد.

وقد تتساءل عزيزي القارئ، ولماذا تحركت روسيا عسكرياً ضد أوكرانيا تحديداً وليس ضد دولة أخرى من تلك الدول؟! والإجابة بكل بساطة هو أن كل هؤلاء أعضاء بالفعل في حلف النيتو، وأي اعتداء على أيٍ منها سيفعل اتفاقية الحلف ليقوم بالدفاع عنها والدخول في حرب مباشرة مع روسيا قد تدخل العالم في حرب عالمية لا يعرف إلا الله مداها، ولذلك تحديداً ظلت واشنطن وحليفاتها تماطل في ضم أوكرانيا للحلف منذ أكثر من سبعة أعوام لكي تجعل منها مجرد طعم تستدرج به روسيا نحو مستنقع الحرب دون أن تكون مجبرة على الدفاع عنها في مواجهة مباشرة مع موسكو! وفي هذا الإطار قام الرئيسين الأوكرانيين بوروشينكو و زيلينسكي بإصدار قوانين تمنع استخدام اللغة الروسية بالرغم من وجود ثمانية ملايين أوكراني يتحدثون الروسية وينحدرون من أصول روسية، وهما من رفضا تنفيذ اتفاقية مينسك التي رعتها فرنسا وألمانيا لمنح تلك الأقاليم  في الدونباس الحكم الذاتي تحت العلم الأوكراني، وهما من أقاما سدودا لمنع وصول المياه للأقاليم ذات الأغلبية الروسية في القرم، وزيلينسكي الرئيس الحالي هو نفسه من أعلن منذ عدة أشهر عن أن بلاده لديها قدرات تمكنها من انتاج أسلحة نووية ستهدد روسيا في المقام الأول دون غيرها!

وهكذا يمكنك عزيزي القارئ أن ترى كيف كانت الرئاسة الأوكرانية، منذ الثورة البرتقالية التي دعمتها واشنطن عام 2014 لتنصيب نظام موالٍ لها في كييف، مجرد دمية في يد واشنطن لتنفيذ مخططات استفزاز موسكو بغض النظر عن مصلحة الشعب الأوكراني، وهو ما اضطر موسكو لطلب ضمانات أمنية من النيتو لحماية مصالحها وحدودها وأمنها القومي،، وادى رفض النيتو ومماطلته الاستجابة لذلك الطلب على مدار أعوام لاتفصال القرم ثم انفصال لوغانسك ودونييتسك، وانتهى بغزو أوكرانيا منذ أقل من أسبوع، وسط تخاذل الغرب وتخليه عنها واكتفاءه بفرض عقوبات اقتصادية ووعود بتوفير أسلحة لا تكفي لأكثر من أسبوعين في وجه الآلة العسكرية الروسية الضخمة!

ونأتي هنا للسؤال الأهم ..

ما تأثير ذلك الصراع على روسيا وأوكرانيا  والعالم ومصر تحديداً؟

قناعتي هي أن العقوبات الاقتصادية ليست مجدية‘ فهي قد تؤلم وتمنح الدول والشعوب المتضررة منها أوقاتاً عصيبة، ولكنها لم تنجح تاريخياً في إخضاع الأنظمة أو الشعوب، فهي لم تفلح في الإطاحة بكاسترو في كوبا ولا كيم في كوريا الشمالية، أو صدام في العراق، أو الأسد في سوريا، ولا بوتين نفسه بعد ضمه شبه جزيرة القرم، بل وأصبحت إيران، بالرغم من العقوبات القاسية ضدها طوال عقود، اكثر سيطرة  وتغلغلاً في العراق ولبنان وسوريا واليمن والقرن الإفريقي، بل واكثر قدرة على إنتاج أسلحة نووية !

ما سيثير دهشتك أيضاً عزيزي القارئ، وما لا يمكن إنكاره، هو أن تلك العقوبات ستضر الأوروبيين وواشنطن وأوكرانيا بشكل كبير كما ستضر موسكو، فروسيا توفر ما يزيد على ربع حاجة أوروبا من النفط، وأكثر من نصف حاجتها من الغاز الطبيعي المسال، وتوفر مئات الآلاف من براميل النفط للولايات المتحدة يومياً، ناهيك عن اعتماد صناعة الحديد والصلب الأمريكية على واردات الحديد الروسي الخام، بالإضافة لأكثر من 100 مليار دولار تستثمرها شركات غربية في روسيا، وهو ما أدى لانقسام الحلفاء الغربيين حول فصل روسيا عن نظام سويفت البنكي، فبدونه لن تستطيع أوروبا، وألمانيا تحديداً، تحويل مستحقات شركات الطاقة الروسية، وبالتالي ستتوقف إمدادات الغاز والنفط إليها. أما أوكرانيا فستخسر ثلاثة مليارات دولار تدخل خزينتها سنوياً نتيجة مرور خط أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أراضيها، وهو رقم كبير بالنسبة لاقتصادها الناشئ.

أما فيما يتعلق بتأثير الصراع على مصر تحديداً، فلا أخفيك سراً أخي القارئ العزيز أن الأمر لن يكون سهلاً على الشعب والقيادة في مصرعلى حد سواء على الصعيدين السياسي والاقتصادي!

فمصر تستورد ٨,٥ مليون طن قمح من روسيا و ٢,٥ مليون طن من أوكرانيا بينما تستورد مليون طن من الاتحاد الاوروبي، وهو ما يعني أن مصادر مصر الرئيسية من القمح ستتأثرىبشكل كبير بسبب تلك الحرب، ناهيك عن انخفاض المعروض في الأسواق العالمية مما سيؤدي إلى ارتفاع السعر بشكل كبير، و دعني أخبرك أن الارتفاع الطفيف في سعر القمح نتيجة جائحة كورونا فقط قد كلف الخزينة المصرية ما يزيد عن مليار دولار إضافية خلال العام الماضي فقط، وبالتالي يمكنك أن تفهم كيف تم إلغاء آخر مناقصة للقمح منذ أقل من أسبوع لعدم تقدم أي شركة عالمية لها ودخول شركة واحدة فقط عرضت 400 دولار للطن بينما كان السعر منذ أسابيع 345 دولار فقط، وهو ما سيتطور للأسوا خلال الأسابيع القادمة !

قد تبدو لك تلك الأرقام مخيفة، ولكنها تصبح هامشية عندما يتعلق الأمر بأسعار النفط، فالموازنة العامة للدولة تم إعدادها بناءً على سعر 62 دولار لبرميل النفط، بينما تجاوزت الأسعار بسبب الأزمة حاجز المائة دولار، و يتوقع الخبراء استمرار الارتفاع بسبب العقوبات على روسيا التي تعد من أكبر المنتجين للنفط في العالم. ولكي تتخيل تأثير فارق الأربعين دولاراً في سعر برميل النفط على مصر، فيمكنني أن أخبرك أن ارتفاعاً بقيمة دولار واحد يكلف الخزينة العامة مليارين ونصف من الجنيهات أي أن "التعويرة" بسبب النفط وحده ستقترب من 100 مليار جنيه، وهو ما سينعكس على تخفيض مستويات دعم المواد البترولية، وبالتالي ارتفاع أسعار الوقود وما سيتبعه من ارتفاع كافة أسعار السلع بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج والنقل والتوزيع، وارتفاع نسبة التضخم، وانخفاض القدرة الشرائية للعملة المحلية، وما سيتبع ذلك كله من كساد في الأسواق وضغط على الأسرة المصرية!

على المستوى السياسي، لا أجدني إلا متعاطفاً وبشدة مع القيادة السياسية، فعلاقات مصر مع روسيا الاتحادية متشعبة وأحياناً متضاربة مع مصالح دول كبرى أخرى، ناهيك عن المشاريع والخطط الاستراتيجية الوطنية التي تعد روسيا شريكاً أساسياً فيها.

فعلى المستوى السياسي تعد روسيا لاعباً أساسياً في الأزمة الليبية وهي لن تساهم بالطبع في جهود استقرار الوضع لتنعم أوروبا بالنفط الليبي وتجد فيه بديلاً عن النفط الروسي، وهي لن تساهم بالطبع في استقرار عالم يفرض عليها العقوبات ويحاصرها سياسياً واقتصادياً، بل وحتى رياضياً.

كما أن خطة القيادة المصرية لتطوير القدرات العسكرية المصرية للاستجابة للتحديات المحيطة بنا تقوم في جزء كبير منها على شراء مقاتلات سوخوي 35 المتطورة من روسيا، وهي الصفقة التي عارضتها واشنطن، وأصرت عليها مصر حتى لا نبقى حبيسي السلاح الأمريكي، ولكن الأمر هذه المرة سيصبح مختلفاً، فشراء السلاح من روسيا الآن سيتم تصنيفه على أنه اختراق للعقوبات الدولية وليس ممارسة للسيادة الوطنية، وسيعد تشجيعاً لصناعة السلاح الروسية التي ينظر إليها العالم الآن على أنها أداة بوتين لقتل الأبرياء وغزو الدول المسالمة، وتخلينا عن الصفقة وهي في مراحلها الأخيرة سيربك حسابات القوات الجوية المصرية، ولن يضمن بالتأكيد استرداد مصر للدفعات التي قامت بسدادها للجانب الروسي!

ما هو أهم بالنسبة لنا كذلك هو أن روسيا منحت مصر تسهيلات بقيمة 25 مليار دولار لإنشاء المحطات النووية بالضبعة والتي تعتمد مصر عليها بشكل كبير لتطوير شبكة الطاقة المصرية، ودعم خطة مصر 2030، وهو بالتأكيد ما سيشهد ارتباكاً شديداً، مع احتمال توقفه بالكامل بعد فرض تلك العقوبات الاقتصادية القاسية على موسكو!

ولا أظن الأمر سيختلف عندما نتحدث عن الغاز، فروسيا تعتمد على الضغوط التي ستمارسها على أوروبا حينما تقطع إمدادات الغاز عنها، ودخول مصر على خط توفير البدائل، سيجعلها في نظر موسكو داعمة للجانب الآخر، وهو ما سينعكس على موقف روسيا من كل الأمور العالقة في صفقات السلاح والمحطات النووية والأزمة الليبية، بل وقد يمتد لدعمها للجانب الإثيوبي في أزمة سد النهضة !

لا أظن أن يونس شلبي "عاطف" قد فهم شيئاً من هذه المقالة، ولكنني واثق أنك الآن أكثر إدراكاً لجوانب الصراع في أوكرانيا وتأثيره المباشرعلينا بعيداً عن أوهام البعض بالزواج من إحدى الشقراوات !

حفظ الله مصر.

 

Sunday, May 16, 2021

مصر و فلسطين .. بين إعلامنا وأكاذيب التخوين !


بقلم: إيهاب الشيمي

اقتحام مستوطنين لأحياء عربية في القدس ..

اشتباكات ومقتل جنود إسرائيليين في عمليات طعن متفرقة ..

إسرائيل تغلق الأقصى والبلدة القديمة في وجه المصلين ..

الغضب يجتاح الأراضي المحتلة واستهشاد و جرح العشرات في مواجهات مع قوات الاحتلال ..

حماس تقصف جنوب إسرائيل بالصواريخ ..

إسرائيل تبدأ قصفاً جوياً لغزة مساء اليوم رداً على الهجمات الصاروخية ..

الجيش الإسرائيلي يستعد لشن حملة عسكرية برية في القطاع لتحييد خطر الصواريخ ..

استهداف قياديين لحماس و عائلاتهم في غزة ..

تدمير مئات الأهداف المنازل و عشرات المدارس و المستشفيات و تضرر محطات الكهرباء ..

استشهاد المئات وإصابة الألاف من المدنيين الفلسطينيين إثر القصف الجوي والبحري الإسرائيلي ..

كتائب القسام تتوعد الحكومة الإسرائيلية برد قاس في العمق الإسرائيلي ..

سرايا القدس تهدد الجيش الاسرائيلي بمفاجآت حال قرر قادته دخول قواته براً إلى القطاع ..

البيت الأبيض يعلن دعمه لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس ..

اجتماع مجلس الجامعة العربية لوقف العدوان ومناشدة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته ..

...

عفواً عزيزي القارئ، قد تعتقد أن ما سبق هو استعراض لما يحدث الآن في الأراضي المحتلة، ولكن ما سيفاجئك هو أنه يمكنك ببساطة، وبعشوائية إن شئت، اختيار ما تراه مناسباً كأعوام تؤرخ  للعناوين السابقة، و سيمكنك ببساطة أكثر إيلاماً استدعاء مشاعر الغضب و الحزن و الأسى التي عايشتها خلال كل هذه الأحداث وكل تلك التواريخ التي تداعت إلى ذهنك،  رغم مرور سنوات على حدوثها.

لكنك حتماً ستواجه فشلاً ذريعاً حين يكون مرادك تذكر أسباب التصعيد في كل منها، أو مواقف الأطراف المتصارعة قبله  وبعده، أو الأسباب التي أدت لتوقف التصعيد والصدام بين الأطراف كافة وما استتبع ذلك من حجم المكاسب التي خرج بها كل طرف.

عذراً، لن أتحدث عن الخسائر، فالخاسر الوحيد في نظري دائماً هو كل تلك الامهات الثكالى، والاطفال المشردون، والآباء المكلومون على مواراة أبنائهم وأحفادهم التراب بينما ظنوا دوماً انهم هم من سيوارون أجسادهم الثرى!

ولست أتهمك عزيزي القارئ هنا بضعف الذاكرة، أو سطحية التفكير، أو فقدك للاهتمام بالأحداث، فلو أن هذا ما يميزك لما كنت تقرأ هذه السطور من الاساس، و لكن ما أنا بصدده هنا هو بيان الحقيقة المؤلمة في أن فشلك في تذكر أسباب التصعيد وأطرافه ومكاسبهم ليس إلا نتيجة لفشل الإعلام المصري على كافة الأصعدة في أن يمنحك صورة كاملة عن الحدث، و تحليلاً أعمق لجذوره و تفرعاته، وأن يعطي لك بالتالي كمصري فرصة أفضل لتفهم موقف حكومتك الرسمي، والوعي بالدور المحوري لمصر في دعم حق الشعب الفلسطيني في العيش حراً كريماً في دولة ذات سيادة و حدود معترف بها، والأهم من ذلك كله، وهو تبصيرك بالحجج و البراهين التي تساندك حين يتعلق الأمر بالرد على ادعاءات المغرضين الذين لا هم لهم سوى تقزيم الدور المصري، أو تشويهه، أو تخوينه لخدمة أجندات داخلية و خارجية.

ولا أنكر هنا بأي حال تطور أدوات ذلك الإعلام، بدءاً  بالصحافة المقروءة، ومروراً بالقنوات الفضائية، وانتهاءاً بالمواقع الإليكترونية، و لكن ذلك التطور في الأدوات لم يواكبه أي تطور يذكر في أسلوب التناول والعرض والتحليل السياسي والاستراتيجي القائم على أسس مهنية وعلمية، فلم يجد المتابع نفسه إلا فريسة سهلة لمن يتقنون فعل ذلك لتحقيق أغراضهم، لنجد أنفسنا في النهاية و قد تعادلت كفة عشرات الآلاف ممن يشغلون طوابق ماسبيرو ووكالة أنباء الشرق الأوسط والصحف القومية والفضائيات، مع قلم رجل واحد مثل عبد الباري عطوان في صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن، أو بضع شعارات جوفاء على حساب اللاعب محمد أبو تريكة الذي يغرد من الدوحة ويتابعه الملايين من الشباب المصري والعربي، والعديد من أقرانه ممن نجحت جهود استغلال إنجازاتهم الرياضية والفنية بالتنسيق مع قنوات الجزيرة ومواقع الإخوان المسلمين الظاهرة والخفية، المدعومة والممولة من طهران وأنقرة في لي الحقائق و إظهار تركيا وقطر في صورة المساندين للحق الفلسطيني، و حصر المقاومة الوطنية في حماس، وحصر فلسطين في غزة، بينما رسموا صورة مشوهة لمصر تتحالف فيها مع الكيان الصهيوني تصفيةً لحسابات تتعلق بالأمن القومي.

إذا كنت تعتقد اني من المتحاملين على الإعلام المصري، فكيف لك أن تفسر عدم استطاعة وسائل الإعلام المصرية الكشف عن حجم العلاقات الوثيقة بين أنقرة والدوحة وتل أبيب على جميع الأصعدة خلال العقدين الماضيين للملايين من الشباب غير المسيس؟!

و كيف لك أن تفسر لماذا لم يتطرق بشكل موضوعي ومؤثر إلى حجم التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري بينهم والذي لم يتوقف حتى بعد عمليات الرصاص المصبوب ضد غزة في 2008 أو الجرف الصامد في 2014؟! بل وكيف زاد حجم التبادل التجاري بين أنقرة وتل أبيب في العام الماضي رغم أزمة كورونا ورغم تهديدات أردوغان بالانتقام رداً على إعلان ضم القدس وأجزاء من الضفة؟!

 و السؤال الأهم هنا، هو كيف لم يتطرق أحد من هذه الوسائل لتفسير اشتراط  حماس لفتح معبر واحد مثل "رفح" و هو الأقل منفعة للفلسطينيين في غزة للقبول بوقف إطلاق النار في 2012 و 2014، بينما تجاهلت ستة معابر أخرى مع إسرائيل يتحرك من خلالها معظم سكان غزة للعمل و الدراسة و التجارة داخل إسرائيل، حتى يظهر للعالم أن مصر هي من تحاصر القطاع و ليس إسرائيل!

كيف لم يتحدث أحد ممن يملأون الشاشات ليلاً و نهاراً عن أن المبادرة المصرية أثناء اجتياح غزة في 2014 كانت تتضمن فتح المعابر الإسرائيلية مع القطاع وإنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ انقلاب حماس على السلطة الفلسطينينة في 2007، و أن الجهود الاستخباراتية و الدبلوماسية المصرية نجحت في إقناع إسرائيل بإعلان قبول ذلك ووقف إطلاق النار، وكيف أن الجهود الاستخباراتية المصرية هي ما منعت اجتياح الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة خلال الأسبوع الماضي في عملية كان سيسقط فيها الآلاف من الضحايا الأبرياء من الشعب الفلسطيني الأسير في غزة الذي تسيطر عليه وترهبه ميليشيات حماس الإرهابية منذ 14 عاماً ؟!

كيف لم ينجح أي من هؤلاء الإعلاميين في بيان كيفية متاجرة قادة حماس بدماء وأرواح ومستقبل الفلسطينيين برفضهم، خلال الأيام الماضية، لمباردرات وقف إطلاق النار وادعاء وقوفهم في وجه العدوان واستعدادهم للتضحية بكل غالٍ ورخيص من أجل الأقصى، بينما هم غير متواجدين من الأساس في غزة مع من يواجهون الموت كل ليلة، بل هناك برفقة إسماعيل هنية في زيارة إلى الدوحة تلقى خلالها دعماً من امير قطر بقيمة 300 مليون دولار بحضور ممثلين من إيران و تركيا ؟!

كيف لم يطرح ذلك الإعلام سؤالاً بسيطاً، وهو إذا كان كل ذلك الغضب من أجل الأقصى، كما تدعي قيادات حماس، فلماذا لم تنطلق كل تلك الصواريخ حينما أعلن ترامب ونتنياهو ضم أجزاء من الضفة الغربية وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل العام الماضي ؟! و كيف لم يكشفوا أن أن الأمر كله مرتبط بتعزيز صورة حماس ضد فتح قبيل الانتخابات المزمعة رغم تأجيلها، و كيف أن هذا التوقيت بالذات مرتبط باجتماعات الاتفاق النووي الإيراني و إيصال رسالة من طهران، عبر حماس، إلى تل أبيب أن الحرس الثوري يمكنه إيذاء العمق الإسرائيلي عبر وكلائه إذا أصرت إسرائيل على موقفها من رفض الاتفاق وتخريب البرنامج النووي الإيراني ؟!

كيف لم يخرج أحد في هذا الإعلام ليشرح للجميع كيف أنقذت حماس وقيادتها المجتمع الإسرائيلي من الانقسام كلما زادت حدته لتوحد ذلك المجتمع ضد عدو واحد ولتنقذ نتنياهو وتمنحه رئاسة الوزراء على طبق من ذهب وهو ما حدث في 2008 و في 2014 و يحدث الآن في 2021، وكيف حولت الانتباه عمداً عما هو أهم في العراق لصاح الولايات المتحدة وإيران، لتلعب حماس دور حصان طروادة الذي نجح أعداء الأمة في إدخاله عبر أسوار المقاومة العربية ليهدمها من الداخل تحت عباءة الدين وعمامة التقوى؟!

يمكنك متابعة المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع في مقالي هنا:

فلسطين و العراق .. المؤامرة و إشارات التاريخ !

http://ehabelsheemy.blogspot.com/2014/11/blog-post_7.html

عذراً أيها القارئ، فلقد فشل الإعلام المصري، كعادته، في بيان أسباب التصعيد، و حجم المصالح المتعلقة به لدى كل طرف، والمواقف الحقيقية للدول المعنية سواء على الارض بكل ما تحمله من دماء و آلام و دمار، أو في ردهات الدبلوماسية الاقليمية و العالمية الأنيقة بكل ما تحويه من اتفاقات سرية و حسابات استراتيجية، أو في أسواق السلاح و النفط الدولية التي لا يعنيها من كمية الدماء المسالة إلا قدر ما ستؤمنه من صفقات جديدة لترويج منتجاتها بسعر أفضل في ظل طلب أكثر إلحاحاً من الجميع.

بقي لي فقط في النهاية أن أطلب منكم أن تلعبوا أنتم دور الإعلام الغائب مع أبنائكم كي لا يفقدوا الهوية وكي يتحسسوا طريقهم لإدراك حقيقة ما يحدث حتى وإن حاول الآخرون تغيير اتجاه بوصلة الحقيقة !

علموا أولادكم أن الأقصى أسير ..

وأن فلسطين عربية من النهر إلى البحر ..

وأن إسرائيل عدو ..

وأن حماس ليست الشعب الفلسطيني!

وأن المقاومة شرف لا يمكن اختزاله في شعارات جوفاء أو راية يتوشحون بها في ملعب لكرة القدم!

وأن أمن مصر القومي لا يقف عند حدودها، بل يمتد إلى ضفاف الخليج العربي شرقاً، وباب المندب ومنابع النيل جنوباً، وسواحل الأطلسي غرباُ، وتخوم الأاناضول شمالاً !

و أن مصر بدماء ابنائها  وجهود استخباراتها و دبلوماسييها وقوة جيشها، كانت وستظل دوماً هي حجر العثرة أمام طموحات إسرائيل التوسعية وهي النصير القوي و الأمين لحق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه و أمنه و حقه في عيش كريم على تراب مستقل

حفظ الله مصر.


Saturday, March 20, 2021

شريحة اللحم المشوي .. وأشياء أخرى !!

إيهاب الشيمي

منذ كنت طفلاً صغيراً، دائماً ما راودتني تلك الأفكار الغريبة عن حقيقة الأشياء، عن الكون، عن الخالق، عن وجودي ذاته من عدمه .. !

و دائماً ما سألت أصدقائي ..
كيف لك أن تعرف أن عالمي هو عالمك ؟
كيف لك أن تثبت أن ما يحدث لك، يحدث بالفعل ؟
كيف تستطيع أن تثبت أنني موجود بالأساس و أنني أسألك هذا السؤال بالفعل ؟
وحتى ظهور فيلم "المصفوفة" أو "The Matrix" بعد تخرجنا بخمس سنوات كاملة، كان الجواب دائماً، هو: هل أنت مجنون ؟

و كان ردي دائماً، على تساؤلهم حول جنوني من عدمه، هو سؤال آخر..
ما هو اللون الذي تراه هنا ؟
بالطبع سيكون جوابك هو "الأحمر"
و هنا سأصحح لك جوابك
الأحمر هو الاسم الذي تعرف به هذا اللون
و هو الاسم الذي تعرف به هذا اللون منذ أن قالت لك أمك أنه "احمر"
و لكن .. ما الذي يثبت أنني كذلك أراه أحمرا ؟
مجرد تعريفي له أنه "أحمر" لا يعني أنني أراه "الأحمر" الذي تراه أنت.
نعم .. نحن متفقان أن إسم هذا اللون هو "الأحمر" و لكن أليس من المحتمل أنني أراه ما تراه أنت "أزرق" و لكني منذ ولادتي علمني الجميع أن ما أراه "أزرقاً" إسمه "أحمر" ؟

بالطبع .. لن يمكنك أن تنفي أو تثبت ذلك، فعيناي ستظلان عيناي وحدي، و الإشارات العصبية التي تنقل ما تراه عيناي ستظل مشفرة بحيث لا يستطيع فك شفرتها غير مخي أنا فقط، و الكود الذي يحل الشفرة ليجعلني أرى هذا اللون ما تسميه أنت أحمر، و ما أراه أنا أزرقاً، سيظل شيئا لا يمكن الكشف عنه.. !

الشيئ الوحيد الذي نتفق عليه هو تعريفنا لإسم هذا اللون، و ليس كيف يراه كل منا!
إذا اقتنعت بما أقول، فعليك أن تعيد النظر في كل التعريفات ..
فكلها مجرد أسماء لما يصل مخك من نبضات كهربية يحل شفرتها ذلك الكود الخاص بك فقط!

و يبقى السؤال .. هل أنت حقاً تقرأ هذه السطور؟ أم أن أحدهم يضخ بعض النبضات الكهربية داخل دماغك ليوهم عقلك أن هذا البوست موجود بالفعل، بينما ليس هناك ما تظن أنت أن اسمه "مدونة" من الأساس ؟

و السؤال الأهم .. ماذا عن مذاق شريحة اللحم المشوي؟





Saturday, February 27, 2021

شرح البيان .. في دعم بن سلمان


إيهاب الشيمي 

عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين أدركت القوى الاستعمارية الكبرى أن الصراع فيما بينها لن يصب سوى في مصلحة  أعدائهم المشتركين، وأن عليهم البحث عن حل المعادلة التي سترسخ سيطرتهم على العالم بصورة عامة، والشرق الأوسط بصفة خاصة، وتضمن  عدم عودة التهديد الإسلامي من جديد، و تؤمن السيطرة على طرق التجارة و موارد الشرق الأوسط اللامحدودة لدعم آلة الحرب العملاقة لهذه الدول، و إمداد اقتصادياتها بما تحتاجه على حساب شعوب المنطقة.

وكان ذلك الحل هو  تخليهم عن أحلام بناء الإمبراطوريات التاريخية التي طالما تناحرت فيما بينها، وتوحدهم جميعاً في كيانات سياسية واقتصادية ضخمة، تتجاوز اختلافاتهم الداخلية و بنيتهم المجتمعية المتناقضة، و لغاتهم المتعددة، و أعراقهم المختلفة، بل وكراهيتهم الثابتة تاريخياً لبعضهم البعض.

ومنذ ذلك الحين استمرت تلك الدول في تنفيذ و دعم آليات تلك الاستراتيجة بدءاً من اتفاقية سايكس بيكو، منذ ما يربو على مائة عام، و مروراً بمعاهدة بازل و نهايةً بما نراه الآن من تغول كيانات ضخمة مثل الاتحاد الأوروبي و حلف النيتو.

و دعني عزيزي القارئ أستبق ذلك السؤال الذي يدور برأسك الآن، وأوافقك أنه لا شك أن جميعنا يعلم ذلك، و أن قادتنا لا يحتاجون دروساً في التاريخ الذي يعلمون خباياه جيداً، و لكن ما يؤرقني هو أننا لم ندرك بعد أن السلاح الوحيد القادر على التصدي لتلك المؤامرة هو نفس السلاح الذي استخدمه الغرب ضدنا.

 نعم .. من حق كل دولة من دولنا أن تسعى منفردةً لتنمية القدرات البشرية و خلق الآليات التي تحسن من إدارة الموارد المتاحة لديها، و أن تعمل بقوة على إصلاح الداخل و ضمان الحريات و إتاحة الفرص للجميع لخدمة الوطن، بل وأن تسعى للدخول في تحالفات تضمن مصالحها الإقليمية والدولية، وإن لم يرق ذلك للبعض!

و لكن علينا أن ندرك كذلك أن من بدأوا بفلسطين، ثم لبنان، ثم العراق، ثم السودان، ثم سوريا، ثم ليبيا، و و مازالوا يحاولون بإصرار ومثابرة في مصر و تونس، سيواصلون مخططهم ليمتد إلى بقية الدول و على رأسها المملكة العربية السعودية وشقيقاتها في الخليج العربي.

علينا أن نرى كيف أن واشنطن في السنوات الأخيرة الماضية ، ومنذ ولاية أوباما الأولى، سعت وبشدة لفصل الرياض عن محيطها العربي و ربطها بتحالفات أوروبية و تركية خاضعة لهيمنتها، و هو ما يمكن قراءته بين سطور تحالف الرياض مع واشنطن في الحرب على داعش في سوريا وإعلان البنتاجون حينها أنه من الأفضل التدخل برياً في تحالف بقيادة السعودية  لإزاحة الأسد عسكرياً بحجة إنقاذ الشعب السوري، في محاولة واضحة لإنهاك القوة السعودية على أكثر من جبهة شمالاً في الشام و جنوباً  في اليمن، في نفس الوقت الذي طلبت فيه تأجيل التوقيع على بروتوكول القوة العربية المشتركة التي كانت ستوفر غطاءاً عربياً قوياً للحرب على الإرهاب في سوريا وليبيا واليمن ومصر!

علينا أن نتيقن أن هؤلاء لا يعجبهم كون السعودية و مصر كفتا ميزان استقرار المنطقة و الضامنتين لبقاء العرب كقوة فاعلة، إحداهما بثقلها الاقتصادي والديني، و الأخرى بثقلها التاريخي والبشري والعسكري، و بالتالي فلا يمكن أن نستبعد فرضية أن أعداء الأمة قرروا أن تكون السعودية هي  الضحية التالية للابتزاز السياسي والإرهاب و الفوضى والمعانة الاقتصادية، لينهار ذلك التوازن الدقيق، ولننسى جميعا ًكل تلك الخرائط التي تحدد ما اعتدنا على تسميته بالوطن العربي!

و قد يظن البعض أنني قد بالغت بعض الشئ هنا، فالسعودية هي الحليف الأهم لواشنطن وأوروبا طوال العقود الماضية ولا يمكن اعتبار هجوم بايدن الحالي على قيادتها، باستغلال قضية مقتل خاشقجي، من أجل تحقيق مصالح آنية للحزب الديمقراطي سبباً للاعتقاد أن هناك مؤامرة كبرى تحاك ضد المملكة والمنطقة بأسرها!

ولكن مبرراتي لذلك الاستنتاج يمكن رؤيتها بوضوح في كل تلك الاتفاقات التي عقدتها أوروبا والولايات المتحدة مع إيران بدايةً من إبرام الاتفاق النووي الذي غض النظر عن استمراها في بناء منظومة صواريخها الباليستية التي يمكنها بها تهديد المنطقة برمتها، وسمح برفع العقوبات الاقتصادية عنها ليمكنها الحصول عى المزيد من الموارد و الأموال اللازمة لدعم عملائها في اليمن و سوريا و لبنان و العراق، بل وتطوير سلاح العمائم الأخطر الذي سيعملون على استخدامه بإفراط في المرحلة القادمة  وهو بث الفتنة الطائفية و تأجيج الصراع الشيعي السني داخل المملكة بل وفي أرجاء الخليج العربي بأكمله!

و لا يمكنني هنا إلا أن أضيف أمراً آخر، قد لا يتفق معي الكثيرون في رؤيته أو إدراك خطورته، وهو منح واشنطن الكثير من المساحة لأنقرة لتدغدغ أحلام استعادة الإمبراطورية حكامها من جديد، وتطلق لهم العنان في سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا وشرق المتوسط برمته، ليظل أردوغان في انتظار الفرصة الذهبية  التي يتم من خلالها إضعاف الرياض كممثل للقوى السنية في المنطقة، و إنهاكها إقتصادياً و عسكرياً، ليتمكن حينها من ادعاء أحقية تركيا في تمثيل تلك القوى بدلاً من السعودية، و تحقيق حلمه في اعتلاء كرسي الخلافة العثمانية من جديد على أنقاض الدول العربية، التي يرى أنها مجرد تركة يجب أن يستردها، و هو ما يمكن كذلك استنباطه من تحالف أنقرة مع طهران عسكرياً و اقتصادياً برغم وضوح مشروعها الصفوي للاستيلاء على المنطقة برمتها، وتشكيك كلاً من طهران و أنقرة، على ألسنة مسؤولين بارزين، في أهلية المملكة و قدرتها على احتضان أعظم الشعائر الدينية لدى المسلمين وسعيهما من آن لآخر لطرح مشروع تدويل المقدسات!

و مما يزيل المزيد من حوائط الشك و الريبة أن الولايات المتحدة، تحت إدارة الحزب الديمقراطي، بدأت فعلياً في فك ارتباطها بالسلطة في الرياض واستهداف العائلة الحاكمة قبيل حادثة خاشقجي بأعوام، هو ما أثاره أعضاء بالكونجرس في عام 2016، وفي تزامن مريب مع حملة شبكة سي إن إن الإخبارية المقربة من دوائر الحزب، و التي تدور جميعاً في فلك اتهام العائلة المالكة السعودية رسمياً بالضلوع في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بناءاً على معلومات وفرها زكريا موسوي عضو تنظيم القاعدة المقرب من بن لادن و الذي أكد في اعترافاته أن من بين الممولين للمجموعات التي قامت بتدريب الطيارين الذين قاموا بالهجمات في ألمانيا و الولايات المتحدة أمراء سعوديين و ذكر من بينهم تركي الفيصل و بندر بن سلطان !

و بالرغم من تصريح شبكة سي إن إن الإخبارية أنها لا تؤكد صحة هذه المعلومات، إلا أنها قامت بإعادة نشرها في 2016 بعد أن نشرتها للمرة الأولى في فبراير 2015 ، و هو ما تلقفه في تنسيق واضح نواب و أعضاء مجلس شيوخ سابقين لدعم إصدار قانون يتيح مقاضاة السعودية و تجميد أصولها في الولايات المتحدة التي تقترب من تريليون دولار أسوة بما فعلته أمريكا لتدمير الاقتصاد الإيراني طوال السنوات الماضية، و هو ما أراه سيحدث في المستقبل القريب في ظل توجهات إدارة بايدن التي تمثل الولاية الثالثة لباراك أوباما!

و لا أنكر هنا، بالرغم من كل تلك المؤشرات على ضرورة الوحدة و التكامل في وجه تلك المخططات، أن هناك الكثير من نقاط الخلاف التي طفت على السطح بين مصالح كل من الرياض والقاهرة في الكثير من الأمور الشائكة في المنطقة، إلا أنني وفي الوقت ذاته لا أرى في تلك الخلافات تعارضاً مع الأهداف المشتركة العليا للبلدين بقدر ما هو تعارض في أدوات وأسلوب تحقيقها لدى كل طرف!

فبينما رأت الرياض ضرورة رحيل الأسد و دعم المعارضة في سوريا، رأت القاهرة أنه لا بد من عدم الإطاحة بالرجل حتى التوصل لصيغة سياسية تضمن بقاء الدولة ووحدة الأراضي السورية حتى لا تصل لمرحلة السيولة الثورية التي تفقد معها كل مقومات الدولة بمعهناها الحديث، كما حدث في ليبيا، لنسقط في مستنقع "قاعدة" جديدة، و "داعش" أكثر وحشية و نفوذاً،  و هو الخلاف الذي حاول وكلاء الغرب تصويره والترويج له على أنه تأييد مصري للمعسكر الروسي ضد الرياض، و ترجمه آخرون على أنه ارتماء من الرياض في أحضان واشنطن ضد مصالح القاهرة، وانساق خلف كل هؤلاء في سذاجة مفرطة شعوب وإعلام، بل وبعض مسؤولي البلدين ! 

كما أنه لا يمكننا أن نغفل الخلاف الذي ظهر في الحملة العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن نتيجة تحالف الرياض والحكومة الشرعية مع حزب الإصلاح، الذراع السياسي للإخوان المسلمين في اليمن، كخيار عسكري استراتيجي فرضته ظروف الصراع، و هو الأمر الذي تفهمته القاهرة بالطبع، و لكنه أيضاً ما تعاملت معه بالكثير من الحذر والتحفظ لما نعلمه من التوتر الشديد في العلاقة بين جماعة الإخوان و الشعب المصري بأسره، و ما تقوم به الجماعة من حملة شرسة ضد مصر في أروقة الدبلوماسية العالمية بدءاً من الدوحة و مروراً بأنقرة، و وصولاً إلى الكابيتول في واشنطن، ناهيك عن دعمها الأيديولوجي لكل التنظيمات الإرهابية المسلحة التي تعمل ضد الدولة المصرية في سيناء!

خلاصة القول يا سادة .. أننا الآن أمام خيارين لا ثالث لهما ..

إما أن تستغل مصر والسعودية، شعوباً وحكومات وقادة، ذلك القدر المتاح من الاتفاق لدعم بعضهما البعض أمام تلك الهجمة الشرسة لأعدائهما، وأن نتوقف عن التركيز على نقاط الخلاف والتمسك بالنعرات القومية والتاريخية ومشاهدة أحدنا للآخر وهو يقف وحيداً وسط المعركة .. و إما أن نحصر أهدافنا في مصالحنا الفردية الآنية المحدودة لنمنح أعدائنا فرصة اصطيادنا  واحداً تلو الآخر كالشياه المنفردة !

حفظ الله مصر ..

حفظ الله المملكة العربية السعودية.

 

Monday, January 11, 2021

السطور الخفية .. في رواية الديمقراطية !




إيهاب الشيمي

منذ بداية الانتخابات الأمريكية الحالية كثر الحديث عن دوائر النفوذ التي تتحكم في المشهد من خلف الكوليس داخل أروقة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومدى تأثيرها على سير الانتخابات..
 وانخرط الكثيرون في محاولات استقراء تأثير سيطرة الحزبين الجمهوري والديمقراطي على جناحي الكونجرس الأمريكي و مناقشة تأثير ولاءات المسؤولين الأيديولوجية والحزبية على صناعة القرار أو أسلوب تنفيذ القرارات الصادرة من البيت الأبيض بما يخدم هذه الولاءات في المعترك الانتخابي، وبما يمنح المنصات الإعلامية التابعة لكل طرف ما يمكنها أن تستخدمه للعبث بعقل وإدراك المواطن العادي لصالح مموليهم !

ولكن مع ازدياد حرارة المعركة، ومع خروج الرئيس ترامب عن سياق هذا المشهد بظهوره في صورة المتمرد الثائر على آليات عمل الدولة العميقة، بدأت خيوط اللعبة تتضح أكثر فأكثر، وبدأ الهجوم من الجميع، جمهوريين وديمقراطيين، ومن الشركات لمالكة لمنصات التواصل الاجتماعي والشبكات الإخبارية على شخص الرئيس، بل وتقييد حريته التي منحها له الدستور في مخاطبة شعبه ومؤيديه الذي يتجاوز عددهم 70 مليون أمريكي، في أول سابقة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة، في ظل دعم لم يقتصر على أعضاء الحزب الديمقراطي فقط، بل وامتد ليشمل نواباً من الحزب الجمهوري، وحكاماً للولايات، وقضاةً في المحكمة العليا، وكذلك أعضاءً بارزين في إدارته نفسها وعلى رأسهم نائبه مايك بنس!

إن ما حدث خلال الأسابيع الماضية، أكد للجميع أن هناك الكثير من السطور الخفية في رواية الديمقراطية الأمريكية، وأن هؤلاء ليسوا سوى واجهة لمن يسيطر بالفعل على المشهد السياسي والاقتصادي، بل والعسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن يدير الأمور لصالحه فقط منذ إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو عام 1776 ولكن تحت عباءة الديمقراطية والحقوق الدستورية ودعم الحريات، ليس في الولايات المتحدة فقط، ولكن في العالم أجمع!

ودعني عزيزي القارئ أحاول فك بعض تعقيدات المشهد لنرى معاً ما هو خلف الكواليس ..

لا أعتقد أنك تختلف معي أنه منذ فجر الحضارة فإن "المال" و "الثروة" كانا دائماً هما المحركان الأساسيان لكل الأنشطة الإنسانية، وأن من يمتلك المزيد منهما يمتلك في واقع الأمر القوة والنفوذ وليس رفاهية العيش فقط، وهذا تماماً ما أدركه من يحركون الخيوط هناك في الولايات المتحدة، وما ينفذونه بدقة بالغة واستمرارية حثيثة تثير الدهشة والإعجاب في ذات الوقت.

فعلى مدار القرون الماضية في الولايات المتحدة، نشأت وتطورت واندمجت وتعملقت شركات تمتلك أصول مالية و عينية توازي ما لدى دول بأكملها، و تخصصت كل منها، في اتفاق ضمني غير معلن لتقسيم الكعكة، في مجالات مختلفة شملت صناعة الأسلحة والنفط، والإعلام، والمؤسسات المالية، والتكنولوجية.
وبطبيعة الحال، وبما أن بصمات مؤسسي هذه الكيانات الضخمة كانت واضحة في إنشاء وتطور وتعديل نظام الحكم وكتابة نصوص الدستور ووضع نظام الانتخابات الفريد من نوعه والقائم بالأساس على منح العدد الأكبر من الأصوات للولايات ذات الثروة والقوة الاقتصادية فقط،استطاع هؤلاء تكوين لوبيات تعمل لضمان مصالحهم من خلال السياسيين الذين يتصدرون المشهد بالنيابة عنهم.

فبغض النظر عن كتلة الأصوات والقاعدة الشعبية التي قد تأتي بأحد السياسيين إلى داخل أحد الحزبين المسيطرين على المشهد، أو إلى فوزه بأحد مقاعد مجلسي النواب و الشيوخ أو حتى إلى وصوله إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، فإن نجاحه في إدارة حملته الانتخابية يحتاج إلى دعم مالي وإعلامي ضخم يفوق بأشواط قدرته المادية، وهو بالطبع ما يمنحه إياه من يقفون خلف الكوليس من خلال العديد من المانحين والمتبرعين والمجموعات التي يصعب ربطها بهم، بينما يقوم  ذلك السياسي في المقابل بضمان مصالحهم عبر دعم وتمرير القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية اللازمة لازدهار أعمالهم.

وهكذا يمكنك عزيز القارئ أن تدرك أن الساسة والسلطة التشريعية والتنفيذية والنظام القضائي برمته هناك مجرد واجهات لتمرير الخطط الكبرى التي تنفذها الإدارات الأمريكية المتعاقبة للسيطرة على الولايات المتحدة ودول العالم واستغلال واستنزاف ثرواتها الطبيعية والبشرية لصالح تلك الشركات العملاقة.
فالأمر كله لا يرتبط بالوجوه أو الأشخاص أو الأحزاب، بل يتعدى كل ذلك ليقف فقط عند تنفيذ المخطط الموضوع مسبقاً، فالحرية الممنوحة للشعب تقتصر على اختيار الحافلة واختيار السائق واختيار الطريق واختيار مقعدك أيضاً، ولكنها لا تتضمن اختيار الوجهة النهائية التي تم اختيارها للجميع مسبقاً!

وقد يبدو لك الأمر كله هنا مجرد مبالغة ساذجة، أو إغراق في نظرية المؤامرة والمؤامرة المركبة، فكيف يمكن لأي شركة أو مجموعة من الأشخاص التحكم في أكبر دولة في العالم ؟!

ولا ألومك هنا ..

فلكي يمكنك أن تتخيل حجم سيطرة هذه الشركات، لا بد أن تعرف أن هنك ما يقارب 11 مليون شركة في الولايات المتحدة الأمريكية (طبقا لآخر إحصاء في مارس 2020) تضخ ما يزيد على 20 تريليون دولار في الناتج القومي الأمريكي، ولكن ما يجب أن تعرفه أيضاً أن 1000 شركة فقط من هذه الشركات مسؤولة عن 12 تريليون دولار أمريكي أي ما يوازي 60% من الناتج القومي الأمريكي، أو ما يساوي 15% من اجمالي الناتج القومي لكل دول العالم مجتمعة والبالغ 80 تريليون دولار!

الشيئ المميز هنا هو ذلك التوافق والتناغم الشديد بين تلك الشركات بحيث لا تتصادم أو تتعدى مناطق نفوذها للتعدي على بعضها البعض، بل العكس تماماً هو ما يحدث بقيامها بتشكيل جماعات تمارس مختلف وسائل الضغط للتأثير على القرار الحكومي والتشريعي كي يتوافق مع أهدافها ومصالحها  في الداخل والخارج ، بما جعل بعض هذه الشركات مرتبطة بالتأثير على معايير و سياسات الأمن القومي للولايات المتحدة بل والتدخلات العسكرية التي قامت بها في جميع أنحاء العالم طوال عقود!

وما يثير الإعجاب أيضاً في أسلوب جماعات الضغط والمصالح في الولايات المتحدة هو سعيها الحثيث لجعل كل ما تقوم به وما تهدف إليه مدعوماً بظهير علمي من خلال إنشائها وتمويلها لمراكز الدراسات الاستراتيجية وتوظيف نخب العاملين الحاليين والسابقين في وزارات الدفاع والخارجية ووكالات الاستخبارات والأمن القومي بها للتسويق للقرارات المطلوبة في إطار أكاديمي، وتقديم الخدمات الاستشارية في مجال السياسة الخارجية، أو بالظهور في وسائل الإعلام المختلفة للتأثير على توجهات ومزاج المواطن العادي وجعله أكثر قابلية للموافقة على القرارات المطلوبة.

 ولكي أعطيك لمحة سريعة عن مجال واحد من هذه المجالات التي تسيطر عليها تلك الشركات، وهو مجال صناعة السلاح، عليك أن تعرف أن العقود "المعلنة" لوزارة الدفاع الأمريكية لسنة 2019 فقط بلغت 400 مليار دولار ذهبت لعشر شركات فقط هي لوكهيد مارتن، بوينج، جينرال دايناميكس، رايثيون، نورثروب، يوناينتد تكنولوجيز، هنتنجتون الصناعية، هومانا، هاريس، و بي إيه إي سيستمز. وهذا بالطبع لا يتضمن عقود هذه الشركات مع دول العالم.
 ( ملاحظة : إجمالي الناتج القومي المصري يبلغ 300 مليار دولار فقط في عام 2019 مقارنة بما يساوي 250 مليار دولار في 2018)

ويمكنك الآن أيضاً عزيزي القارئ أن تفهم لماذا لم يتم اتخاذ إجراءات "مناسبة" في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008 حيث كان متوقعاً من البيت الأبيض والكونجرس أن تتخذ إجراءات تشريعية سريعة تجبر الشركات الكبرى على التقيد بمعايير محاسبية أكثر صرامة ودقة  تدافع عن مصالح المساهمين والمودعين والموظفين والعملاء والملايين من العمال والطبقة الوسطى، وهو ما لم يحدث! تماماً كما لم يتم تمرير تشريع الضرائب التصاعدية على الشركات الكبرى، بل على العكس، حصلت بعضها على إعفاءات ضريبية تحت مبررات عديدة !

ويمكنك أيضا تفهم تعاون تلك الشركات مع وكالة المخابرات المركزية والحكومة الأمريكية ليمكنها العمل، تعاوناً أو احتلالاً أو تنفيذاً لقرارات وعقوبات دولية، في دول معينة مثل الدول النفطية حيث تقوم بتنفيذ وتشغيل مشاريع ضخمة في البنية التحتية في تلك الدول مقابل إستمرار تدفق النفط بأسعار متفق عليها، واستعمال تلك الدول لفائض الإيرادات النفطية في شراء سندات الخزانة الأمريكية في نهاية المطاف!

خلاصة الأمر ..

ليس عليك أن تقف مذهولاً من جرأة شركات مثل تويتر وفيسبوك وآبل وجوجل لتقوم بالحجر على حق رئيس اقوى دولة في العالم في مخاطبة شعبه ..

 أو تحريض زعيمة الأغلبية الديمقراطية في أكبر صرح دستوري وتشريعي و ديمقراطي في العالم للقادة العسكريين على التمرد و عدم تنفيذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة ..

أو من انقلاب نائب الرئيس عليه في أحلك الظروف التي كان يجب أن يقف بجانبه فيها أخلاقياً وسياسياً ..

عليك فقط أن تدرك أن الآباء المؤسسين لجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية لم يؤسسوها من أجل حماية الحريات وحقوق الإنسان وبناء جنة للديمقراطية هناك في العالم الجديد، بل أسسوها من أجل تحقيق أهدافهم وحماية مصالح حلفائهم من الجماعات والأسر الثرية التي خرجت من أوروبا للسيطرة على العالم بأسره وليس ذلك الذي اكتشفه كولومبوس وأمريكو فيسبوتشي فقط!
 

Monday, December 28, 2020

حروب الجيل الرابع .. !!


المقدمة

 اختفت في الآونة الأخيرة في أذهان وعقول الفئة الغالبة من الشعب المصري، و شعوب الشرق الأوسط بصفة عامة، تلك الحدود الفاصلة بين حالتي الحرب والسلم، وتجاوزت الحروب التي تخوضها القوى الاستعمارية ضد مصر والمنطقة المواجهات العسكرية التقليدية لتشمل حروباً اقتصادية واجتماعية وإعلامية وافتراضية، مما أدى إلى تصاعد الضغوط على الداخل بصورة غير مسبوقة واندلاع الثورات، والانتفاضات، وتمدد التنظيمات الإرهابية، وتفاقم الصراعات الداخلية، والحروب بالوكالة التي تديرها بعض القوى الإقليمية والدولية.

ورأيت أنه من الضروري من أجل أن نكون مستعدين لكل هذه التحديات أن نفهم أولاً طبيعة تلك الحرب الجديدة من خلال بحث مبسط يمكن من خلاله أن ندرك حجم التحديات وطبيعة الصراع وأساليب المواجهة. في ظل صعود الجيل الرابع من الحروب الحديثة، الذي يتسم بالغموض وعدم اليقين حول طبيعة المواجهات العسكرية، وصعود شبكات التحالفات بين الدول والميليشيات المسلحة، والدمج بين تكتيكات الهجوم والدفاع والردع بصورة متزامنة، بحيث أصبح الكثير من دول العالم تقوم بمهام الدفاع وتأمين الجبهة الداخلية بالتوازي مع التدخل الاستباقي في مواقع التوترات المحيطة وردع التهديدات القائمة والاستعداد للتهديدات المحتملة.

 وأصبح من الضروري على الدول، ومن بينها مصر، في عصر “حروب الجيل الرابع” الاستعداد للتعايش مع حالة استدامة التهديدات”  والمرونة العالية في مواجهة الصدمات المفاجئة، والدمج بين سياسات متوازية تشمل الانخراط العسكري والاحتواء والردع في مواجهة بؤر التهديدات، وعدم انتظار تحقق التهديدات المحتملة ثم الرد على مصادرها، ولكن التعامل مع هذه التهديدات عبر سياسات الاستباق والتدخل الوقائي باعتبارها ضمن آليات الدفاع المتقدم عن مصالح الدولة الحيوية.

 وفي هذا الإطار، يتناول هذا البحث “حروب الجيل الرابع” من خلال استخدام المنهج التاريخي باستعراض تطور أجيال الحروب التقليدية منذ صلح وستفاليا عام 1648 وحتى اليوم، والتحولات التي شهدتها المواجهات العسكرية، والملامح الرئيسية لحروب الجيل الرابع، ودوافع التغير في طبيعة الحروب وأنماط المواجهات العسكرية غير التقليدية ومجالاتها الرئيسية، بالإضافة إلى تقييم الأساليب التي تعتمد عليها الدول في مواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة.

 تطور أجيال الحروب الحديثة

 يرى العديد من المحللين الاسراتيجيين والعسكريين أن التأريخ للحروب الحديثة يرجع إلى توقيع "معاهدة صلح وستفاليا"، عام 1648 التي ارتبطت بنشأة الدول القومية واحتكارها الاستخدام الشرعي للقوة، ومنذ ذلك الوقت دخلت الدول في صراعات وحروب تتطور من جيل لآخر، وتجدر الإشارة إلى وجود قدر من التداخل بين أجيال الحروب، كما أن ظهور جيل جديد لا يعني نهاية ما سبقه، وتتمثل الملامح الأساسية لأجيال الحروب فيما يلي:

حروب الجيل الأول:

اعتمدت على استخدام البنادق والمدافع البدائية، إذ كان الخصوم المتحاربون يحشدون عدداً ضخاً من القوات في شكل صفوف لتوجيه النيران بكثافة وعلى امتداد ميدان المعركة، وتمثل الهدف الرئيسي للحرب في تحقيق انتصار كاسح في المواجهة الأولى، وتتمثل القيمة الأساسية في حروب الجيل الأول في أنها غرست مفاهيم الانضباط والنظام في الجيوش، وهي السمة الرئيسية التي تميز الجيوش الحديثة، غير أنه مع التطور في صناعة الأسلحة والمعدات، خاصة البنادق الآلية، فإن أساليب “الصفوف” أصبحت عديمة الجدوى و تؤدي لخسائر ضخمة.

حروب الجيل الثاني:

أدى التطور التكنولوجي وتوافر قوة نيران أشد كثافة في ميدان المعركة، وظهور معدات عسكرية حديثة، مثل المدرعات الثقيلة، والطائرات، فضلاً عن الاستفادة من الاقتصاد الصناعي للدول الأوروبية لإنتاج العتاد العسكري بكميات ضخمة إلى تراجع تكتيكات حشد عدد ضخم من القوات في ميدان المعركة، والاعتماد على الخنادق بدلاً من ذلك، وأصبح الهدف الرئيسي من الحرب هو الاستنزاف. وتقوم حروب الجيل الثاني على التنسيق بين الأسلحة المختلفة مثل المشاة والمدرعات والمدفعية ، والتركيز على الالتزام الكامل بالأوامر والخطط المسبقة، وليس التصرف حسب الموقف الميداني، لأن ذلك تخل بالتنسيق بين الأسلحة المختلفة، ، ويتم شن الحرب بناء على خطة محددة يتم تدريب الضباط والجنود على تطبيقها.

حروب الجيل الثالث:

ظهر هذا الجيل من الحروب خلال الحرب العالمية الثانية، مع قيام الألمان بتطبيق أسلوب "الحرب الخاطفة"، وساهم في ظهوره عاملان أساسيان:

  • تطور التكنولوجيا العسكرية خاصة فيما يخص تصميم وتصنيع الدبابات والطائرات المقاتلة وأنظمة الاتصالات، مما ساعد على القيام بالمناورات العسكرية بدقة وتناسق غير مسبوقين، وسمح بالتنسيق الكامل بين أفرع القوات البرية والجوية، مما ساعد هذا على انتصار جيوش أقل تعداداً على هزيمة جيوشاً أضخم مثل انتصار النازيين على الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية عام 1940.
  • تطوير تكتيكات عسكرية راديكالية، فنظراً لإدراك الألمان أنهم لا يستطيعون الفوز في حجم العتاد العسكري، لضعف قوتهم الاقتصادية مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، فقد عمدوا إلى تطوير تكتيكات مختلفة تماماً عن سابقتها باعتماد أسلوب المناورة، بدلاً من الاستنزاف من خلال الالتفاف على قوات العدو، واختراق عمق دفاعاته، و قطع خطوط إمداداته وتدمير مراكز قيادته.و أصبحت المبادرة وليس الطاعة هي الأهم، ولذلك كانت آلية اتخاذ القرار تتسم باللامركزية، على عكس الجيلين السابقين من الحروب.

حروب الجيل الرابع:

تعتمد حروب الجيل الرابع على توظيف أسلوب حرب العصابات، لإقناع متخذ القرار السياسي للخصم بأن الأهداف الاسراتيجية التي يسعى لتحقيقها إما أنه لا يمكن تحقيقها، أو أنها عالية التكلفة المالية و السياسية مقارنة بالمكاسب من ورائها، ويرتبط ذلك بتنظيم حملات دعائية و إعلامية ضخمة للتأثير على صانع القرار في الدولة المعادية، وتتمثل أبرز خصائص حروب الجيل الرابع في التالي

  1. الامتداد الزمني الطويل
  2. أولوية الأبعاد السياسية
  3. استهداف المدنين
  4. تعدد ساحات القتال
  5. محورية حرب المعلومات
  6. تدخل الأطراف الخارجية

 أسباب صعود حروب الجيل الرابع

يشير توماس هامز، العقيد في قوات البحرية الأمريكية وأحد المتخصصن في مفهوم “حروب الجيل الرابع”، إلى أن بداية تبلورها كانت نتاج عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، وذلك على النحو التالي:

  1. تراجع احتكار القوة: تراجع احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة، وظهور تنظيمات قادرة على شن الحرب، وتعتمد تلك التنظيمات على القيادة الكاريزمية والولاءات الأيديولوجية العابرة للحدود القومية، فلم تصبح الدولة فقط هي صاحبة قرار الحرب، ومن الأمثلة الواضحة في هذا الإطار، "حزب الله" في لبنان وسوريا و العراق، و تنظيم “داعش”، و "بوكو حرام" في غرب أفريقيا.
  2. تداخل أدوات الحرب: تزايد الترابط بين المشكلات الاقتصادية والتهديدات الأمنية نتيجة زيادة الاعتماد المتبادل في الاقتصاد الدولي الذي جعل من بعض القضايا الاقتصادية، مثل انقطاع أو وقف إنتاج السلع الأساسية، مصدر تهديد للأمن الوطني والدولي.
  3. صعود الولاءات البديلة: أدت العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى اتجاه بعض الأفراد لنقل ولائهم من الدولة إلى الولاء لقضايا معينة، وصار العديد منهم أكثر ارتباطاً بما تتم إثارته على شبكات التواصل الاجتماعي، على حساب اهتمامهم بمشاكل مجتمعاتهم الحقيقية، ويتمثل الخطر هنا في أن بعض هؤلاء أصبح متطرفاً ومستعداً لستخدام العنف للتعبير عن قناعاته دون لتقدير نتائج ذلك على مجتمعه و وطنه.
  4. تسارع التطورات التكنولوجية: أدت التطورات التكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، إلى زيادة قدرة التنظيمات و الميليشيات المسلحة على امتلاك الأدوات اللازمة لشن هجمات إرهابية، وعلى الرغم من أن هذه المعدات والتقنيات تكون عالية التكلفة حين ظهورها، إلا أنه مع انتشارها تصبح رخيصة ومتاحة للجميع على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، فإن “أنظمة التسليح المستقلة” Autonomous Systems  قد استفادت من هذه التقنيات المتطورة وخاصة في مجال “الطائرات المسيرة”، والتي أصبح يتم إنتاج أعداد هائلة منها يتكلفة زهيدة، وهو ما يزيد من فرص استخدام التنظيات الإرهابية لها لتنفيذ عمليات إرهابية.

 ملامح حروب الجيل الرابع

 تعد حروب الجيل الرابع أكثر من مجرد تطور تقليدي لحروب الأجيال السابقة،حيث تستخدم فيها الوسائل كافة لإجبار العدو على الاستسلام، وتتمثل أهم هذه الوسائل في تأسيس تحالفات معقدة تقوم على المصالح المشركة بين الدول والتنظيمات بدلاً من الأهداف العقائدية أو الوطنية، ويمكن القول إن هذا النوع الأخطر من الحروب يتسم بأربع خصائص تتمثل في التالي:

 

أ- انتشار المناطق الرمادية

يقصد بالمناطق الرمادية “التفاعلات التنافسية بين وداخل التنظيمات وتتسم بوجود غموض طبيعة الصراع، والأطراف المنخرطة فيه، وعدم اليقين حيال السياسة المناسبة التي يجب اتباعها تجاه هذا الصراع. ولا توجد حاجة في الحروب الرمادية إلى تحقيق نصر سريع حاسم، إذ يتم التركيز على العمل تدريجياً لتحقيق الهدف النهائي من الحرب، وهو هزيمة الخصم أو تفكيك الدولة، خلال مدى زمني طويل. ويرتبط ذلك بتلاشي الحدود يبن ما يعد سلاحاً وما لا يعد سلاحاً، وبين ما يعد أفعالاً إجرامية وأفعالاً حربية، وبين المقاتلين وغير المقاتلين، وبين الدولة والكيانات ما دون الدولة. ويرتبط ذلك بالتداخل بين ما يعد أرض معركة وما لا يعد أرض معركة، حيث أصبحت كل من البورصة ومعامل الأبحاث ووسائل الإعلام والمراكز الاقتصادية والمراكز الدينية والفضاء الإليكروني بمنزلة ساحات للمعارك مثلها كميادين القتال الحقيقية، وجعل ذلك من المتعاميلن بأسواق المال، والصحفيين ومديري الشركات والبنوك ورجال الدين والعلماء وأصحاب التخصصات المختلفة بمثابة مقاتلين يمكن استغلالهم ضد الدول في حال نجاح التنظيمات الإرهابية والدول المعادية في استقطابهم.

ب- اتباع تكتيكات “الحروب الهجينة”:

يقصد بالحروب الهجينة تلك الصراعات التي تتضمن الجمع بين استخدام القوات المسلحة التقليدية والقوات غير النظامية مثل حركات التمرد والجماعات الإرهابية والتي تشمل توظيف الدول والميليشيات و التنظيمات المسلحة على حد سواء، والذين يسعون لتحقيق هدف سياسي مشترك. ولا تكون هناك حاجة إلى توجيه القوات غير النظامية بصورة مركزية، وذلك على الرغم من كونهم جزءاً من استراتيجية متسقة تستخدم لمواجهة قوة احتلال أو دعماً لقوات نظامية في مواجهة تنظيمات مسلحة، كما في حالتي العراق وسوريا، واعتماد نظام الأسد على ميليشيات حزب الله  في مواجهة التنظيمات المتطرفة وجماعات المعارضة المسلحة، واعتماد الحكومة العراقية على "الحشد الشعبي" في مواجهة "داعش".

ولا تعد الحروب الهجينة شكلاً جديداً من المواجهات العسكرية، فأثناء الحرب العالمية الثانية، عانى النازيون أثناء غزو روسيا بسبب قيام الآلاف من القوات غير النظامية من الموالين للاتحاد السوفييتي بقطع خطوط إمداداتهم واتصالاتهم, كما أنشأ تشرشل وحدة “منفذو العمليات الخاصة” Special Operation Executive  من قوات غير نظامية وأوكل لها مهمة دعم حركات التمرد ضد الألمان في أوروبا، وأمدها بالسلاح والذخيرة في أوروبا الغربية ومنطقة البلقان.

ج- تشكيل التحالفات الواسعة:

تضم التحالفات في حروب الجيل الرابع أطرافاً متنوعة، مثل الدولة والكيانات العابرة للحدود القومية والشبكات والجماعات والأفراد، مثل الذئاب المنفردة الذين يقومون بتنفيذ عمليات إرهابية دون الحاجة للانضام لتنظيم إرهابي. ولا تلعب الجيوش النظامية الدور الرئيسي في حروب الجيل الرابع، فالتنظيمات المسلحة، وعصابات الجريمة المنظمة تتصدر ساحات القتال، وهذا لا يعني أن الدول لا تقف خلف هذه الجماعات أو تدعمها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولا ينفي أيضاً أن الدول قد تتدخل أحياناً بصورة مباشرة في مناطق الصراع إذا اقتضت الضرورة ذلك. ويرجع صعود أدوار التنظيمات المسلحة في الصراعات إلى أن الدول تجد صعوبة في استخدام القوة المسلحة التقليدية، نظراً للتكلفة الضخمة، واحتمالات التعرض للإدانة أو فرض العقوبات الاقتصادية، أو غيرها، في حين أن الأفراد والتنظيمات المسلحة لا يتعرضون لمثل هذه التداعيات السلبية، وهو ما يعني صعوبة هزيمة الخصم الذي يطبق حروب الجيل الرابع من خلال القوة العسكرية التقليدية وحدها.

‌د- تراجع الطابع المؤسسي:

اتسمت الأجيال الأولى للحروب بوجود كيانات تتمتع بهياكل مؤسسية لها مركز ثقل، يتمثل في التسلسل القيادي والروح المعنوية وخطوط الإمدادات اللوجستية والدعم السياسي والشعبي، إضافة إلى وجود مبررات أخلاقية أو قانونية لخوض الحرب، وعندما كان يتم تدمير مركز ثقل العدو، ينهار الجيش بأكمله، ويتحقق الانتصار. ولكن حروب الجيل الرابع “حروباً شبكية”، لا يوجد بها مركز ثقل يعكس الهيكل المؤسسي لأطراف الصراع.


مجالات صراع  حروب الجيل الرابع

تختلف مجالات حروب الجيل الرابع عما سبقها، فحروب الجيل الأول و الثاني كانت تتخذ من البر والبحر ساحات لها، فيما اعتمدت حروب الجيل الثالث بصورة أكبر على التطورات الاقتصادية والتكنولوجية في أعقاب الثورة الصناعية، وهو ما أضاف السماء إلى نطاق الحرب، وكذلك المساحات تحت سطح البحر وفي المحيطات، وأخيراً الفضاء الإلكتروني، بينما أدت حروب الجيل الرابع لانتقال الحرب إلى أبعاد أكثر وأعمق وأكثر تعقيداً كما يلي:

الحرب الاقتصادية:

تركز الحروب الاقتصادية على إضعاف قدرة الدولة المستهدفة على إنتاج وتوزيع السلع والمواد و الخدمات الأساسية اللازمة باستخدام الأدوات المالية وآليات السوق لعزلها عن النظام المالي والتجاري العالمي، وتدمير مصادر تمويلها، وهو ما يحد من قدرتها على المواجهة داخلياً وخارجياً. ومن أبرز أنواع تلك الحروب لجوء الدول إلى فرض عقوبات اقتصادية، وهو ما يُعد جزءاً رئيسياً من العقيدة العسكرية الأمريكية حيث أن فرض العقوبات الاقتصادية من أهم أدوات السياسة الخارجية، حيث لا تكون هناك حاجة لاستخدام القوة، وهي لا تكلف حياة أي فرد خارج الدول المفروض عليها العقوبات، ولكنها تفرض ضغوط على الأمة المستهدفة بحيث لا تستطيع أن تقاومها وتنهار اقتصادياً واجتماعياً بسببها.

ومن أهم الأمثلة على ذلك، العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق خلال حقبة التسعينيات، وحتى عام 2003 ، والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على روسيا الاتحادية، بعد ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في عام 2014.

وتشن التنظيمات المسلحة كالجماعات الإرهابية، كذلك حروباً اقتصادية، حيث تستهدف المنشآتأو القطاعات الاقتصادية الحيوية في الدولة بهدف تدمير الموارد الاقتصادية للدولة المستهدفة. ومن الأمثلة على ذلك قيام تنظيم “داعش” باستهداف فندقين بهجوم إرهابي مزدوج في يوليو 2015 بمدينة سوسة التونسية، و إسقاط الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء المصرية في 31 أكتوبر 2015 وهو ما أدى إلى تأثيرات سلبية خطيرة على قطاع السياحة في تونس ومصر.

الحرب السيبرانية:

هي “هجوم متعمد بغرض تعطيل عمل أو خداع أو إضعاف أو تدمير أنظمة الكمبيوتر وشبكات الاتصالات والمعلومات والبرامج الموجودة في تلك الأنظمة أو الشبكات التي تمر من خلالها”، ويمكن للدول والجماعات والأفراد القيام بتنفيذ هذه الهجمات، وقد اعترفت وزارة الأمن الداخي في الولايات المتحدة أن الهجات السيبرانية من أكبر التهديدات للأمن القومي الأمريكي. وأخطر ما يميز هذا النوع من الحروب، هو صعوبة الردع من خلال الهجوم المضاد كما هو الحال في الحروب التقليدية، وهو الأمر الذي يصعب القيام به في حالة الحروب السيبرانية، ويرجع ذلك إلى صعوبة تقييم الأضرار الناتجة عن هذه النوعية من الحروب، وصعوبة التحكم في أضرار الهجوم السيبراني المضاد، وكذلك صعوبة تحديد المنفذ الحقيقي للهجوم، وإثبات ذلك أمام العالم. ولكن الميزة الأساسية التي تتسم بها الحرب السيبرانية هي انخفاض تكلفتها، وسهولة القيام بها  واستهداف البنية التحتية الحيوية بعمليات تخريبية من خلال الأدوات السيبرانية والبرمجيات، مثل محطات الكهرباء، وأنابيب النفط، والخطوط الجوية والسكك الحديدية والبنوك، إذ إن الأضرار المترتبة على ذلك قد تصل قيمتها إلى مئات المليارات من الدولارات، فضلاً عن سقوط آلاف الضحايا.

 الحرب المعلوماتية:

تركز الحروب المعلوماتية على إعاقة وتعطيل وتدمير النظم المعلوماتية التابعة للخصوم، مع حماية النظم المعلوماتية الخاصة بالطرف الذي يشن الهجوم. وتعد الحرب الدعائية من أبرز تكتيكات الحرب المعلوماتية، وتتضمن نشر الأخبار والمعلومات والحجج والفضائح بطريقة مخططة، من أجل التأثير على أفكار شعب أو جماعة معينة، وإضعاف آليات القيادة والسيطرة لمؤسسات الدولة. أما البعد الجديد في حروب الجيل الرابع، فيتمثل في زيادة اللجوء إلى التضليل المعلوماتي، واستخدامه بصورة مكثفة في أوقات السلم، ويرتبط ذلك بالتداخل بين حالتي السلام والحرب، بحيث لم تعد هناك حاجة إلى إعلان حالة الحرب. ولا ينبغي تجاهل أن مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك، ومحركات البحث، مثل جوجل تلعب دوراً في تصفية و اختيار الأخبار من خلال الانحياز لنشر محتوى إخباري معين دون غيره، يحيث يمكن تشويه إدراك الأفراد للحقائق.

 حروب أسلحة الدمار الشامل:

وهي التي يتم شنها باستخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية، وهي جميعاً تحدث تداعيات خطيرة و مدمرة من حيث عدد الضحايا و الانتشار الجغرافي،وبث الشعور بالخوف والرعب لدى قطاع واسع من الأفراد، وتعطيل المؤسسات الحكومية عن العمل.

 حرب المخدرات:

قد تقوم بعض التنظيمات بإغراق دولة معينة بالمخدرات لتدمر النسيج المجتمعي بها، وتتمثل في تكوين شبكات تضم عصابات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، بالرغم من أن الطرفين قد لا يشتركان، سواء على مستوى الأهداف أو الأدوات، ومع ذلك فإنهما يدخلان في علاقات تعاونية بالاستناد إلى اعتبارات المصالح المرحلية المشتركة.

 الحرب البيئية:

يقصد بها التدمير المتعمد للبيئة الطبيعية لدولة معادية، مثل حرق الغابات على نطاق واسع، نظراً لما يمكن أن يترتب على ذلك من تدمير للاقتصادات المحلية، وإرهاب قطاعات واسعة من السكان. و تتميز بقلة التكاليف و الخبرات والتسبب في خسائر ضخمة، وصعوبة تحديد ما إذا كانت عمليات تخريبية أو حوادث عادية.

أساليب مواجهة حروب الجيل الرابع

 تتسم حروب الجيل الرابع بكونها مواجهات شاملة تستهدف الدولة والمجتمع معاً، وعلى الرغم من الطابع غير الدموي لبعض أسلحتها، فإنها تستهدف في المحصلة النهائية إكراه الدول على الرضوخ لإرادة الأطراف التي تشن الحرب ضدها أو تدمير جبهتها الداخلية خلال فترة طويلة نسبياً من الزمن فترات عبر المواجهات العسكرية وغير العسكرية واستخدام أساليب متعددة اقتصادية ومعلوماتية وثقافية وتقنية بصورة متزامنة، وفي هذا الإطار تتمثل أهم أساليب مواجهة حروب الجيل الرابع فيما يلي:

التحصين المجتمعي:

من خلال التركيز على كسب ولاء المواطنين، واستهداف الحواضن الاجتماعية للإرهابين والميليشيات المسلحة، كما أن كسب ثقة المجتمعات المستهدفة يساعد في الحصول على المعلومات الاستخباراتية اللازمة لمكافحة الجماعات المتطرفة.

وتتصدر آليات التحصين المجتمعي تطبيق سياسات الحكم الرشيد وإدارة “عمليات تنمية اسراتيجية استباقية” من جانب الدول، ترتكز على التحسن المادي لجوانب الضعف في النظام الاجتماعي، باستخدام اسراتيجيات تنموية وتعليمية مع إشراك المجتمع في عملية التنمية لمنع الفساد، إضافة إلى توفير فرص العمل للأجيال الشابة في المجتمعات المستهدفة، وكذلك بناء الولاء لدى الشباب ودفعهم للعمل مع مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف مشتركة طويلة الأمد.

 برامج توعية الأفراد:

تعد حروب الجيل الرابع بمنزلة حرب تركز على “الإنسان” أو حروب تستهدف السكان فهي تستهدف المدنيين بصورة أساسية، وتهدف إلى التلاعب بمدركاتهم، وإثارة سخطهم على الأوضاع القائمة، بغرض الانتقاص من شرعية الحكومة القائمة، بما يؤدي لإضعاف الدولة في مواجهة أي محاولة لاختراقها خارجياً، وهو الأمر الذي يتطلب حملات إعلامية مكثفة تركز على الرد على الادعاءات الكاذبة ضد الدولة. ومن جهة ثانية، شرعت بعض الحكومات إلى تطوير برامج لتوعية برامج لتوعية المواطينن حول كيفية مواجهة الأخبار الكاذبة، مثل تطوير برامج تعليمية لطلبة المدارس لتلقين الطلاب وسائل وأدوات التمييز بين الأخبار الكاذبة والصحيحة، والتأكد من مصدر الخبر، وعدم مشاركة أية أخبار مجهولة المصدر، لمنع القوى الخارجية من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتأجيج الاضطرابات داخل الدولة، والتأثير على سياستها الداخلية.

 تكنولوجيا المراقبة والرصد:

قامت الدول الكبرى، باستثمارات هائلة في تكنولوجيا رقابة ورصد الأفراد، في إطار جهودها الرامية إلى محاربة التنظيمات الإرهابية. وتستخدم الدول الغربية تكنولوجيا الرصد والتتبع بهدف جمع معلومات عن السمات الشخصية لمواطنيها من أجل تحديد سلوكهم المحتمل في فرة زمنية محددة، ففي الولايات المتحدة، وتقوم بتحديد الإرهابيين المحتملين. وتقوم الدول الكبرى بالجوء الدول المتقدمة لآلية الرقابة والتتبع لمواجهة أي تهديدات أمنية، حتى لو ترتب عليها انتهاكات واضحة لحرية وخصوصية الأفراد، وهو ما يدفع الدول المختلفة إلى اتباع تكتيكات مشابهة لمواجهة التحديات الأمنية النابعة من التوظيف الخارجي للثغرات المجتمعية وضعاف النفوس.

 تفكيك التحالفات المعادية: تقوم مواجهة حروب الجيل الرابع على تفكيك التحالفات التي قد تنشأ ضد الدولة من خلال إعاقة تطوير القيادة والسيطرة، ومنع اختراق المجتمع ثقافياً، ووقف التمويل والدعم الخارجي وعمليات الاستقطاب وإعاقة الاتصالات والاجتماعات والتخطيط ، ويتم ذلك بأي أداة سواء كانت عسكرية أو غير عسكرية، لتجنب تفجير الوضع الداخلي نتيجة وجود ثغرات في النسيج المجتمعي نابعة من الفقر أو تقلص الحريات أو عدم المساواة.

 الاستنتاجات

غاية حروب الجيل الرابع ليس مجرد تحقيق الانتصار الميداني في أرض المعركة والسيطرة على المنطقة المتنازع عليها، بل إسقاط نظام الحكم وإجبار الخصوم على تعديل سلوكياتهم، إذ تهدف الحرب إلى تحقيق المصالح القومية للدولة، والمتمثلة في البقاء والأمن ودعم الاستقرار وتعزيز النفوذ والقوة والمكانة الإقليمية والدولية، ومع التسليم بأن طبيعة الحرب لم تتغير، فإنه قد طرأت عليها عدة تحولات يتمثل أهمها في:

  1.  تراجع الصراعات بين الدول، في مقابل تزايد الصراعات الداخلية، التي تتفجر بين الدولة والتنظيمات المسلحة المدعومة من الخارج
  2. تصاعد التعاون بين التنظيمات المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الدولية.
  3. انتشار الصراعات الممتدة التي تستمر لفترات زمنية طويلة، ولذلك تتبع الدول أسلوب “الانخراط المحدود”، وتجنب التورط العسكري المباشر في الصراعات، والاعتماد على الوكلاء
  4. استغلال التنظيمات المسلحة للتطور التكنولوجي للقيام بعمليات إرهابية أو قتالية.
  5. تلاشي الخطوط الفاصلة بين حالتي الحرب والسلم، من خلال توظيف الحرب المعلوماتية والحروب الاقتصادية والتجارية.
  6. تراجع الولاء للدولة الوطنية في بؤر الصراعات المسلحة، وصعود الولاءات لكيانات أو قضايا عابرة لحدود الدولة، أو الولاء لكيانات إثنية أو طائفة معينة، وهو ما أدى لانتشار التطرف الديني والقومي والطائفي.

 الخاتمة

استعرض هذا البحث كيف أن حروب الجيل الرابع هي حروب بلا قيود، يتم شنّها غالباً عبر فرة زمنية ممتدة، وتهدف إلى هزيمة الخصم، وتفجير الدولة من الداخل عبر التركيز على إثارة الانقسامات المجتمعية وتعميقها، باستخدام الأساليب العسكرية وغير العسكرية، وباستغلال الحروب الاقتصادية والنفسية والمعلوماتية وغيرها

وتستند هذه الحروب إلى تحالفات شبكية تضم الدول والتنظيمات المسلحة، سواء كانت جماعات إرهابية، أو جريمة منظمة، أوغيرها من الجماعات التي لا يجمعها هدف مشترك، سوى إسقاط الدولة المعنية.

واستعرض البحث كيف تتسم حروب الجيل الرابع بأنها تستهدف المجتمع، فهي تقوم على استغلال التناقضات الموجودة في بنيته، وأوجه الضعف القائمة فيه، لإثارة سخط الشعب، ومن ثم تهديد كيان الدولة من داخلها بما ينذر بإمكانية انهيارها أو إضعافها في أقل الأحوال في مجالات شتى، وليس المجال العسكري فقط، إذ تعتمد بصورة أكبر على الحروب الاقتصادية والمالية والمعلوماتية وغيرها، كما أنها ترتكز على إقامة تحالفات واسعة تضم دولاً وجماعات وشبكات إجرامية، بل وحتى أفراد، لا تجمعهم بالضرورة مصلحة سوى إسقاط الدولة المستهدفة.

 أوضح البحث تطور الأجيال المختلفة من الحروب مع التركيز على حروب الجيل الرابع وسماتها الرئيسية، وأخيراً طرح الوسائل التي يمكن من خلالها مواجهتها باستخدام الآليات الأمنية والعسكرية في مواجهة الجماعات المنخرطة في مثل هذا النوع من الحروب، بالإضافة إلى عدم إغفال الأساليب غير العسكرية، مثل التحصين المجتمعي وتوعية المجتمع بالتحديات المحيطة وتكتيكات الحرب الإلكترونية والتحكم في الفضاء الإلكتروني واستخدام تكنولوجيا الرقابة والرصد لحرمان الجماعات الإرهابية من القدرة على الاتصال ونشر أفكارها الهدامة.

المراجع:

-عبد الوهاب، شادي، 2017، التحولات الرئيسية في المواجهات العنيفة غير التقليدية في العالم، المستقبل للأبحاث و الدراسات المتقدمة، أبوظبي

 -شعيشع، أحمد، 2014، الجيل الرابع من الحروب، ورقة مقدمة إلى مؤتمر "ملامح السياسة الخارجية المصرية 2030"، القاهرة

-عبد القادر، محمد، 2019، حروب الجيل الرابع، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، أنقرة

- شعبان، شيماء، 2019، "حروب الجيل الرابع" معركة السيطرة على العقول والخداع النفسي"، الأهرام، القاهرة