Sunday, June 21, 2020

تجربتي الشخصية .. في امتحان الثانوية !


إيهاب الشيمي


السطور التالية تسجل تجربتي الشخصية مع أول أيام امتحانات الثانوية العامة

 إذا أردت أن ترد على ما ستقرأه، فاقرأها جميعاً أولاً .. !

وإذا كنت ممن يدافعون فقط عن المسؤولين فلا تكمل القراءة، فالمضمون غالباً لن يعجبك!

وإذا كنت ممن يدافعون فقط عن الشعب فلا تكمل القراءة، فالمضمون غالباً لن يعجبك أيضاً!

في البداية لا بد أن ألفت انتباهكم أنني ممن رزقهم الله بإينة تؤدي امتحانات الثانوية العامة هذا العام وأنني ككل الآباء قد أصابني الكثير من القلق والغضب بسبب الظروف التي فرضها انتشار فيروس كورونا في مصر، وبسبب إعلان الوزارة في نهاية شهر مايو عن استمرار الامتحانات رغم وصول انتشار المرض لذروته في نفس الفترة!

ثم ما لبثت بعد ذلك بأسبوعين أن أعلنت عن سعادتي بتصريحات وزير التعليم بشأن الإجراءات الاحترازية الصحية والموارد الضخمة والخطة الحكيمة والقرارات الصائبة التي تم اتخاذها، والمنصات الاليكترونية التي تم إنشاءها لخدمة أبناءنا وحمايتهم وطمأنتنا على سلامتهم أثناء تأديتهم لامتحاناتهم!

ولست في حاجة أن أذكر كم النقد والشتائم التي تلقيتها من كل أولياء الأمور والطلاب بسبب موقفي الإيجابي من تصريحات الدكتور طارق شوقي حول تلك الإجراءات، وكم الدعوات على شخصي وعلى أسرتي بالهلاك والموت ونزول المصائب على بيتنا وأسرتنا لظن هؤلاء الواهي أنني مجرد مؤيد أحمق للحكومة لا يهتم بسلامة أبنائنا!

و لكني، كالعادة، اعتدت على تلقي النقد و السباب في جميع الأحوال .. !

فأنا خائن و إخواني و عميل و مرتزق حين أتحدث عن السلبيات!

و "سيساوي" و "مطبلاتي" و أوصاف أخرى أكثر سوءاً حين أتحدث عن الإيجابيات ..!

و أنا متلون و بلا مبادئ حين أتحدث تارة عن السلبيات وتارة أخرى عن الإيجابيات!

و لا أخفيكم سراً أن سبب قناعتي بضرورة تأدية الامتحانات في جميع الأحوال هو ابنتي نفسها التي بذلت الكثير من الجهد منذ ما يقارب العام لتحقق النتيجة المرجوة في الثانوية العامة ..!

ففي حديثي معها، و رغم قلقها البالغ من النزول في هذه الظروف الصعبة، إلا أنها قالت ما رأيته منطقياً ..!

قالت الأستاذة لي في منطقية شديدة:
"الولاد اللي ردوا بسفالة عليك يا بابا ينقسموا للآتي:
حد مرعوب مش قادر يفكر صح ويكتشف ان كورونا لسة مستمر فترة ومستحيل الامتحانات تتأجل سنة لغاية ما يلاقوا مصل 
حد مستهتر عايز الامتحانات تتأجل عشان يبهلل
حد عايز امتحان أونلاين عشان يغش"

وبعد أن راجعت بدقة ما قالته لي، وجدت أن الحل المنطقي الوحيد هو إجراء الامتحانات مع اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية!

ويبدو أن هذه ما تقبله الجميع برغم القلق الشديد الذي لا يمكن إغفاله، فالعاطفة نحو الأبناء لا يمكن تنحيتها جانباً ببساطة لمجرد منطقية ما يخاطبه به عقلك!

وبالفعل جاء اليوم ليحمل تاريخ أول امتحانات الثانوية العامة في مادة اللغة العربية!

قررت بالطبع توصيل الأستاذة لمقر لجنتها، فبرغم عدم توصيلي لأخيها قبل ذلك، واعتمادها بالكامل على نفسها في الذهاب لمدرستها ودروسها، إلا أن كورونا فرض علينا ضرورة توصيلها لتجنب العدوى في المواصلات!

وبناءً على تأكيدات الوزير حول إجراءات التعقيم وحماية الطلاب وفتح اللجان قبل الامتحان بساعتين لضمان عدم التزاحم و تأكيده على التنسيق مع الداخلية لمنع أولياء الأمور من الانتظار أمام البوابات، فلقد توجهت لمقر اللجنة بصحبتها لتكون هناك في تمام الثامنة كما قررت الوزارة! 
ولكن .. 
للأسف .. و برغم تواجدنا في الثامنة لتوصيلها و المغادرة لأعمالنا بعد دخولها لمقر اللجنة، إلا أن الأبواب ظلت مقفلة حتى الثامنة و النصف مما أدى لتزاحم لا تحمد عقباه، بسبب تزايد أعداد الطلبة أمام الباب المغلق، و قلق أولياء الأمور وعدم مغادرتهم بسبب عدم وضوح سبب التأخير !

ما زاد الطين بلة، هو غياب التنظيم تماماً خارج اللجنة ليظل محصوراً داخل أوراق خطة الوزارة فقط!

كان هناك فقط ذلك الحاجز "الساذج" أمام مقر اللجنة دون من يقوم على تنظيم الدخول إليه، وهناك كالعادة بعض أولياء الأمور ممن يريدون صعود الطائرة مع أبنائهم بل والتأكد أن "المضيفة بتعرف تطبخ كويس"

أخيراً، وقبل انتهاء الوقت المحدد للدخول بنصف ساعة فقط، قرر أحد الموجودون بفناء المدرسة "فك الجنزير" وفتح الباب لاستقبال الطلاب العالقين أمامه منذ ما يزيد على الساعة إلا الربع! وهكذا أصبح من الحتمي دخول مئات الطلاب من ثلاثة مدارس مختلفة من هذا الباب الضيق في أقل من نصف ساعة!

بالطبع، قررنا المغادرة فور دخول ابنتنا إلى فناء المدرسة، ولكن ظل مشهد تزاحم كل هؤلاء الطلاب للدخول من ذلك الباب الضيق عالقاً في أذهاننا أنا وكل أولياء الأمور طوال اليوم حتى حانت الساعة الواحدة ظهراً حيث عدنا لاصطحابها من جديد إلى المنزل هذ المرة بعد انتهائها من أداء الامتحان!

نظراً لضيق الشارع، اتفق معظم أولياء الأمور مع أبنائهم على عدم الانتظار أمام باب المدرسة تجنباً للتزاحم، والاكتفاء بالانتظار على الشارع الرئيسي بعيداً عن المدرسة حتى يخرجوا هم إلينا! 
وبالفعل انتظرنا، و انتظرنا، و انتظرنا ...

و لكن يبدو ان اليوم كان يحمل المزيد من المفاجآت !

حلت الساعة الواحدة لتعلن انتهاء الامتحان .. ولكن الباب ظل مقفلاً دون خروج أحد!

الواحدة و الربع .. مازال الباب مقفلاً !

الواحدة و النصف .. مازال الباب مقفلاً !

بدأ من ينتظرون بعيداً من أولياء الأمور يتزاحمون شيئاً فشيئاً أمام اللجنة في قلق بالغ!

الثانية إلا الربع .. التوتر يزداد دون إجابة!

أخيراً .. ظهرت بعض الطالبات من خلف نوافذ الفصول في الأدوار العليا ليلوحوا لمن ينتظرونهن في مشهد أقرب إلى يوم الزيارة في سجن القناطر!

بعد ربع ساعة أخرى، بدأ صوت صرير الباب الحديدي يصطدم بآذان الجميع الذين لم يعد الشارع يتسع لهم بسبب تأخر خروج أولادهم دون سبب واضح لأكثر من ساعة!

و في مشهد صادم .. خرج الجميع دون تنظيم في تدافع واضح على سلالم المدرسة و حتى باب المدرسة الخارجي في إشارة واضحة على غياب أي آلية لتنفيذ خطة الوزارة للتباعد و تنظيم الدخول و الخروج إلى اللجان .. !

ظل نظري معلقاً بذلك الباب حتى خرج الجميع تقريباً و لكن الأستاذة لم تكن من بينهم!

مرت الدقائق التالية ثقيلة، فهي لا تحتمل الحرارة الشديدة وظلت تعاني من فكرة ارتداء الكمامة حتى اقتنعت بها في النهاية، وهو ما أثار قلقي من احتمال تأخيرها بسبب مكروه ما !

الحمد لله،  لم يستمر القلق طويلاً، فلقد ظهرت أخيراً مع "طلتها البهية" على الباب في الثانية و عشر دقائق!

لم أمنحها أي وقت لالتقاط أنفاسها و اختطفتها فوراً للتوجه إلى السيارة بعيداً عن الشارع الصاخب المزدحم أصلاً في الأيام العادية، فما بالك بوجود لجنة للثانوية العامة به !

فور دخولها السيارة سألتها في هدوء لا يعبر عن الغضب الكامن بداخلي: " اتأخرتي ليه كدة يا حبيبة قلبي" ؟

و كان الجواب أكثر مفاجأة مما مررت به طوال اليوم .. !

"بابا .. مفيش تنظيم بتلاتة جنيه" !

و لمن لا يعرف تلك المصطلحات، فدعوني أقول لكم أن تلك الجملة تعني أنه لم يكلف أحد نفسه العناء أن ينظم الأمور داخل اللجنة على الإطلاق !

ثم توالت التفاصيل الصادمة ....

استرسلت ابنتي في سرد وقائع اليوم كالتالي: في البداية .. اتضح أن موضوع الكمامات أكذوبة كبرى، فلم يكن هناك أية كمامات لتوزيعها على الطلاب كما ذكر الوزير في خطته!

ثانياً .. بوابة التعقيم لم تستطع استيعاب كل ذلك العدد الذي دخل خلال نصف ساعة فقط من الباب الرئيسي فحدث تزاحم شديد  عند تلك ابوابة!

ثالثاً .. تم توفير الأوفر شوز تأكيداً على مبدأ " راحة الجسم تبدأ من القدمين" و رغم عدم وضوح جدوى توفيره من الأساس فيما يخص انتشار عدوى كورونا!

رابعاَ .. تم توفير قفازات، و لكن لم يستخدمها أحد لأن من توزعها كانت يدها غير نظيفة و قفازاتها ممزقة، فأصبحت مصدراً محتملاً للعدوى بدلاً من الوقاية !

خامساً .. أجهزة قياس حرارة الجسم لم تكن تعمل لدرجة أن إحدى الطالبات تمكنت من الدخول وحرارتها مرتفعة!

سادساً .. نظراً للتزاحم على بوابة التعقيم، دخل الكثيرون دون المرور عليها من الأساس!

سابعاً  .. كل ذلك حدث في نصف ساعة فقط (يمكنك تخيل الزحام داخل المدرسة)

ثامناً .. ظل مئات الطلاب بفناء المدرسة تحت الشمس والغبار الذي شهدته البلاد اليوم و رفض المسؤولون دخولهم للجان حتى يحين موعد الامتحان في العاشرة !

أخيراً حانت الساعة العاشرة و لم يدخلوهم للجان !

العاشرة و الربع .. بدأ دخول الطلاب للجان بعد الوقوف لساعة و ربع في الفناء، و لكن عليهم أولاً أن يبحثوا عن فصولهم بأنفسهم في الطوابق الثلاثة مع التدافع على السلالم! بعد الدخول للفصل جاءت الصدمة ..

"معلش يا أولاد .. الورق لسة ما وصلش"

وصلت أوراق الأسئلة في العاشرة و النصف وتم توزيعها على الأولاد، وعليهم الآن أن يبدأوا أهم امتحان في حياتهم بعد انتظار ساعة إلا ربع خارج المدرسة، و التدافع من بابا ضيق للدخول، ثم التزاحم على بوابة التعقيم، ثم الوقوف لساعة و ربع في الحر الشديد في فناء المدرسة، ثم التدافع على السلال لمعرفة مقار لجانهم !

المفاجأة، أنه لم يتم تعويض التأخير في وقت الامتحان، فلقد تم جمع أوراق الإجابة في الواحدة تماماً وكأن شيئاً لم يكن!

لماذا تأخروا في الخروج إذن؟

ببساطة .. وكما حدث في تأخير توزيع أوراق اللغة العربية صباحاً، ظل الطلاب محبوسين داخل لجانهم في هذا الحر الشديد في انتظار شيء آخر!

فلقد قررت الوزارة إلغاء امتحانات المواد خارج المجموع والاكتفاء بالإجابة على نماذج يتم توزيعها في اليوم الأول للامتحانات على أن يجيبوا عليها في منازلهم و يعيدونها مع موعد الامتحان التالي !

المؤسف .. أن توزيع هذه النماذج تأخر كذلك بعد نهاية امتحان اللغة العربية لأكثر من ساعة

و هكذا عزيزي القارئ يمكنك من خلال تجربة شخصية لمن تثق في مصداقيته أن تكتشف أن الخطط الجيدة لا تساوي شيئاً دون توافر آليات تنفيذها، و أن ضحية الإهمال والفساد للأسف هي صحة و سلامة أبنائنا، و أن صور المدارس الجميلة المنظمة التي زارها الوزير اليوم هي للعرض فقط!


Monday, June 1, 2020

مال القرد .. و أشياء أخرى !


إيهاب الشيمي

"هناك من يظن أن خروج النفط صدفة أثناء حفر بئر للماء عام 1930 جعل من بلده دولة كبرى!
عفوا .. الكبار لهم شأن آخر"

كانت هذه كلماتي منذ خمس سنوات إلى خاشقجي والحميد رأسي حربة الهجوم على مصر في الإعلام السعودي قبل أن تدرك الرياض أن حليفها الوفي هو القاهرة وليس الدوحة و أنقرة!

وبالرغم من كون مواقف الحميد السابقة لهذا الهجوم تندرج ضمن الموضوعية تجاه مصر، إلا أنه وخاشقجي تمترسوا داخل خندق واحد للهجوم على كل ما هو مصري سياسياً واقتصاديا بعد دعمها لوحدة الأرض والسلطة في سوريا وتصويتها لمشروع قرار روسيا داخل مجلس الأمن وهو ما اعتبرته الرياض خطيئة في حقها و كأن تحالفها و دعمها لمصر عقب ثورة الثلاثين من يونيو يوجب علينا التبعية ! 

ما حدث بعد ذلك، نعرفه جميعاً، فعلاقات الرياض و القاهرة استعادت حيويتها بعدما تكشفت خيوط خيانة الدوحة للتحالف العربي في اليمن، و استغلال أنقرة للرياض لتحقيق مصالحها في سوريا، و سعي أردوغان لتهميش السعودية ليتولى هو و حزبه قيادة العالم الإسلامي و إحياء حلم الخلافة العثمانية !

و لكن..
ما الداعي أن أستعيد كل تلك الأحداث و أستدعي إلى ذاكرتكم كل تلك الخلافات والتناقضات مادامت الأمور على ما يرام الآن ؟! 
ببساطة .. لأن ذلك ما يحدث الآن ولكن مع دولة خليجية أخرى باستخدام نفس الأساليب، و بدعم خفى من أدوات الإخوان هناك، وبصمت رسمي نعتبره في مصر "علامة الرضا"

و قد لا يبدو لك الأمر كذلك أيها المتابع للأمور، فما يحدث من هجوم متصاعد على مصر و مواطنيها هناك قد يبدو لك مجرد مجموعة من الحماقات العشوائية، و لكن الأمر ليس كذلك للأسف !

فالحماقات العشوائية لا يرتكبها نواب في مجلس الأمة ..
الحماقات العشوائية لا يرتكبها رؤساء تحرير صحف كبرى ..
الحماقات العشوائية لا يترتب عليها إجراءات عقابية مجحفة و غير مبررة من السلطات الرسمية ضد المصالح المصرية الاقتصادية، و ضد المواطنين المصريين تحديداً دون غيرهم! 
الحماقات العشوائية لا تتضمن إصرار القصر على الوقوف في صف الدوحة أو التظاهر بالحياد تجاه تجاوزاتها ضد دول المقاطعة !
و أخيراً .. الحماقات العشوائية تتطلب رداً مناسباً من الحكومات الحريصة على علاقاتها التاريخية بأشقائها. رد يحسم موقفها و يحاسب مرتكبي تلك الحماقات و يردع من يفكر في اللحاق بركبهم لمصلحة سياسية، أو ثأر شخصي، أو عائد مادي مقابل خدماته التي يمنحها لمن يدفع أكثر !

وهكذا، نجد أنفسنا أمام منظومة كاملة من الهجوم المنسق و المتعمد ضد مصر من كل الأطياف في هذه الدولة بدايةً من وسائل التواصل الاجتماعي، مروراً بجلسات مجلس الامة، ثم قرارات الحكومة ضد المصالح الاقتصادية المصرية، و انتهاءاً بإنكار دور مصر المحوري في استعادة سيادتهم !

المؤسف في كل ذلك، ليس كل تلك الخلافات و كل تلك الحماقات، أو كل ذلك الدعم الخفي لأذناب الدوحة و طهران و أنقرة داخل مجلس الأمة، و لا حتى صمت القصر عن الإساءات المتتالية تجاه مصر !
 و لكن المؤسف هو أن القاسم المشترك بين كل تلك الإساءات هو ذلك الشعور المقيت بالاستعلاء تجاه مصر !
ذلك الشعور الذي يغذيه و بشراهة حجم دخل الفرد في تلك الدولة، و الذي منح مواطنيها منذ مطلع الخمسينيات و بدء تصدير النفط هناك نمطاً مترفاً من العيش، و إحساساً بأن المال يمكن أن يمنحهم السمو و الرقي و الحضارة و العلم و الثقافة و أن من سيبنون لهم دولتهم مجرد مرتزقة لا قيمة لهم !

و الأشد مدعاةً للأسى و الأسف، انهم حين استيقظوا ليجدوا وطنهم وقد ضاع بين ليلة و ضحاها، لم يعودوا لرشدهم ليكتشفوا أن المال وحده لا يبني وطناً، ولكنهم أغرقوا في نرجسيتهم واستعلائهم بادعاء أن استعادة سيادتهم لم تكن نتاج تضحيات ووفاء أشقائهم ولكن بفضل أموالهم التي استأجروهم بها !!

و هنا تماماً يكمن بيت القصيد ..
 المال .. 
فالنفط يشكل ٨٥% من الدخل القومي لتلك الدولة، و هو ما يعني أن انحسار الاعتماد عليه خلال العقود الثلاثة القادمة بفضل التحول للطاقة المتجددة في صناعة السيارات و توليد الكهرباء سيجعل من احتياطي المائة مليار برميل مجرد رقم أجوف لا قيمة له !
و حتى لو افترضنا جدلاً أن النفط لا يمكن الاستغناء عنه كما يدعي البعض، و أننا سنظل مائة عام أخرى نستخدم الوقود الاحفوري حتى على قواعدنا الفضائية على المريخ، فإن معدل الانتاج الحالي لتلك الدولة سيكفيها لمدة ٩٠ عاماً فقط، لتعود بعدها من جديد لصيد الأسماك و الغوص على اللؤلؤ!

وحينها لن يتذكر التاريخ تلك الدولة التي استمر ازدهارها مائة عام فقط، ولكنه سيظل وفياً لتلك الشعوب العظيمة ذات الثقافات المتعدة والاقتصاد المتنوع والحضارة المدهشة التي تؤكد أن "الإنسان" فقط هو الثروة الحقيقة.

و على رأي المثل الشعبي المتوارث لأحد هذه الشعوب العظيمة:
" يا واخد القرد على ماله ..."








Friday, May 22, 2020

الرد على العملاء في ملحمة الشهداء - "البرث"


ترددت كثيراقبل أن أقرر أن أكتب هذه السطور، فهؤلاء الرجال و غيرهم ممن يستكملون طريقهم نحو اجتثاث جذور الإرهاب، بل و قواتنا المسلحة، كلها ليست في حاجة لبضع كلمات أو مقالات و قصائد تمجد في بطولات أبنائها، فجميع الكلمات ستظل عاجزة عن وصف ما يمثله الجيش المصري و رجاله منذ فجر التاريخ و حتى اليوم لهذا الوطن العظيم !

و لكني وجدت أنه وبالرغم من كل ما تكشف من حقائق طوال السنوات الماضية، و كل ما تم كشفه من تفاصيل حول العمليات في سيناء من خلال مسلسل "الاختيار"، إلا أن العملاء و المأجورين مازالوا يستغلون الموقف لزعزعة ثقة أبناء هذا الوطن في قواتهم المسلحة، و في بسالة و شجاعة رجاله، و حكمة قادته الميدانيين، و ولائهم جميعاً لهذه الأرض.

و رأيت أن أختار بضعة نقاط للرد عليها لكي لا يجد هؤلاء سبيلاً لزرع الشك و الريبة في صدور أبنائكم بعد أن ظلت أجيال سبقتهم لعقود فريسة للقتل الممنهج و المتعمد لروح الانتماء و حب الوطن!


(1)
كان الهدف الرئيسي لادعاءات و أكاذيب هؤلاء هو التشكيك في شخصية أحمد المنسي نفسه لتسقط بعدها كل مصداقية العمل، و كل ما يمكن أن يتم كشفه في المستقبل من بطولات رجال القوات المسلحة في سيناء و في كل شبر من أرض مصر ..

و من هنا دأبت صفحات المرتزقة و العملاء على استهداف عقول وفكر شباب وأطفال مصر لإقناعهم أن أحداث مسلسل الأختيار "أوفر" و أنه لا يمكن أن يكون هناك ضابطاً في الصاعقة تجتمع فيه خصال النبل والشجاعة والحلم والحزم والكرم و رقة القلب كما هو حال المنسي في المسلسل، و زادوا من الأمر بعد حلقة الملحمة الأخيرة بالتشكيك في قدرته على قتل كل هؤلاء التكفيريين و وصفوه بالمبالغة الفجة !
و أقول لهؤلاء، إن اصطياد المنسي للتكفيريين بسهولة من تلك المسافة ليست مبالغة فهو حاصل على فرقتي SEAL من مصر و أمريكا وخدم في وحدة العمليات الخاصة للصاعقة 999 قتال وهي نخبة مقاتلي الصاعقة وأكثر خبرة وكفاءة وقوة، و أن ما فعله هو شيئ طبيعي و متوقع ممن يمتلكون كفاءته و خبرته!

(2)

الدعم لم يتأخر، فمن يدعون ذلك يرد عليهم فيلمهم الذي نشروه بأنفسهم و الذي يظهر أن قوات الدعم التي تحركت من رفح و قيادة الكتيبة 103 صاعقة في العريش اشتبكت بالفعل مع التكفيريين في الضوء الخافت قبل طلوع النهار و ليس بعد أربع ساعات كما يدعون!

(3)
نشرت الجزيرة أن المعركة استمرت منذ 4 فجراً حتى 11 صباحاً دون وصول الدعم، و أرد عليهم برابط تغريدتي بعد الحادث مباشرة:
 الساعة 10:17 بعد نهاية الاشتباك و وصول الدعم البري و الجوي و صدور بيان القوات المسلحة!


(4)
اللقطات التي بثها التكفيريين للمقاتلات التي قصفت المنطقة مع أول ضوء للنهار تظهر أنها مقاتلات F-16 Block 40 متعددة المهام، و هي مميزة بالتمويه البرتقالي لتثبت أنها مصرية و ليست إسرائيلية كما ادعت وسائل إعلام عميلة و مأجورة!


(5)
قيادات الجيش لم تترك أبنائها للموت وسط الصحراء دون تأمين!
فارتكاز البرث لم يكن للسيطرة على الأرض و عمل تحصينات كما هو الحال في النقاط الثابتة و مقرات الكتائب و الكمائن الدائمة على المحاور الرئيسية، بل كان مجرد نقطة انطلاق لمجموعة الصاعقة للقيام بالعمليات النوعية ضد التكفيريين في المنطقة المحيطة و قطع الإمدادات عنهم قبل التحرك للتمركز في منطقة أخرى أو العودة لمقر القيادة الرئيسي للكتيبة 103 في العريش،

(6)
لم تتجاهل القيادة الموحدة لمنطقة شرق القناة و مكافحة الإرهاب الاستغاثة من الموقع!
فالإبلاغ عن الهجوم من المنسي لقيادة عمليات الصاعقة والدعم الفوري برياً ثم طلب الدعم الجوي بعد الهجوم على قوات الدعم و تلقي أوامر تجهيز و تسليح وإقلاع الطائرات و وصولها لموقع الاشتباك تم بشكل فوري

(7)
الموقع داخل المنطقة (ج) التي يحظر فيها تواجد الطيران الحربي طبقاً لاتفاقية كامب ديفيد إلا بالتنسيق المسبق مع قوات حفظ السلام و هو ما جعل الدعم الجوي من F-16 يأتي من مطارات بعيدة رغم وصول طائرات بدون طيار للدعم قبلها.



(8)
المروحيات الهجومية تحتاج إلى وقت قبل الإقلاع لتفحص أنظمتها المختلفة بخلاف تزويدها بالوقود وتزويدها بالصواريخ والقنابل المناسبة لنوعية الاشتباك، مع وجود خطر توافر صواريخ محمولة مع التكفيريين يمكنها إسقاطها كما فعلوا مع قوات الدعم البري 

(9)
الطيران الحربي لم ينفذ أعمال القذف الجوي ضد التكفيريين إلا حين كانوا على مسافة آمنة من رجال المنسي على الأرض وإلا فسيتسبب القذف في قتل رجالنا كذلك لأن القنابل تنفجر وتتشظى على مساحة كبيرة وتقضي على عدد كبير من الأهداف المتقاربة،

في النهاية .. لا أظنكم تتصورون أن ذلك الهجوم بتلك الأسلحة  والتمويل اللامحدود والدعم الاستخباري المعقد والدعاية الإعلامية اللاحقة له قد تم بفضل أبو هاجر أمير داعش في سيناء!

و لكن يمكنك معرفة من وراء كل ذلك حين تقرأ التفاصيل هنا ..

حفظ الله مصر و ليبقى دائماً .. المجد للشهداء



المراجع:
https://www.facebook.com/EgyArmySpox/
بوابة الدفاع المصرية - Egypt Defense Portal
http://www.group73historians.com/
https://en.wikipedia.org/wiki/Camp_David_Accords


Sunday, May 17, 2020

شكراً جيش مصر الأبيض !!




"شكراً جيش مصر الأبيض

جملة يتاجر بها الجميع في الحكومة والإعلام من خلال حملات دعم الأطباء باستغلال معاناتهم في مواجهة الهجوم الشرس لفيروس كورونا، تماماً كما يتاجر داعش و القاعدة و الإخوان و تنظيم بيت المقدس بالدين، و يتاجر ترامب بالسياسة مع الصين، و تتاجر جمعيات استجداء عطف و رقة قلب المصريين بمعاناة و فقر و مرض إخوتنا في الوطن، بل و سعيها الحثيث بلا حياء لنشر مقاطع عطفها على الفقراء و المحتاجين بصناديق الطعام و المؤن لمجرد الاعلان عن أنفسهم دون الالتفات للمهانة و "كسرة النفس" التي يتعرض لها هؤلاء بينما يشاهدهم الملايين على شاشات التليفزيون و هم يتلقون المساعدة

و منذ بدأت الأزمة في مصر في منتصف فبراير الماضي،  و هناك العشرات و ربما المئات من الزملاء و الأصدقاء و المتابعين على السوشيال ميديا ممن يهاجمونني بشدة، بل ومن يتطاولون في بعض الأحيان بسبب انتقادي لفشل وزارة الصحة في إدارة الأمور داخل المستشفيات الحكومية بوضع خطط للطوارئ، و خطط لإدارة الموارد البشرية و المادية المتاحة لتحقيق النتائج القصوى المرجوة من تقليل فرص انتشار العدوى، ومنع إصابة الطواقم الطبية !
  
و كان مبرر هذا الهجوم واحداً لديهم جميعاً،  فحجتهم بكل بساطة أن الطواقم الطبية في العالم أجمع تصاب بالعدوى، وأن ذلك لا يعيب وزارة الصحة المصرية، فهي لا تختلف عن مثيلاتها في أوروبا و الولايات المتحدة و دول الخليج !
  
و لكل هؤلاء، أحب أن أقول لهم: من تتحدثون عنهم من الطواقم الطبية حول العالم ممن يصابون بالعدوى بل و يموتون نتيجة مضاعفات المرض هم الطواقم الطبية التي تعمل داخل مستشفيات العزل مع الحالات شديدة العدوى أو مع المصابين داخل الرعاية المركزة أو من هم على أجهزة التنفس الصناعي، و ليس أولئك القائمون بالعمل في المستشفيات العامة التي تقوم بتقديم الرعاية الصحية العامة لغير مرضى الكورونا و ينحصر دورهم في استقبال بعض الحالات المشتبه بها أو حالات الطوارئ، أو استقبال مرضى العيادات الخارجية، و صرف الحصص الشهرية من الأدوية لمرضى الأمراض المزمنة

‏المؤسف أيها المهاجمون و الغاضبون و المتطاولون و الرافضون لأي انتقاد للسلبيات و وصم من يقوم به بالعمالة و الخيانة، أن عدد الطواقم الطبية في مصر ممن انتقلت لهم العدوى في مستشفيات العزل قليل جدا مقارنة بالعدد الضخم من الطواقم الطبية العاملة بالمستشفيات العامة الكبرى التابعة لوزارة الصحة أو المستشفيات الجامعية

و يمكنكم يا سادة أن تكتشفوا أن سبب تلك المفارقة الغريبة هو عدم وجود مكان مخصص لاستقبال الحالات المشتبه فيها بتلك المستفيات، و عدم توافر مستلزمات الوقاية الشخصية للطواقم الطبية التي تتعامل مباشرةً مع المرضى المترددين على تلك المستشفيات، و ذلك يشمل الكمامات و القفازات و أقنعة حماية الوجه و النظارات و البدلات الواقية بل و حتى المطهرات !

و ما زاد الطين بلة، هو عدم احترام إدارات تلك المستشفيات للتعليمات و البروتوكولات الخاصة بتحديد المكلفين باستقبال الحالات بحيث أنه يمكن تواجد نفس الممرضة في الاستقبال بالأمس، ثم بقسم الرعاية المركزة اليوم، ثم بالعيادات الخارجية غداً، بحجة أن حاجة العمل تتطلب ذلك، و لتذهب محاذير مخالطتها لمرضى محتملين للجحيم، و لنضرب بعرض الحائط باحتمالية نقلها للعدوى لكل من خالطتهم من زملائها في الأقسام الأخرى !

بالطبع سيظهر هناك من بعيد من سيصرخ في وجهي غاضباً و متجهماً و هو يقول : " الكلام دة مش مظبوط يا أستاذ .. الوزارة بتبعت كل المستلزمات دي للمستشفيات و بتنزل كمان منشورات بجداول الكميات و نوعياتها اللي بتروح كل مستشفى .. كفاية إفترا على البلد بقى يا عالم

و لذلك الرجل "المحموق" على سمعة و صورة البلد و كأنه الوطني الوحيد وسط أمثالي ممن يعتبرهم من الخونة والعملاء، أحب أن أقول أن كلامك مضبوط يا سيدي!! 

و لكن دعني أشرح لك بالأرقام من بيان السيدة وزيرة الصحة و الدكتور خالد مجاهد أثناء استجواب السادة نواب الشعب لهم في يناير الماضي حول إحدى المستشفيات بمحافظة الجيزة و هي مستشفى بولاق الدكرور العام ..

فلقد ذكرت الوزارة أن  أن العدد الحالي من القوى البشرية بالمستشفى هو 248 طبيبًا بشرياً، و28 طبيب أسنان، و29 طبيب علاج طبيعي، و83 صيدلي، و256 ممرضًا، و74 فني، و148 إداريًا، أي أن العدد الإجمالي هو 866 و بافتراض أن الفنيين و الإداريين لن يخالطوا المرضى أو الطاقم الطبي ( وهو شيئ مستحيل واقعياً) فسيصبح عدد الطاقم الطبي 644 شخصاً، تقوم الوزارة بإرسال ما يقارب 4500 كمامة شهرياً فقط لهم !

و بافتراض أن كلاً منهم سيستهلك كمامتين فقط في اليوم لترشيد الاستهلاك، و أن الأطباء و الممرضين سيلتزمون بالبروتوكولات الوقائية التي تلزمهم بتغيير القفازات مع كل مريض، فهذا يعني أنهم سيحتاجون  1288 كمامة و 6440 قفازاً يومياً أي ما يساوي 38640 كمامة و 193200 قفازاً شهرياً و هو بالطبع ما يؤكد أن الصورة ليست بتلك المثالية التي كنت تتصورها أيها "المحموق"، خاصةً و أنه حتى ذلك الرقم الذي أتحدث عنه يستثني العاملين و الإداريين الذين لا يقلون تعرضاً للخطر أو احتمال كونهم سبباً في نقل العدوى لزملائهم، و لا يضم المرضى المتواجدين بوحدات غسيل الكلى مثلاً ممن يترددون يوميا على تلك المستشفيات !

و يبقى السؤال .. إذا كان الطبيب (فرضياً)  قادراً على شراء ما ينقصه من مستلزمات الوقاية الشخصية، فهل سيستطيع طاقم التمريض شراء ما قيمته خمسون جنيها يوميا ًمن الكمامات و القفازات، أي ما يعادل ١٥٠٠ جنيها شهرياً، بسبب نقص تلك المستلزمات و عدم توفير الوزارة للكميات الكافية لهم، بل و إصدار منشورات رسمية من بعض مديريات الطب الوقائي بالمحافظات بقصر استخدام تلك المستلزمات على "نوبتجية الاستقبال فقط نظراً للنقص الشديد فيها" !!

و لا مانع عندي من الاعتراف بحقيقة محدودية موارد وزارة الصحة، و لكن يبقى السؤال : لماذا لا تطلب الوزارة دعم القوات المسلحة و رئاسة الوزراء في توفير تلك المستلزمات و تصر أن كل شيء على ما يرام ؟

لماذا لا تطلب الوزارة دعم القوات المسلحة لتعقيم تلك المستشفيات بصورة دورية و احترافية بدلاً من اللجوء إلى مسح الأرضية فقط بواسطة "جردل الدادا أم محمد اللي عليه نقطتين كلور من الجركن اللي لازم يكفيها شهر"  و لتذهب الحوائط و الأبواب و الشبابيك و الأجهزة و المقاعد و الأسرة و من يستخدمونها و يلامسونها إلى الجحيم، لا لشئ إلا بسبب أن مدير المستشفى الموقر لا يريد أن يطلب من الوزارة ما يبين أنه غير قادر على إدارة موارده، و أن يؤكد في تقريره أن كل الأمور على ما يرام و أنه ليس هناك من هو أكفأ منه لتسيير الأمور !

و هنا يظهر سؤال ٱخر .. فهناك بالتأكيد من يقوم بالتفتيش الدوري على تلك المستشفيات ليرى ما إذا كان تقرير ذلك المدير " اللي ماجابتوش ولادة" صحيحاً أم لا !

و الإجابة طبعاً أن هناك تفتيشاً دورياً، و لكن القائمين عليه من فئة موظفي الديوان في أفلام نجيب الريحاني القديمة، فهم لا يهتمون سوى بمراجعة دفاتر الحضور و الانصراف، و تعنيف الأطباء على عدم نظافة وحداتهم التي ليست من اختصاصهم من الأساس، بل و تحويل الصيادلة للتحقيق بسبب توقف ثلاجة الأدوية عن العمل بسبب حاجتها للصيانة و كأنه من واجبات الصيادلة أن يقوموا بإصلاح المعدات على نفقتهم الخاصة بعد فشل الإدارة و المديرية و الوزارة في توفير الموارد اللازمة لضمان استمرار عمل كافة المعدات و التجهيزات بالصورة المطلوبة

لن أخوض طويلاً في إثبات صحة ما أدعيه من إصابة المئات من الطواقم الطبية في غير مستشفيات العزل بالعدوى، فكل ذلك قد تم إعلانه رسمياً، و نشره في كل وسائل الإعلام باعتراف الحكومة نفسها ممثلة ً في وزارتي الصحة و التعليم العالي و المحافظين بل و مكتب مستشار الرئيس لشؤون الصحة و الوقاية، و هو ما تم الإفصاح عنه في مستشفيات كتيرة مثل الزيتون والمطرية والزهراء الجامعي ومعهد القلب ومعهد الاورام و الفيوم العام، و أخيراً مستشفى بولاق الدكرور العام بالأمس والتي تم إثبات إيجابية عينات ما يزيد عن خمسين من طاقمها الطبي، كما هو منسوب لمصدر مسؤول بوزارة الصحة في تصريحه لجريدة اليوم المرخصة من المجلس الأعلى للإعلام، و هو بالتأكيد بسبب ما ذكرته من عدم توافر مستلزمات الوقاية الشخصية، بالإضافة إلى سعي إدارات تلك المستشفيات إلى التكتم الشديد و إنكار وجود حالات مشتبه بها، و تصدير مشهد الكمال التام لدرجة الإصرار على استمرار من خالطوا تلك الحالات في العمل حتى ظهور نتائج عيناتهم حتى تتفشى العدوى بين الطواقم الطبية وتخرج الأمور عن السيطرة و يصبح إغلاق المكان بالكامل حتمياً، كما حدث في أكثر من منشأة طبية، لتفقد مصر و الحكومة بالتالي الكثير من قدرتها على مواجهة الأزمة!

نعم .. ‏رغم اعتراضي على تراخي السلطات التنفيذية والمحليات في تطبيق إجراءات الغلق مما أدى لعدم فاعليتها بالصورة المطلوبة و زيادة أعداد الإصابات بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية،  إلا أن الإجراءات الاقتصادية التي قامت بها الحكومة للتخفيف من حدة الأزمة و المجهودات الضخمة التي تقوم بها القوات المسلحة للتطهير و التعقيم لا يمكن إنكارها، و تدل على تواجد من يستطيعون إدارة الأمور باحترافية و حكمة، و لكن في المقابل، يبقى أداء المسؤولين بوزارة الصحة غير قادر على الارتقاء للمستوى المطلوب من الحنكة و الاحترافية و حسن الإدارة و القيادة في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الوطن مما يعرض حياة المواطنين والأطباء والممرضين والعاملين و المرضى ومستقبل مصر كلها في ذلك الوقت العصيب من تاريخها لخطر كبير، ، وهو ما يتطلب في رأيي تدخلاً رئاسياً مباشراً للتحقيق في الأمر

حفظ الله مصر !


Friday, March 27, 2020

كورونا .. الحقيقة، الخوف، و الوعي !

إيهاب الشيمي

منذ الإعلان عن أول حالة كورونا في مصر، لم يتوقف ترويج المتربصين بالوطن لكل ما يثير الفزع بين جموع الشعب المصري، وكل ما يثير الشك والريبة في قدرة الحكومة على إدارة الأزمة، بل وإثارة الفوضى من خلال توجيه بعض الدعوات الخبيثة للنزول للشوارع في مسيرات لطلب العون من الله، وكأن الله ينتظر خروجنا في مظاهرات لكي يستجيب لدعواتنا!

ولذلك رأيت أن أكتب هذ السطور لأتبادل معكم رؤيتي المتواضعة للأمور بما يبدد هذه المخاوف، ويمنحنا جميعاً بعض الثقة والطمأنينة، فعلى عكس ما يروج له المتربصون بأن الأرقام المعلنة في مصر تعني أن عدد الإصابات تضاعف في مصر عشر مرات خلال العشرة أيام الأخيرة، إلا أن الأمور لا يتم احتسابها بهذه الطريقة التي لا تهدف إلا لإثارة الهلع!

فبحسابات بسيطة يمكنك عزيز القارئ أن ترى أن متوسط الزيادة اليومية في عدد الإصابات في مصر هو 16.35% وهو ما يعطي 93 إصابة بعد أول شهر من إعلان اول إصابة، و497 إصابة في اليوم الحادي والأربعين منذ إعلان اول إصابة، وهو تماما ما أعلنته وزارة الصحة يومي الثالث عشر والسادس والعشرين من مارس على التوالي، و هو ما يعني أننا و بهذا المعدل سنصل بعدد الإصابات في مصر إلى نحو  1,233 بحلول الأسبوع الأول من أبريل 2020، مع ملاحظة أن 45 حالة من هذه الحالات تم تسجيلها في موقع واحد فقط هو الباخرة السياحية النيلية في الأقصر!

والشيء اللافت بجانب ثبات هذه النسبة، هو ارتفاع نسبة تحول العينات من إيجابية إلى سلبية بفضل الله أولاً، ثم بفضل بروتوكولات العلاج التي تطبقها وزارة الصحة والتي تتعدى 26.25% حسب آخر الإحصائيات المعلنة يوم السادس و العشرين من مارس 2020، وبالتالي فسيكون عدد حالات الشفاء بحلول الأسبوع الأول من أبريل هو 323 من أصل 1,233 متوقعة طبقاً لمعدل الزيادة الحالي كما سبق و ذكرت، وعليه يكون عدد المصابين الفعليين في مستشفيات العزل هو أقل من 900 شخص فقط يتم رعايتهم على أفضل وجه بواسطة أبطال الطواقم الطبية في مستشفيات العزل في "النجيلة" بمرسى مطروح، و"إسنا" بالأقصر، و"أبو خليفة" بالإسماعيلية و"العجمي" بالإسكندرية ومستشفى "تمي تمديد" بالدقهلية و المستشفيات التي تم إضافتها للعزل منذ أيام وهي "مستشفى 15 مايو" و"مستشفى العجوزة التخصصي"، بالإضافة إلى "مستشفى الصداقة" و"مستشفى قفط" في محافظة قنا، و"مستشفى قها" في القليوبية.

ولا أرى أن هذه الأرقام تدعو للقلق أو الخوف من انتشار رقعة الإصابات في مصر فالأرقام في الولايات المتحدة أكثر إثارة للقلق!
ففي خلال شهر واحد تم تسجيل ما يزيد عن 81,000 إصابة هناك، وهو ما يعادل تسجيل 27,000 إصابة في مصر باحتساب النسبة بين تعداد السكان (3:1) وهو ما لم يحدث في مصر بحمد الله

ما قد يخفف من حدة التشكيك في قدرتنا على مواجهة الأزمة مقارنةً بالدول الكبرى، هو أن تعرف أن عدد أسرة العناية المركزة في الولايات المتحدة هو 100,000 سرير ولكن هذا يتضمن 28,000 سرير عناية للأطفال وحديثي الولادة، فيكون المتاح فعلياً هو 72,000 سرير ، وهو أقل من عدد الإصابات الحالية، وثلث العدد المطلوب البالغ نحو 200,000 سرير  حسبما توقع تقرير فيدرالي حال انتشار الانفلونزا هناك.

و بتطبيق المعدل العالمي لعدد أسرة العناية المركزة المطلوبة مقارنة بعد السكان، فعليك أن تعرف أن المعدل هو سرير لكل 7,000 شخص، وستجد أن هناك من سيقول لك أن مصر لا تمتلك سوى 6,000 سرير فقط أي سرير لكل 17,000 شخص، و هو رقم صحيح بالفعل، و لكنه يتجاهل تماماً وجود 4500 سرير في المستشفيات التعليمية مثل قصر العيني و الدمرداش و الحسين و غيرها، و هو أيضاً يتجاهل وجود 5,000 سرير في المستشفيات الخاصة و التي يمكن بقرار حكومي استخدامها أيضاً كما حدث في فرنسا و إيطاليا، و هو ما يعني أن النسبة الحقيقية هي سرير لكل 6,450 شخص و هو أفضل من المعدل العالمي!
و عليك أيضاً أن تعلم أن كل الارقام السابقة لا تشمل  المستشفيات العسكرية، أو خطط القوات المسلحة لإنشاء مستشفيات ميدانية أو الإشراف على تصنيع أجهزة التنفس الاصطناعي الإضافية اللازمة حال استدعى الأمر ذلك لا قدر الله!

الخلاصة يا سادة، أن الوضع في مصر ليس كما يروج له المأجورين والمشككين والمذعورين! فمعدل زيادة الإصابات مازال تحت خط الخروج عن سيطرة الحكومة، واستعداداتنا من أسرة العناية المركزة متناسبة مع عدد الإصابات المتوقع، ونسب الشفاء مرتفعة بشكل لافت، و لكن لا تجعل ذلك ينزع عنك كل القلق لينقلب إلى استهتار أهوج .. !

فعليك أن تعرف أنه لو أصابتك الأنفلونزا، فاحتمال نقلك للعدوى للآخرين هو أن تنقلها إلى 1,3 شخص و بالتالي سينقلونه إلى 1,3 شخص آخر و تستمر المتوالية الحسابية لنصل عند المرحلة العاشرة من تكرار العدوى إلى 14 شخص تقريباً، أما في حالة فيروس كورونا، فإن احتمال نقلك للعدوى للآخرين هو أن تنقلها إلى 3 أشخاص و بالتالي سينقل كل منهم المرض إلى 3 أشخاص آخرين .. و قد لا يبدو الفارق بين 1,3 شخص في حالة الانفلونزا و 3 أشخاص في حالة كورونا كبيراً لك للوهلة الأولى، و لكن باستخدام آلة حاسبة بسيطة ستكتشف أن المتوالية الحسابية ستصل عند المرحلة العاشرة من تكرار العدوى إلى 59,000 شخص تقريباً!و ليس 14 شخصاً كما هو الحال في الانفلونزا العادية، و ستكون أنت وحدك المسؤول عن إصابتهم جميعاً لعدم التزامك بما يجب فعله من أجلك أولاً قبل أن يكون من أجل أحبائك و وطنك!

نعم ..  وعيك فقط هو ما سيقرر ما سيحدث في الأيام القادمة!

أبوس إيدك .. خليك في بيتك

حفظ الله مصر



Tuesday, January 7, 2020

الحرب العالمية .. فيما وراء الحدود الليبية !!


إيهاب الشيمي:
" ليبيا إيه بس ووجع قلب إيه اللي السيسي والحكومة شاغلين نفسهم بيها دي؟

 ما تخلونا في حالنا وبلدنا يا جدعان !! 

وبعدين هو حد فاهم حاجة؟ 

دة كله سمك .. لبن .. تمر ليبي يا مولانا !!"

إذا كنت من هؤلاء فلا أرى أنه من الصواب أن تقوم بمتابعة قراءة السطور التالية .. مع نصيحتي بإمكانية تقضية وقت ممتع بمتابعة مباراة كأس إنجلترا الليلة بين قطبي مدينة مانشستر!

 وإذا كان الأمر ليس كذلك، فأنت بالتأكيد ممن أصابتهم الحيرة، و الغضب أحياناً، حين لم يجدوا إجابة شافية للتساؤلات التالية: هل نؤيد "المؤتمر الوطني العام"، أم نساند "مجلس النواب"؟  . ما الفارق بين قوات "درع ليبيا"، و قوات "عملية الكرامة"؟  .. ومن هو رئيس الحكومة، وعن أي حكومة نتحدث؟ حكومة الإنقاذ، أم الحكومة المؤقتة، أم حكومة الوفاق؟  ولماذا تتدخل قطر وتركيا؟ وما هو اتفاق الصخيرات؟ وما علاقة مصر بكل ذلك العبث ونحن غارقون أصلاً في مشاكلنا الاقتصادية والأمنية؟ والسؤال الأهم: " هو احنا فعلاً هنحارب؟!!"

وأستطيع هنا تفهم مواجهتك للكثير من الصعوبات في قراءة المشهد الليبي منذ اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير 2011 ضد القذافي، وحتى يومنا هذا، فاختلاط الأوراق، وتداخل المصالح، وتعدد السلطات، وتبدل المواقف، وكثرة المعسكرات جعلت الموقف يبدو للكثيرين مبهماً وعصياً على الفهم.

كان ذلك هو حال معظم المصريين في نهاية عام 2014، بعد تداول معظم وكالات الأنباء لأخبار امتداد المعارك الشرسة بين الفصائل الليبية المتناحرة إلى قلب العاصمة طرابلس وتدمير المطار، وما تردد من تدخل بعض دول الجوار، ومن بينها مصر، عسكرياً في ليبيا لمساندة أطراف بعينها، وهو تماماً حال المصريين الآن في ظل احتدام معركة طرابلس و ميل موازين القوى تجاه الجيش الوطني الليبي  بقيادة المشير حفتر، و تدخل تركيا من خلال اتفاق التعاون مع حكومة السراج، و ضبابية مواقف واشنطن و موسكو و باريس و روما بل و حتى الجزائر و الرباط!

و لكي نستطيع سوياً الإجابة على كل تلك التساؤلات ببساطة و دون تعقيد فدعني أطلب منك أن تمنحني تركيزك الكامل في السطور القادمة، و لن أمانع إذا تطلب منك الأمر أن تحذو حذو سمير غانم في مسرحية المتزوجون حين "ربط دماغه عشان ما تضربش" و أن تجهز فنجاناً كبيراً من القهوة ليساعدك على استيعاب الأمر بشكل أفضل !

أصل الحكاية يرجع للأيام الأولى للثورة، حين قرر الثوار الإعلان عن تشكيل "المجلس الوطني الانتقالي" في فبراير 2011 وقبل سقوط القذافي ليكون ذلك المجلس بمثابة الممثل الشرعي للثورة والمتحدث بإسمها داخلياً وخارجياً، كما أنه سيكون بمثابة الحكومة المؤقتة التي ستتولى إدارة الأمور في حال سقوط القذافي. و تولى رئاسة "المجلس الوطني الانتقالي" حينها "مصطفى عبد الجليل" و هو وزير العدل الذي انشق عن نظام القذافي، و هو منصب يعادل منصب رئيس الجمهورية، و كان هناك منصب آخر على درجة كبيرة من الأهمية تحت مسمى رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي و هو  يعادل منصب رئيس الوزراء، و تولاه حينها "محمود جبريل" و هو أحد أعلام إصلاح الاقتصاد الليبي و من أسس المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي  في ليبيا على خلفية عمله كأستاذ للاقتصاد بجامعات الولايات المتحدة، و كان قد انشق أيضاً عن القذافي في 2009 و هو متزوج من ابنة وزير الداخلية المصري الأسبق "شعراوي جمعة" و حصل على درجته الجامعية في الاقتصاد و العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

المنصب الثالث، والأكثر أهمية في نظري، هو منصب ممثل المجلس الوطني الانتقالي في فرنسا وأوروبا، والذي نجح في انتزاع اعتراف الدول الأوروبية وحلفائها بالمجلس كممثل للشعب الليبي في أحلك لحظات الصراع مع القذافي، وتولى هذا المنصب "علي زيدان" وهو أحد المعارضين الراديكاليين للقذافي منذ 1980 وأحد المنضمين والمؤسسين للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا حينها.

تولى المجلس الوطني الانتقالي السلطة بعد سقوط القذافي، وسلم السلطة في أكتوبر 2011 إلى حكومة انتقالية برئاسة "عبد الحكيم الكيب" وهو ليبي حاصل على الجنسية الأمريكية، وأستاذ في الهندسة في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، وقامت هذه الحكومة بإعداد كل ما يلزم من إجراءات تضمن إعلان قيام الأحزاب وتنظيم كل ما يتعلق بإجراء عملية انتخابية ديمقراطية في جميع أرجاء ليبيا لانتخاب "المؤتمر الوطني العام" أو ما قد نسميه نحن في مصر "البرلمان" أو "مجلس الشعب".

وبالفعل تم انتخاب أعضاء "المؤتمر الوطني العام" في 7 يوليو 2012، وتولى سلطاته التشريعية والرقابية رسمياُ في اغسطس 2012، وهو تقريباً نفس التوقيت الذي تولى فيه مرسي رئاسة الجمهورية في مصر.  وانقسم “المؤتمر الوطني العام" بين معسكرين، الأول معسكر القوى الليبرالية والمدنية بزعامة "تحالف القوى الوطنية" الذي يقوده "محمود جبريل"، والمعسكر الآخر الذي يمثل الإسلاميين واليمين المتطرف بزعامة " حزب العدالة والبناء" الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" في ليبيا، وتم انتخاب "محمد المقري" أميناً عاماً للمؤتمر، وهو أحد المنشقين عن القذافي في 1980 أثناء توليه منصب سفير ليبيا لدى الهند.

و كما تلاحظون، فإن المشهد حتى الآن يقوده المنتمون إلى التيارات الوطنية و الليبرالية، و هو ما دفع الإسلاميين للسعى الحثيث منذ اللحظة الأولى بقيادة " حزب العدالة والبناء"  إلى محاولة السيطرة على الأمور داخل "المؤتمر الوطني العام"، من خلال تفصيل نص لمشروع العزل السياسي الذي مكنهم من ضم "المقري" لقائمة من يجب عزلهم بحجة توليه منصب سفير في نظام القذافي قبل انشقاقه، و تمكنوا في 24 يونيو 2013 من تنصيب "نوري أبو سهمين"  أميناً عاماً للمؤتمر بدلاً منه، و هو شخص يمكنهم بسهولة السيطرة عليه لضعف خبرته السياسية، و بالتالي التحكم في  شكل الدستور الجديد الذي سيشرف "ابو سهمين" على إعداده بصفته أميناً عاماً.

وحيث أن من مهام "المؤتمر الوطني العام" أيضاً تعيين رئيس حكومة جديد للبلاد، فلقد تم التصويت في نوفمبر 2012 على مرشحين اثنين لرئاسة الوزراء، وفاز بالتصويت "علي زيدان" المدعوم من الليبراليين بأغلبية 93 صوتاً ضد "محمد الحراري" المدعوم من الإسلاميين وحصل على 85 صوتاً فقط. وكان ذلك بمثابة إعلان فشل جديد للإسلاميين في مسعاهم للانفراد بالسلطة كما فعلوا في مصر وتونس. ولم يهدأ للإسلاميين بالاً فأخذوا يضعون العراقيل أمام "زيدان" ليزيحوه من السلطة، ووصل الأمر لدرجة اختطاف "زيدان" نفسه ثم إطلاق سراحه في 10 أكتوبر 2013 على يد ميليشيات "غرفة عمليات ثوار ليبيا" وهي ميليشيا إسلامية مدعومة من الإخوان المسلمين المدعومين من قطر و تركيا و إدارة أوباما في ليبيا أيضاً.

و في إطار سعي الإخوان المسلمين، للسيطرة على المشهد بشكل كامل، فقد عملوا جاهدين على إيهام الجميع برغبتهم في ضم الميليشيات المسلحة إلى الجيش الليبي ليصبحوا بمثابة حصان طروادة في أية ترتيبات لتسوية الوضع، و طلبوا من "زيدان" العمل على ذلك و إعلانه، و بالفعل تم إعلان ضم ما يعرف بميليشيات "درع ليبيا" إلى الجيش ، بالرغم من أن هذه الميليشيات التابعة لهم و لحلفائهم مقسمة فعلياً لثلاث أفرع رئيسية  (الشرق و الوسط و الغرب)، و بالرغم كذلك من بقاء ولاء هذه الميلشيات لقادتها و ليس لقادة الجيش او للحكومة المركزية.

وفي خطوة غير مسبوقة، قام الإخوان وحلفاؤهم الإسلاميون في "المؤتمر الوطني العام" بعزل "زيدان" وتعيين وزير الدفاع "عبد الله الثني" قائماً بأعماله في 11 مارس 2014، في جلسة صورية للمؤتمر حضر خلالها 76 عضواً فقط من أصل 200 عضواً، لم يصوت منهم لصالح اختيار الثني سوى 42 نائباً فقط! ولم يهدر الإخوان تلك الفرصة فسارعت ميلشيات "درع ليبيا" والمتحالفين معها من ميليشيات "أنصار الشريعة" المتحالفة مع تنظيم القاعدة، الداعم الرئيسي و الممول لتنظيم المرابطين الذي أسسه هشام عشماوي في ليبيا،  وعبد الحكيم بلحاج الممول من قطر، و "مجلس شورى ثوار بنغازي" لإعلان تأييدها لقرارات المؤتمر الوطني العام في تحد واضح لسلطة الحكومة المركزية وتجاهل واضح لعدم قانونية عملية التصويت، ووسط تعتيم إعلامي كامل من الإعلام الغربي عن خلفية علاقة تلك الميليشيات باغتيال السفير الأمريكي في بنغازي في عام 2012!

المثير للدهشة هنا، هو أن عبد الله الثني تولى مقاليد الحكومة بشكل رسمي مع بداية أبريل 2014، إلا أنه أعلن استقالته بعدها بأسبوعين فقط نتيجة تعرضه لضغوط من جماعات مسلحة هاجمت منزله وأسرته بغرض فرض أسماء معينة على تشكيل الحكومة تضمن سيطرة الإسلاميين عليها، وفي أعقاب تلك الاستقالة طلب منه المؤتمر الوطني الاستمرار كرئيس مؤقت للحكومة لحين انتخاب رئيس وزارة جديد. في تلك الأثناء، لم يهدر "أبو سهمين" الوقت وسارع بالترتيب لجلسة في الخامس من مايو 2014 أعن فيها تنصيب رجل الأعمال المدعوم من الإسلاميين "أحمد المعيتيق" رئيساً جديداً للحكومة بفضل أصوات 113 نائباً فقط وهو ما يقل عن النصاب القانوني اللازم لتنصيب رئيس جديد للحكومة و البالغ 120 صوتاً!

في أعقاب تلك المهزلة الدستورية، أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكماً ببطلان انتخاب المعيتيق و بقاء الثني رئيساً لحكومة تسيير الأعمال لحين التوافق على اسم جديد.

و وسط كل هذه الأمواج التي تلاعبت بالسفينة الليبية، خرج اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في مايو 2014 ليعلن القيام بعملية واسعة عرفت بعملية "الكرامة" للحفاظ على وحدة الأراضي الليبية واستعادة هيبة الحكومة و الجيش الليبيين، من أيدي الميليشيات الإسلامية ، و كان من الطبيعي أن يعلن الوطنيون الليبيون و القبائل الرئيسية، و كتائب و وحدات الجيش الليبي  و على رأسها كتائب القعقاع و الصواعق، و كذلك الأفرع الرئيسية من القوات الجوية و البحرية بالإضافة لقوات وزارة الداخلية  و مديريات الأمن تحالفهم مع "حفتر" في إطار عملية "الكرامة" لينضم إليهم كذلك ثوار الزنتان الأشداء في الجبل الغربي و الذين يسيطرون على مطار طرابلس منذ اندلاع الثورة ضد نطام القذافي، و لكن التأييد الأهم جاء من عبد الله الثني نفسه الذي أعلن في مؤتمر صحفي دعمه لمحاربة الإرهاب، وتحميل المؤتمر الوطني العام مسؤولية الفشل في بناء الجيش والشرطة في ليبيا.

و يبدو أن الإسلاميين، وسط انشغالهم بكل هذه المعارك السياسية و المؤامرات الخفية، لم يلحظوا أن الفترة القانونية "للمؤتمر الوطني العام" قد انتهت و أنه قد وجب إجراء انتخابات جديدة لانتخاب "مجلس النواب" الذي سيتولى مقاليد الأمور، و بالفعل قرر هؤلاء أن يحلوا كل مشاكلهم من خلال تشكيل لجنة أسموها "لجنة فبراير" تعمل على الإعداد لانتخابات برلمانية جديدة تسمح بإعادة تشكيل المؤتمر الوطني بأغلبية موالية لهم، بل وانتخاب رئيس جديد للبلاد من خلال الاقتراع السري المباشر بما يمكنهم من السيطرة بشكل كامل على مقاليد الأمور. و بالفعل، أصدرت اللجنة توصياتها و تم الحصول على دعم الأمم المتحدة و الاتحاد الأفريقي و الاتحاد الأوروبي و جامعة الدول العربية لمراقبة الانتخابات و ضمان نزاهتها، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي سفن الإسلاميين و حلفائهم، فلقد جاءت نتيجة الانتخابات لتشكل صدمة مدوية في يوليو 2014 بإعلان حصولهم على 23 مقعداً فقط من أصل 200 مقعد ذهبت غالبيتها للليبراليين و ممثلي القبائل و المستقلين، و وجب حينها تسليم السلطة للمجلس المنتخب الجديد، و هو ما رفضه "المؤتمر الوطني العام"، و ميليشيات "درع ليبيا" و حلفائهم المتمثلين في هيئة علماء ليبيا بقيادة المفتي صادق الغرياني، و حزب العدالة و البناء، و تحالف "أنصار الشريعة" في انقلاب تام على الشرعية رافقه رفضهم لعملية "الكرامة" بقيادة حفتر.

في أعقاب ذلك الرفض، خطط الإسلاميون لمؤامرة تمكنهم من شرعنة تحركاتهم، فقامت ميليشياتهم بعملية كبرى في طرابلس يوم 23 أغسطس 2014 سيطروا من خلالها على مطار طرابلس و معظم أجزاء المدينة، و في مسرحية هزلية، طالب قادة تلك الميليشيات المؤتمر الوطني العام بالاجتماع من جديد وإعلان استمرارهم في أعمالهم، رغم انتهاء ولايتهم الدستورية و سقوطهم في الانتخابات التشريعية، و تسمية رئيس حكومة تعمل على انتشال ليبيا من حالة الفوضى و هو ما فعله نواب المؤتمر الوطني العام بالطبع، حيث اجتمعوا يوم 25 أغسطس 2014 و نصبوا أنفسهم من جديد، و أعلنوا قيام حكومة جديدة تحت مسمى "حكومة الإنقاذ" برئاسة خليفة الغويل، و يبدو أن تلك الحكومة التي لم تحظ بأي اعتراف دولي سميت بذلك لإنقاذ الإسلاميين و ليس ليبيا!

نعم عزيز القارئ، أعلم أن الأمر يبدو لك شديد التعقيد، و قد تحتاج العودة من جديد لبداية الأحداث لتراجع العديد من الأسماء و الأحداث و التواريخ، و لكن هذا تماما ما أراده هؤلاء .. أن تتوه أنت وغيرك في دهاليز تلك المتاهة العميقة المظلمة بينما يتمكن تنظيم داعش من التسلل وسط كل تلك الفوضى ليحاول السيطرة على "الهلال النفطي" الممتد بطول 500 كيلومتر بين بنغازي وطرابلس بتواطؤ واضح من ميليشيات "مصراتة" وفجر ليبيا والتي تركت درنة ومدينة سرت لقمة سائغة لمقاتلي داعش الذين أصبحوا في مواجهة الجيش الوطني الليبي بينما تتفرغ تلك الميليشيات لرحلة التوجه إلى طرابلس لحمايتها من أي هجوم محتمل لقوات الجيش الوطني لإسقاط المؤتمر الوطني و تشتيت ميليشياته، والأهم وهو فتح جبهة جديدة لتنظيم داعش يمكنه من خلالها القيام بعمليات ضد الجيش المصري في الغرب، كما هو الحال في سيناء إلى الشرق، ليمكن في النهاية إنهاك قوة المصريين و بث الفوضى من جديد بما يسمح بإعادة إحياء تنظيم الإخوان هناك بعد نجاح المصريين في الإطاحة به في يونيو 2013!

واستجابة لكل تلك التهديدات، كان على مصر التحرك سريعاً للتأكيد على شرعية مجلس النواب الليبي و الجيش الليبي و حكومة الثني وقطع الطريق على محاولات الإخوان الاستيلاء على السلطة، وهو ما تم في اليوم التالي مباشرة و تحديداً في 26 أغسطس 2014 من خلال لقاء الرئيس السيسي و وزيري الدفاع و الخارجية المصريين بالسيد عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي، و وزير الخارجية في حكومة الثني، و عبدالرازق الناظوري رئيس أركان الجيش الليبي المعين من قبل مجلس النواب، و إعلان الدعم الكامل للشعب و المؤسسات الشرعية في ليبيا.

في أعقاب ذلك اللقاء في القاهرة، وتحديداً  في في 22 سبتمبر 2014، أعلن مجلس النواب الليبي عدم اعترافه بما يسمى "حكومة الإنقاذ" أو شرعية بقاء المؤتمر الوطني العام، وصوت بالإجماع على اعتبار حكومة عبد الله الثني هي الحكومة الشرعية الوحيدة المعترف بها من نواب الشعب الليبي على أن يكون مقرها مدينة البيضاء شرق ليبيا وإعلان الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر الهيئة العسكرية الشرعية الوحيدة التي يحق لها حماية الأراضي الليبية وحمل السلاح.

ولم يجد المؤتمر الوطني من مفر تجاه تلك التطورات سوى الإيعاز لميليشياته بتهديد قضاة المحكمة الدستورية وحصار منازلهم ومقر المحكمة لإجبارهم على إصدار قرار في 6 نوفمبر 2014 بعدم دستورية حكومة الثني وبطلان الانتخابات التي أتت بمجلس النواب الجديد، وهو الحكم الذي رفضته لجنة فبراير التي شكلوها بأنفسهم حيث أكدت شرعية مجلس النواب الجديد!

و لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل تطور بعد ذلك بثلاثة أشهر ليفاجأ الجميع بمشهد ذبح تنظيم داعش لما يزيد عن عشرين مصرياً في تحدٍ واضح لمصر للضغط على الحكومة المصرية للتوقف عن مساندة مجلس النواب و الجيش الليبي في مواجهة تحالف الإخوان و داعش ضدها في ليبيا، و هو ما جاء بنتيجة عكسيةٍ تماما حيث قامت مصر بضربات جوية مكثفة ضد التنظيم داخل ليبيا و زادت من دعمها للشرعية هناك سياسياً و عسكرياً بما سمح لقوات الجيش الليبي من تحقيق انتصارات مفصلية في معركة تحرير بنغازي.

وسط كل تلك الفوضى، وجدت القوى الاستعمارية والمتمثلة في فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، وبريطانيا بالطبع، أن الأمور تستوجب التدخل، و في مشهد مكرر و معتاد أعلنت الأمم المتحدة تعيين مبعوث إلى ليبيا لبدء العمل لصياغة اتفاق لإنهاء الصراع، و بالطبع كان الهدف المعلن هو حقن دماء الليبيين و وقف الصراع و ضمان وحدة ليبيا و الحفاظ على ثرواتها و وضع حجر الأساس لعملية سياسية يمكن من خلالها وضع دستور جديد و انتخاب برلمان و رئيس جديدين للبلاد، أما الحقيقة فهي النقيض تماماً، فالمطلوب تحديداً هو التوصل إلى اتفاق يضمن زرع عملاء لتلك الدول يضمنون حصتها من كعكة النفط الليبية ويشرفون على استمرار إمدادات النفط إليها من خلال شركاتها العاملة في ليبيا بالإضافة لوقف موجات الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط، و لا مانع أيضاً من أن يضمنوا كذلك استمرار حالة الفوضى و السيولة السياسية والأمنية و العسكرية التي تسمح بتمدد نفوذ الميليشيات المسلحة نحو الشرق ليزعزعوا الأمن القومي المصري و يستكملوا خطة رسم الشرق الأوسط من جديد في ظل إدارة أوباما و وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون الراعيين الرسميين لجماعة الإخوان المسلمين و جماعات الإرهاب المنبثقة عنها في المنطقة. ولذلك عمدت تلك الدول لدفع الأمور باتجاه فرض اتفاق سياسي يمكن من خلاله وضع كل أولئك الفرقاء في بوتقة واحدة، ولكن تحت قيادة يبدو للجميع أنها مستقلة و لا تتبع أياً من الأطراف الداخلية أو الخارجية، و لكنها في واقع الأمر تستوفي كل شروط العميل المطلوب، ولا مانع لديها من تحقيق كافة بنود المخطط على حساب استقرار ليبيا و دماء ابناءها!

وهكذا عزيزي القارئ وصلت الأمور إلى يوم السابع عشر من ديسمبر من عام 2015 وتحديداً في مدينة الصخيرات المغربية حيث أعلنت الأمم المتحدة اتفاق الأطراف المتناحرة في ليبيا على صيغة تفاهم تضمن البدء في عملية سياسية ووقف الصراع فيما سمي حينه "اتفاق الصخيرات".

ولا أخفيكم سراً أن كل شكوكي حول مؤامرة الدول الكبرى قد تأكدت حين كنت أتابع جلسات الحوار وجولات المفاوضات التي سبقت توقيع الاتفاق، ونوعية الشخصيات التي تم اختيارها من مبعوث الأمم المتحدة لتمثل كل طرف بما في ذلك المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة وحكومة الإنقاذ ومجلس النواب، ومدى انفصال تلك الشخصيات عن الكيانات التي تمثلها واتخاذها قرارات فردية دفعت كل تلك الكيانات لإنكار موافقتها على تلك القرارات ونفي تمثيل تلك الشخصيات لها. فلقد كان واضحاً أن الهدف ليس التوافق، ولكن مجرد وضع أسماء والتقاط صوراً تذكارية توحي بوجود الجميع وتمنح الشرعية للحكومة العميلة.

وقد يجدني البعض مبالغاً بعض الشيء هنا، ولكن ما سأوضحه هنا سيثبت لك عزيزي القارئ أن الاتفاق برمته مجرد وسيلة لترسيخ الفوضى وضمان نجاح المخطط. فاتفاق الصخيرات ينص على وجود ثلاث سلطات تتنازع الحكم فيما بينها ..

- المجلس الرئاسي، وهو سلطة غير منتخبة فرضها الاتفاق على جميع الأطراف ويتكون من سبعة أشخاص على رأسهم فايز السراج بسلطات رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة. وتمتد ولايته لثمانية عشر شهراً فقط تبدأ منذ مارس 2016، و يمكن مدها لستة أشهر فقط لحين انتخاب حكومة جديدة والتوافق على دستور جديد، و لا يحق له إبرام أي اتفاقات دون الرجوع لمجلس النواب !

- مجلس النواب الليبي الشرعي المنتخب في طبرق كممثل للشعب الليبي.

-  المجلس الأعلى للدولة و يتكون من أعضاء المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في 2014 بصفته مجلس استشاري للمجلس الرئاسي لا بد أن تمر كل قرارات المجلس الرئاسي و مشروعات القوانين و الاتفاقيات الخارجية عليه أولاً للموافقة عليها ثم عرضها على مجلس النواب للموافقة النهائية.

ولكن البند الأهم في هذا الاتفاق هو البند الثامن وهو الذي ينفي عن قيادات الجيش الليبي صفتهم الشرعية التي منحهم إياها مجلس النواب ويعتبر كل المناصب العسكرية شاغرة فور تولي السراج مهام وظيفته واعتماد مجلس النواب لحكومة الوفاق على أن يتولى السراج تعيين قادة الجيش ويعمل على دمج الميليشيات المسلحة تحت قيادته.

ويمكنك بالطبع عزيزي قارئ هذه السطور، أن تكتشف أن الوضع أصبح أكثر سوءاً بعد ذلك الاتفاق، ففي ليبيا الآن رئيس الوزراء فايز السراج بصفته رئيس المجلس الرئاسي، ورئيس وزراء الحكومة المؤقتة عبد الله الثني المعين من مجلس النواب المنتخب ومقرها البيضاء، ورئيس وزراء حكومة الإنقاذ خليفة الغويل المدعوم من المؤتمر الوطني العام الذي يسيطر على مجلس الدولة بالكامل طبقاً لاتفاق الصخيرات. وما زاد الأمر سوءاً هو أن الميليشيات التابعة لحكومة الإنقاذ و من خلفها لمؤتمر الوطني العام و من خلفه الإخوان المسلمين وجدت نفسها فجأة بلا صفة تتيح لها الحصول على التمويل اللازم الذي اعتادت أن تحصل عليه من حكومة الإنقاذ و من عوائد سيطرتها على المنشآت النفطية، وما كانت تتلقاه بالطبع من قطر و تركيا.

و هكذا فرضت هذه الميليشيات حصاراً صارماً حول السراج منذ وصوله إلى طرابلس في مارس 2016 ، و فرضت على وزارة المالية و مصرف ليبيا المركزي منحها المليارات من أموال الشعب الليبي مقابل الإبقاء على سلطة المجلس الرئاسي و حماية طرابلس من استعادة الجيش الليبي لها و دحر الميليشيات، فأصبح السراج مجرد دمية تتلاعب بها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها الاقتصادية في ليبيا، و تهددها الميليشيات لتحصل على الغطاء الشرعي اللازم لوجودها كفصائل تابعة، على الورق فقط، لوزارتي الدفاع و الداخلية في حكومة الوفاق لضمان تدفق الأموال على قادتها و مقاتليها، بينما تأتمر بأوامر سادتها في أنقرة و الدوحة و مصراتة.

وسط كل تلك المؤامرات والعقبات  لم يجد الجيش الليبي مفراً من استمرار القتال لاستعادة ليبيا من قبضة الميليشيات الإرهابية و الحكومة المتخاذلة في طرابلس، فاستمرت عملية الكرامة في الشرق الليبي و تم استعادة السيطرة على الهلال النفطي في سبتمبر 2016، و هي السيطرة التي استمرت حتى الآن رغم خيانة حرس المنشآت النفطية و هجوم سرايا الدفاع عن بنغازي على المنطقة في 2017 و هو ما تم إحباطه بفضل تعاون الجيش الليبي مع مصر و الإمارات، بعد نجاح مصر في توفير دعم السعودية و الإمارات لقائده خليفة حفتر، و نجاح مساعيها الدبلوماسية في استمالة الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب نحو اعتبار الجيش الوطني الليبي و قائده لاعباً أساسياً في المعادلة الليبية و مكافحة الإرهاب وضمان أمن موارد ليبيا النفطية، بل و استخدام واشنطن لحق الفيتو ضد مشروع قرار بريطاني مدعوم من قطر و تركيا لوقف عمليات الجيش ضد الميليشيات في جميع أنحاء ليبيا في 3 يوليو 2019.




و هكذا عزيزي القارئ، و بعد خمس سنواتٍ كاملة من الكفاح الوطني للجيش الليبي و دعم أشقائه العرب في مصر و السعودية و الإمارات و دعم الشرفاء من أبناء القبائل الليبية وإيمان كل الأحرار و الوطنيين من أبناء عمر المختار بحقهم و حق وطنهم في مستقبل أفضل، يمكنك الآن النظر من أعلى إلى ليبيا لتجد قوات الجيش الليبي و قد حررت بنغازي و معظم مدن الشرق الليبي بالكامل وصلاً إلى الكفرة جنوباً، و مروراً بالساحل شمالاً من طبرق و حتى سرت، و لم يتبق للميليشيات الداعمة لحكومة الوفاق و الموالية للإخوان المسلمين سوى رقعة صغيرة من الأرض (مظللة باللون الازرق ) حول طرابلس تمتد حتى مصراتة حيث معقل الإخوان القوي، شرقاً و شريط ساحلي ضيق يمتد حتى الحدود التونسية غرباً. و هذا المشهد تماماً هو ما دعا السراج للاستنجاد بأردوغان و لكن ليس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كما قد يتوهم البعض أو كما تروج له وسائل الإعلام الغربية بل و العربية من إرسال تركيا لجنود لمواجهة الجيش الليبي، و لكن هي كما أراها خطة محكمة تشترك فيها كل الدول الاستعمارية تحت عباءة الأمم المتحدة، بحيث يمكن لها التدخل من جديد لوقف إطلاق النار و فرض اتفاق آخر، مثلما فعلت في الصخيرات، قبل نجاح الجيش الليبي في تحرير كامل التراب الوطني من الميليشيات الإرهابية، و هو تماماً ما فعلته الأمم المتحدة من قبل في اليمن حين اقتربت قوات التحالف من تحرير الحديدة من أيدي الحوثيين.

في النهاية، يجب عليك أن تدرك أن أبواق الحرب العالمية كلها كاذبة، فكل الأطراف ستجلس إلى مائدة المفاوضات في النهاية، و الولايات المتحدة لن تسمح للرجل القابع في أنقرة بتجاوز الدور المرسوم له والاستيلاء على موارد ليبيا النفطية من خلال إرسال قواته إلى ليبيا بينما ترى أنها الأحق بذلك من أي طرف آخر !

الأمر كله يتعلق بجلوس كل طرف و هو في موقف أكثر ثباتاً و قوة من الطرف الآخر بما يمنحه القدرة على صياغة اتفاق يضمن مصالحه، و هي في حالتنا هنا هي نفسها مصالح الشعب الليبي و الجيش الليبي و التي تصب في النهاية في المصلحة العليا للأمة العربية ضد أطماع القوى الاستعمارية، ومن هنا تأتي ضرورة استمرار دعمنا لجهود الجيش الوطني الليبي لتحرير طرابلس، و تأتي أيضاً ضرورة دعمنا للقوات المسلحة المصرية في سعيها لتطوير قدراتها و جهودها الحثيثة في الفترة الماضية في إجراء المناورات البرية و البحرية بالتعاون مع الدول الصديقة في البحر المتوسط، لا لنعلن الحرب على بلد بعينها، و لكن لنمنح الجالس على مائدة المفاوضات المزيد من الثقة بأنه ليس وحده في مواجهة خصومه، و أن حلفاءه قادرون عسكرياً و سياسياً على ردع من تسول لهم أنفسهم الاستمرار في استباحة سيادة و ثروات ليبيا بنفس القدر الذي يستطيعون به ردع من تسول لهم أنفسهم المساس بثروات مصر و مياهها الاقتصادية في البحر المتوسط.


أعتقد الآن أنك بحاجة لفنجان آخر من القهوة!



Friday, January 3, 2020

اغتيال سليماني .. و المسرحية الأمريكاني !



إيهاب الشيمي:

يبدو أن واشنطن قد سئمت من تصرفات طهران التي خرجت عن سياق تحقيق  مخططاتها للمنطقة إلى تحقيق طموحات خامنئي التوسعية المدعومة بأحلام امتلاكه للسلاح النووي!

في وقائع سابقة، كان الأمر أكثر سهولة حين تعلق الأمر بالتخلص من أدوات الولايات المتحدة للعبث بالمنطقة و إعادة رسم خريطة التحالفات و مراكز القوى بل و الحدود السياسية أحياناً، فتم قتل بن لادن زعيم القاعدة ثم قتل البغدادي خليفة داعش، و اغتيال جيمس لاميزورييه مؤسس الخوذات البيضاء في سوريا، و نهايةً بالتخلي عن الأكراد ليذبحهم أردوغان بدم بارد بعد أن كانوا ذراع واشنطن ضد الأسد و ذريعتها لنشر قواتها بشمال سوريا و شرق الفرات لوقف التمدد الروسي هناك ..

 و لكن الأمر ليس بهذه السهولة هذه المرة .. 
فلا يمكن لإدارة ترامب شن حرب على إيران رداً على قصف أرامكو في هجوم لم يمكن حتى الآن تحديد منفذيه و أماكن انطلاقه بشكل قاطع، و لا يمكن لها بالطبع شن هجوم على إيران لاحتجازها بضعة ناقلات للنفط لا تحمل علمها من الأساس، و لا يعد بسط طهران لسيطرتها على أروقة صنع القرار في عدة عواصم عربية مبرراً مقنعاً للتحرك عسكرياً ضدها أيضاً !

الأمر هذه المرة يتطلب الكثير من استعراض القوة، و منح القليل من الخيارات لمن يريدون تحييده و لن أقول التخلص منه كي لا يعتبرني البعض مسهباً في التفاؤل، أو مبالغاً في تقييم الأمور ..

و لا أظن أن أمراً غير اغتيال قاسم سليماني كان سيحقق تلك الشروط التي أظهرت الولايات المتحدة بمظهر القوة العظمى التي لا تتوانى عن فعل ما يحمي مصالحها حتى لو كان اغتيال رجل طهران القوي و عراب سياستها العسكرية و التوسعية في المنطقة، بالإضافة إلى حصر ذلك الفعل لخيارات طهران في ثلاثة خيارات فقط أحلاهم مر:

الأول هو القيام برد فعل أحمق ضد المصالح الأمريكية مباشرةً بما يبرر ضربة شاملة ضد القدرات العسكرية الإيرانية تمتد ٱثارها لشل أذرعها في المنطقة و إعادة عجلة الزمن عشرات السنوات للوراء فيما يخص تمدد الثورة الإسلامية في الدول العربية و خاصةً في لبنان و العراق و سوريا و اليمن، و هو ما سيمنح واشنطن الفرصة لتأسيس نظام جديد موالٍ لها في طهران يمكنها من الاستمرار في تنفيذ مخططاتها و لكن من خلال التوافق و ليس المواجهة و استنزاف موارد من يعدون أنفسهم حلفاء واشنطن هذه المرة !

و الثاني, وهو الصمت و الاكتفاء بإطلاق التهديدات الجوفاء بالانتقام و إلقاء أمريكا و حلفائها في الجحيم، مما سيفقد نظام الملالي هيبته داخل إيران نفسها و يسرع من وتيرة انهياره تحت وطأة الاحتجاجات و الثورة ضده، و الوصول بالتالي لنفس نتيجة الخيار الأول، و لكن بأيدي الشعب الإيراني و ليس صواريخ توماهوك !

و الأخير، و هو إدراك العقلاء في النظام لحجم المأزق و تجنب هذين الخيارين و الرضوخ للمنطق بما يحفظ ماء وجه النظام ثم القبول بالجلوس إلى مائدة مفاوضات مع الولايات المتحدة يعاد من خلالها رسم طريق جديد لطهران يضمن أولاً مصالح واشنطن و يؤمن بقاء النظام، و لو بشكل هش، و يحول دون انهياره !

في النهاية، لا أوافق من يعتقدون أن العملية مجرد تصرف أخرق من ترامب، بل هي خطوة تم الإعداد لها بشكل في غاية الدقة و منذ زمن ليس بقصير بواسطة العديد من الأجهزة السيادية داخل الإدارة الأمريكية!

لا أدعي إمساكي بخيوط اللعبة، أو إدراكي لكل ما هو خلف الكواليس، و لا أطلب منك عزيزي القارئ أن تتفق معي في كل ما ذهبت إليه في تحليلي هنا، و لكن ما أنا متأكد منه قطعاً، هو النجاح منقطع النظير لعرض فصول المسرحية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي بدأت بخروج الخوميني من باب الطائرة  الجامبو الفرنسية في مطار مهر أباد بالعاصمة طهران عام 1979 ليبدأ رحلة تدمير المنطقة و إعادة تشكيلها من جديد تحت عباءة نشر الثورة الإسلامية، بينما  نبقى نحن العرب دائماً في مقاعد المشاهدين في انتظار مشهد النهاية التي لا يبدو أنها قريبة !