Sunday, June 9, 2019

الممر .. من جديد!

إيهاب الشيمي

قررت منذ يومين أن أشاهد فيلم "الممر" مع العيال و أمهم ..
بالطبع كنت أعرف مقدماً أن الفيلم يتناول تحديداً هزيمة الخامس من يونيو 1967 و ما تلاها من عمليات كانت مقدمة لمرحلة الاستنزاف التي بدأت في عام 1969، و بالتالي كنت مستعداً على المستوى النفسي لمشاهدة ما سيثير الكثير من الألم و الغضب و الحزن في آن واحد..  !

و لكن يبدو أن ذلك الاستعداد و تلك الجاهزية الذهنية لم تكن سوى أكذوبة خدعت بها نفسي لتحملني قدماي إلى داخل قاعة العرض ، فما أن بدأت أحداث صبيحة يوم الخامس من يونيو و توالت مشاهد الضربة الجوية الإسرائيلية على مطاراتنا و قواعدنا و معسكراتنا حتى شعرت بوقع كل قذيفة و  كل رصاصة كأنها تخترق صدري أنا لينتفض جسدي مع دوي انفجار كل منها .
بلغ الأمر ذروته حين ملأ الشاشة ذلك المشهد الذي تتحرك فيه الكاميرا مع القنبلة التي تترك باطن القاذفة الإسرائيلية و تبدأ في السقوط نحو هدفها، الذي يمكنك من مقعدك مشاهدته بعيداً هناك في الأسفل و الذي لم يكن سوى  ذلك الخندق و قد امتلأ عن آخره بالمجندين الباحثين عن النجاة بعد أن ألقت بهم قيادتهم في قلب سيناء دون أن يكملوا يوماً واحداً من التدريب، بل دون أن يتمكنوا من ارتداء ملابسهم العسكرية قبل التوجه لقلب الصحراء !
و بينما كانت القنبلة تتسارع في سقوطها نحوهم كانت دقات قلبي تتسارع بنفس المنوال و كانت يداي تزيدان من تشبثهما بمقعدي و كأنهما تحاولان منعي من السقوط المروع مع تلك القنبلة ..
فجأة .. يتوقف كل شيئ داخل قاعة العرض .. حتى أكاد أقسم أن عقارب الساعة نفسها قد توقفت عن الدوران حين اصطدم الغلاف المعدني اللامع المزين بالنجمة السداسية بحافة الخندق لتنفجر القنبلة الضخمة التي يحتويها و تتطاير معها أجساد و أحلام عشرات الجنود وسط مزيج مزعج من الدم و الدخان و الرمال و الصراخ و الألم!

رغم كل الصخب و الفوضى التي سادت المشهد، إلا أن السكون كان قد فرض سطوته بشدة على كل شيئ داخل قاعة العرض حتى تكاد من شدته أن تسمع دقات قلب من يجلس بالمقعد المجاور لك بينما تتحول الكاميرا  ببطء إلى زاوية بعيدة حيث يقف ذلك الصاري الذي يحمل علم مصر ممزقاً و محترقاً وسط سحابة ضخمة من الدخان الأسود، لأجد نفسي و قد اغرورقت عيناي بالدموع و كأني هناك معهم ممداً على رمال الصحراء غارقاً في دماء الصدمة ! 

نعم .. رغم كل شيئ، يبدو أن استعادة أحداث و تفاصيل تلك اللحظة و ذلك اليوم يثير نفس الألم و نفس الغضب و نفس الحزن في كل مرة، فليس هناك ما هو أكثر إيلاماً من فقد الكرامة و العزة و انكسار الوطن! 

فيما تبقى من الفيلم، و بينما تخرج بك الأحداث رويداً رويداً من رحم المأساة الضيق المظلم إلى رحابة و إشراق الحلم باستعادة الأرض من جديد، راودتني تلك الأحاسيس التي راودتني حين تابعت في نفس قاعة العرض منذ عامين أحداث فيلم "دنكيرك" حيث تمكن كريستوفر نولان من تحويل أكبر كارثة عسكرية في تاريخ الجيش البريطاني إلى عمل فني يضخ المزيد من الدماء في أوردة مشاعر الوطنية و الفخر و الرغبة في الانتصار على كل الأعداء من أجل الوطن !
حين انتهى العرض، لم أجد نفسي إلا و أنا أقف مصفقاً بحرارة لكل من شارك في هذا العمل الذي كما أثار مشاعر الأسى و الغضب، نجح كذلك و بجدارة في إثارة مشاعر الفخر و العزة و الكرامة بكل هؤلاء الأبطال من أبناء هذا الوطن العظيم الذين خرجوا من الهزيمة ليذيقوا العدو نفس مرارتها و ليمنحونا الأمل في عودة تراب الوطن من جديد!

ما أثبته هذا الفيلم هو أن هذا الشعب و برغم كل ما يعانيه من قسوة الظروف و ضيق المعايش و تغول الفساد، إلا أنه حين يتطلب الأمر، فإنه يتحول لقوة جامحة في وجه الأعداء دفاعاً عن الوطن الذي يظن أحياناً تحت وطأة الضغوط أنه لم يعد وطنه، و دفاعاً عن الأرض التي يعتقد في ثورة غضبه أنه يمكنه استبدالها بأخرى أكثر عطفاً و كرماً و أكثر احتراماً و تفهماً لإنسانيته!

و ما تأكدت منه شخصياً بعد مشاهدته، أننا بحاجة للكثير من هذه الأفلام لتكون بدورها بمثابة "الممر" الذي يعبر من خلاله الجيل الحالي من ضيق الشك و عتمة اليأس إلى رحابة الثقة في عظمة هذا الشعب و نور الأمل في مستقبل أفضل.

تحيا مصر و ليبقى دائماً المجد للشهداء.


توضيح هام:
وردني بعد كتابة المقال تساؤلات كثيرة حول ما ذكزته من أن الاستنزاف بدأ في 1969 وليس 1967، و لذلك وجب علي توضيح الآتي:
في أعقاب النكسة بدأت مصر حربها ضد إسرائيل على ثلاثة مراحل، الأولى أطلق عليها اسم «مرحلة الصمود» ثم مرحلة «الدفاع النشط»، ثم تطور القتال إلى مرحلة جديدة أطلق عليها «الاستنزاف»، لتصل الحرب إلى ذروتها في عام 1973.
وكان الهدف من «مرحلة الصمود» سرعة إعادة البناء، ووضع الهيكل الدفاعي عن الضفة الغربية لقناة السويس، واستغرقت هذه المرحلة، من يونيو 1967 إلى أغسطس 1968، أما مرحلة «الدفاع النشط» فقد كان الغرض منها تنشيط الجبهة والاشتباك بالنيران مع القوات الإسرائيلية؛ بغرض تقييد حركة قواتها في الخطوط الأمامية على الضفة الشرقية للقناة، واستغرقت هذه المرحلة المدة من سبتمبر 1968 إلى فبراير 1969.

وتصاعد القتال إلى مرحلة جديدة أطلق عليها «الاستنزاف»، وذلك من خلال عبور بعض القوات، والإغارة على القوات الإسرائيليةداخل تحصيناتها في قلب سيناء، وكان الهدف منها تكبيد إسرائيل أكبر قدر من الخسائر في الأفراد والمعدات و العودة بالأسرى إن أمكن ذلك، واستغرقت هذه المرحلة من مارس 1969 إلى أغسطس 1970.

3 comments:

  1. Very well said Ehab thank you.
    Summarized all the mixed feelings one do have.

    ReplyDelete
  2. اسلوبك راقي وشيق وبيتطور
    استمر ومتخليش حاجه توقفك
    بالتوفيق

    ReplyDelete