Thursday, December 3, 2015

شيخ القرية

 إيهاب الشيمي


كَعَادَتِي كُلَّ صَبَاحٍ، أَيْقَظَتْ حَوَاسِّي وَقْعُ أَقْدَامِ قُرْصِ الشَّمْسِ وَهُوَ يُسْرِعُ الْخُطَى لِكَيْ يَنْزِعَ شُعَاعُهُ رِدَاءَ الظُّلْمَةِ عَنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الْغَنَّاءِ كَاشِفًا بَشَرَتَهَا الْخَضْرَاءَ الْمَخْمَلِيَّةَ الْمُمْتَدَّةَ فَوْقَ جَسَدِ الْوَادِي الْأَسْمَرِ الْخَصِيبِ.

أَكَادُ أُقْسِمُ أَنَّ أَنَامِلِي يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَحَسَّسَ خُيُوطَهُ الذَّهَبِيَّةَ الدَّافِئَةَ الَّتِي تَنْطَلِقُ بِسُرْعَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ لِتَخْتَرِقَ السَّطْحَ الْكُرَوِيَّ الْأَمْلَسَ لِقَطَرَاتِ النَّدَى الْبَلُّورِيَّةِ الَّتِي تَرْقُدُ فِي سُكُونٍ فَوْقَ تِلْكَ الْأَوْرَاقِ الْخَضْرَاءِ لِتَتَلَأْلَأَ كَالْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ.

لَا أَمْلِكُ مِنْ رَوْعَةِ الْمَشْهَدِ إِلَّا أَنْ أَسْتَجِيبَ لِتَوَسُّلَاتِ نَفْسِي لِكَيْ تُفَارِقَ ذَلِكَ الْجَسَدَ الْمَحْدُودَ لِلَحَظَاتٍ لِكَيْ تُحَلِّقَ فَوْقَ ذَلِكَ الْبِسَاطِ الْمَخْمَلِيِّ لِتَرَى مِنْ بَعِيدٍ كَيْفَ تَبَاعَدَتْ قَسَمَاتُ الْبَشَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي الْمُنْتَصَفِ لِتُفْسِحَ الطَّرِيقَ لِلْمَلَايِينِ مِنْ قَطَرَاتِ الْأَمْطَارِ الَّتِي انْسَابَتْ قَادِمَةً مِنَ الْجَنُوبِ فِي هُدُوءٍ مَهِيبٍ لِيَرْوِيَ نَهْرُهَا ظَمَأَ جَسَدِ الْوَادِي الْمُتَعَطِّشِ دَائِمًا لِلْمَزِيدِ مِنْهَا لِيَتَحَدَّى بِهَا مُحَاوَلَاتِ الصَّحْرَاءِ الْمُسْتَمِرَّةَ لِلِانْقِضَاضِ عَلَيْهِ، وَلِكَيْ يَصْبُغَ صُفْرَةَ رِمَالِهَا الْحَارِقَةَ بِأَلْوَانٍ أَكْثَرَ بَهْجَةً وَأَقَلَّ حَرَارَةً وَقَسْوَةً.

وَبَيْنَمَا أَنَا غَارِقٌ فِي الرُّومَانْسِيَّةِ اللَّامُتَنَاهِيَةِ الَّتِي نَشَرَتْهَا تَغْرِيدَاتُ الطُّيُورِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِثْلِي لِاسْتِقْبَالِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِمَوَاكِبِهَا الَّتِي تَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاءِ، تَهَادَى إِلَى مَسَامِعِي أَصْوَاتُ حِوَارٍ خَافِتٍ قَطَعَ سُكُونَ الْمَشْهَدِ الْمَهِيبِ.. نَعَمْ أَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ .. إِنَّهُ هُنَاكَ فِي أَقْصَى الْمَشْهَدِ بِالْقُرْبِ مِنْ حَافَّةِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ تَدُورُ رَحَى مَعْرَكَتِهَا الْأَبَدِيَّةِ مَعَ الصَّحْرَاءِ..

فِي الطَّرِيقِ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، أَسْتَطِيعُ مُشَاهَدَةَ الْعَدِيدِ مِنَ “الْقُصُورِ” الْمُتَنَاثِرَةِ فَوْقَ الْبِسَاطِ الْمَخْمَلِيِّ هُنَا وَهُنَاكَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَجْرَى النَّهْرِ، تُحِيطُ بِهَا مِسَاحَاتٌ مُنَسَّقَةٌ شَاسِعَةٌ تَعْدُو فِيهَا خُيُولٌ أَصِيلَةٌ تَبْدُو مَمْلُوكَةً لِأَصْحَابِهَا، بَيْنَمَا يُمْكِنُنِي بِسُهُولَةٍ تَمْيِيزُ الْعَدِيدِ مِنَ الْأَصْوَاتِ السَّعِيدَةِ لِمَنْ هُمْ بِدَاخِلِهَا، بَلْ وَالِاسْتِمَاعُ إِلَى الْجَلَبَةِ الَّتِي يُحْدِثُهَا لَهْوُ أَطْفَالِهِمْ مِنْ حَوْلِهِمْ حَتَّى كِدْتُ أَنْسَى فِي غَمْرَةِ انْشِغَالِي بِمُتَابَعَةِ كُلِّ ذَلِكَ التَّرَفِ أَنَّ هَدَفِي هُوَ تَتَبُّعُ مَصْدَرِ ذَلِكَ الْحِوَارِ الْخَافِتِ، وَالَّذِي بَدَأَ يُصَاحِبُهُ تَدْرِيجِيًّا صَوْتُ أَنِينٍ مَكْتُومٍ يَتَسَلَّلُ هُوَ الْآخَرُ إِلَى مَسَامِعِي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْ وِجْهَتِي الَّتِي بَدَتْ أَمَامِي هُنَاكَ عَلَى مَرْمَى الْبَصَرِ ..

هَا أَنَا ذَا وَسَطَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ “الْبُيُوتِ” الَّتِي تَكَادُ تَظُنُّ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى أَنَّهَا كُتْلَةٌ وَاحِدَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ شِدَّةِ الْتِصَاقِهَا بِبَعْضِهَا الْبَعْضِ، وَتَنَاهِي صِغَرِهَا حَتَّى تَكَادُ تُوقِنُ أَنَّ قَاطِنِيهَا يَمْتَلِكُونَ أَجْسَادًا أَكْثَرَ نُحُولًا وَأَقَلَّ حَجْمًا مِنْ أَجْسَادِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْطُنُونَ تِلْكَ “الْقُصُورَ” الْعَظِيمَةَ الَّتِي مَرَرْتُ بِهَا تَوًّا ..

هَا هِيَ مُفْرَدَاتُ الْحِوَارِ تَتَّضِحُ شَيْئًا فَشَيْئًا دَاخِلَ أَحَدِ هَذِهِ “الْبُيُوتِ” .. هَا أَنَا ذَا أَقْتَرِبُ أَكْثَرَ لِأَجِدَ أَنَّ مَنْ أَخَذَتْ بِزِمَامِ الْحِوَارِ شَابَّةٌ نَحِيلَةٌ فِي الْعَقْدِ الثَّالِثِ مِنَ الْعُمْرِ تَمْتَلِكُ جَمَالًا هَادِئًا تُدَارِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ هُمُومٌ كَثِيرَةٌ .. هَا هِيَ تَتَحَدَّثُ فَرِحَةً عَنْ نَجَاحِ مَجْهُودَاتِهَا وَزَوْجِهَا وَكُلِّ "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" فِي زِيَادَةِ جَوْدَةِ مَحْصُولِ هَذَا الْعَامِ وَازْدِيَادِ الْعَائِدِ مِنْهُ، بَلْ وَعَنْ إِمْكَانِيَّةِ الْبَدْءِ فِي زِرَاعَةِ مَحَاصِيلَ لَمْ يَأْلَفُوا زِرَاعَتَهَا مِنْ قَبْلُ فِي قَرْيَتِهِمْ، وَلَكِنَّ الْحُزْنَ الشَّدِيدَ يَنْقَضُّ فَجْأَةً عَلَى نَبَرَاتِهَا لِتَبُثَّ شُجُونَهَا لِتِلْكَ "الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ" الَّتِي تَكْبُرُهَا بِنَحْوِ أَرْبَعَةِ عُقُودٍ عَلَى الْأَقَلِّ لِتُحَدِّثَهَا عَنْ عَجْزِهَا وَزَوْجِهَا عَنْ تَوْفِيرِ مَا يَلْزَمُ أَطْفَالَهُمَا مِنْ مَلَابِسَ وَأَغْطِيَةٍ قَبْلَ حُلُولِ الشِّتَاءِ الْقَادِمِ !!

أَصَابَتْنِي بَعْضُ الْحَيْرَةِ مِنْ ذَلِكَ التَّنَاقُضِ فِي حَدِيثِهَا، فَكَيْفَ بِهَا وَزَوْجِهَا أَنْ يَعْجِزَا عَمَّا تَقُولُ، بَيْنَمَا كَانَتْ تَصِفُ مُنْذُ لَحَظَاتٍ وَجِيزَةٍ ازْدِهَارَ الْمَحْصُولِ وَزِيَادَةَ الْعَائِدِ ؟! وَلَمْ تُعْطِ "الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ" لِلدَّهْشَةِ الَّتِي انْتَابَتْنِي الْفُرْصَةَ لِكَيْ تَسْتَشْرِيَ فِي عُرُوقِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَقَدِ الْتَقَطَتْ طَرَفَ الْحَدِيثِ مِنْ جَانِبِهَا لِتَقُولَ لِرَفِيقَتِهَا: وَاللهِ إِنِّي لَأَتَأَلَّمُ لِحَالِكُمْ وَحَالِ كُلِّ "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" يَا بُنَيَّتِي .. ثُمَّ زَفَرَتْ زَفْرَةً طَوِيلَةً كَادَتْ أَنْفَاسُهَا السَّاخِنَةُ أَنْ تَحْرِقَ وَجْهِي لِتُكْمِلَ قَائِلَةً: فِي زَمَانِنَا كَانَتِ "الْقَرْيَةُ" وَثَرَوَاتُهَا مِلْكًا لِلْجَمِيعِ، أَمَّا الْيَوْمَ فَلَقَدْ مَنَحَ "الْكَبِيرُ" ثِقَتَهُ إِلَى "الْحَدَّادِ" وَرِجَالِهِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ "الْقُصُورَ" الْمُتَنَاثِرَةَ عَلَى حَافَّةِ النَّهْرِ مِمَّنْ سَيُعِينُونَهُ عَلَى زِيَادَةِ مَوَارِدِهِ وَاسْتِغْلَالِ كُلِّ بُقْعَةٍ فِي "الْقَرْيَةِ" كَيْفَمَا يَتَرَاءَى لَهُمْ، بَيْنَمَا تَرَكَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ تَتَسَوَّلُونَ الْعَمَلَ لَدَيْهِمْ لِيُلْقُوا لَكُمْ فِي النِّهَايَةِ بِفُتَاتِ مَا يَكْسِبُونَ مِنْ بَيْعِ تِلَالِ الْغِلَالِ وَسَبَائِكِ الْمَعَادِنِ الَّتِي لَمْ يَحْصُلُوا عَلَيْهَا إِلَّا بِبَذْلِكُمْ وَأَوْلَادِكُمُ الْعَرَقَ وَالدَّمَ مِنْ أَجْلِهَا !

كَانَتْ كَلِمَاتُ "الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ" كَافِيَةً لِأَتَبَيَّنَ الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ لِلْحِوَارِ، وَأَتَخَلَّى وَلَوْ بِقَدْرٍ بَسِيطٍ عَنْ تِلْكَ الدَّهْشَةِ الَّتِي تَمَلَّكَتْنِي مِنْ تَنَاقُضِ حَقِيقَةِ ازْدِهَارِ "الْقَرْيَةِ" وَفَشَلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ فِي تَوْفِيرِ احْتِيَاجَاتِ أَبْنَائِهَا، وَلَمْ أَكَدْ أَنْتَهِي مِنْ رَبْطِ خُيُوطِ الْأُمُورِ بِبَعْضِهَا حَتَّى انْتَفَضَتِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ لِتَهْرَعَ إِلَى غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِيَعُودَ صَوْتُ ذَلِكَ الْأَنِينِ لِيَصْطَدِمَ بِأُذُنِي مِنْ جَدِيدٍ .. نَعَمْ، لَقَدْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ قُرْبًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى .. وَأَكْثَرَ وُضُوحًا .. وَأَكْثَرَ إِيلَامًا كَذَلِكَ ..

لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَتَتَبَّعَ خُطُوَاتِهَا إِلَى دَاخِلِ تِلْكَ الْغُرْفَةِ لِأَجِدَ جَسَدًا ضَئِيلًا مُنْهَكًا لِطِفْلٍ لَمْ يَتَعَدَّ أَعْوَامَهُ الْخَمْسَةَ وَقَدِ اسْتَلْقَى عَلَى سَرِيرٍ لَا تَكَادُ أَغْطِيَتُهُ تَسْتُرُهُ، نَاهِيكَ عَنْ أَنْ تَمْنَحَهُ الدِّفْءَ وَالسَّكِينَةَ !

انْدَفَعَتِ الْمَرْأَةُ لِتَحْتَضِنَ ذَلِكَ “الطِّفْلَ” فِي لَهْفَةٍ وَأَلَمٍ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْعَثَ فِي نَفْسِهِ الطُّمَأْنِينَةَ الَّتِي تَفْتَقِدُ هِيَ لَهَا.. هَا هِيَ تَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ فِي رِقَّةٍ وَعُذُوبَةٍ أَنَّ آلَامَهُ تِلْكَ لَنْ تَدُومَ وَأَنَّ الْغَدَ سَيَجْلِبُ لَهُ حَظًّا أَقَلَّ عَثْرَةً .. فِي الْتِفَاتَةٍ مُفَاجِئَةٍ، نَظَرَتْ إِلَى تِلْكَ الْكُومَةِ مِنَ الْمَلَابِسِ الَّتِي اتَّخَذَتْ مَكَانَهَا عَلَى أَرْضِيَّةِ الْغُرْفَةِ الْبَارِدَةِ، وَارْتَدَتْ عَلَى عَجَلٍ ذَلِكَ الثَّوْبَ الْوَحِيدَ اللَّائِقَ لِلْخُرُوجِ بِهِ مِنْهَا، وَحَمَلَتْ طِفْلَهَا مُتَّجِهَةً لِلْبَابِ وَهِيَ تُخْبِرُ الْعَجُوزَ، دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَيْهَا، أَنَّهَا ذَاهِبَةٌ بِطِفْلِهَا إِلَى "شَيْخِ الْقَرْيَةِ" عَسَى أَنْ يَقْرَأَ لَهُ مِنَ "الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ" مَا يُغْنِيهَا عَنْ نَفَقَاتِ الْعِلَاجِ الَّتِي يَطْلُبُهَا "الْحَكِيمُ" فِي مَشْفَى "الْكَبِيرِ".

لَا أَشُكُّ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا أَنَا فَاعِلٌ الْآنَ .. بِالْفِعْلِ انْدَفَعْتُ بِشِدَّةٍ خَلْفَ الشَّابَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ تَبْحَثُ عَنْ غَدٍ أَفْضَلَ لِطِفْلِهَا قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ الْبَابَ وَتَتْرُكَنِي حَبِيسَ ذِكْرَيَاتِ الْمَاضِي مَعَ تِلْكَ الْعَجُوزِ. الطَّرِيقُ لَا يُشْبِهُ ذَلِكَ الَّذِي مَرَرْتُ بِهِ فَوْقَ تِلْكَ "الْقُصُورِ"، فَالدُّرُوبُ أَكْثَرُ ضِيقًا، وَأَصْوَاتُ الضَّحِكَاتِ أَكْثَرُ خُفُوتًا، وَالْأَطْفَالُ أَقَلُّ لَهْوًا، لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ طَوَالَ الطَّرِيقِ تَمْيِيزَ رَائِحَةِ الْغَضَبِ الَّتِي تَفُوحُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَجَدَتْ طَرِيقَهَا إِلَى أُذُنِي عَبْرَ نَوَافِذِ “الْبُيُوتِ” الَّتِي مَرَرْنَا بِهَا وَنَحْنُ فِي طَرِيقِنَا إِلَى " شَيْخِ الْقَرْيَةِ "، فَالْكُلُّ غَيْرُ رَاضٍ عَمَّا آلَتْ إِلَيْهِ أَحْوَالُهُمْ، وَكَيْفَ اسْتَأْثَرَ رِجَالُ "الْحَدَّادِ" بِكُلِّ ثَرْوَةِ "الْقَرْيَةِ" بَيْنَمَا لَا يَجِدُونَ هُمْ مَا يَسُدُّونَ بِهِ جُوعَ أَطْفَالِهِمْ أَوْ مَا يَدْفَعُونَهُ لِمُدَاوَاةِ مَنْ يَمْرَضُ مِنْهُمْ.

حِينَ وَصَلْنَا إِلَى مَقَرِّ " شَيْخِ الْقَرْيَةِ " فَاجَأَتْنِي تِلْكَ الْمِسَاحَةُ الضَّخْمَةُ الَّتِي خَصَّصَهَا "أَهْلُ الْقَرْيَةِ" لِلصَّلَاةِ بَيْنَمَا يَحْشُرُونَ أَجْسَادَهُمْ فِي تِلْكَ "الْبُيُوتِ" الضَّيِّقَةِ، وَإِنْ ظَلَّ الْمَكَانُ عَلَى اتِّسَاعِهِ بَسِيطًا بَلْ وَمُتَوَاضِعًا مُقَارَنَةً بِحَجْمِ صُنْدُوقِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي تَصَدَّرَ مَدْخَلَ الْمَكَانِ !! عَلَى الْبَابِ وَقَفَ ذَلِكَ "الشَّيْخُ" .. رَجُلٌ يَبْلُغُ الثَّمَانِينَ مِنَ الْعُمْرِ، لَا يَلْبَسُ مَا يُمَيِّزُ الشُّيُوخَ مِنَ الْجَلَابِيبِ، بَلْ يَلْبَسُ مِمَّا يَلْبَسُهُ "أَهْلُ الْقَرْيَةِ"، وَلَهُ لِحْيَةٌ خَفِيفَةٌ .. بَادَرَهَا بِقَوْلِهِ: مَرْحَبًا يَا بُنَيَّتِي وَاقْبَلِي عُذْرِي عَنْ خُفُوتِ الْإِضَاءَةِ لِقِلَّةِ عَدَدِ الْقَنَادِيلِ وَنَقْصِ الزَّيْتِ اللَّازِمِ لَهَا بِسَبَبِ قِلَّةِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي اسْتَقْبَلَهَا الصُّنْدُوقُ هَذَا الْعَامَ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ حَدِيثَهُ دَاعِيًا إِيَّاهَا لِلدُّخُولِ لِرُؤْيَةِ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ "الطِّفْلِ".

بَدَأَ " شَيْخُ الْقَرْيَةِ " تَفَحُّصَ “الطِّفْلِ” عِدَّةَ مَرَّاتٍ مُتَقَمِّصًا دَوْرَ الطَّبِيبِ أَكْثَرَ مِنْهُ دَوْرَ الدَّاعِيَةِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ عَلَى صَدْرِ “الطِّفْلِ” وَأَخَذَ يُتَمْتِمُ بِكَلِمَاتٍ لَمْ أَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهَا، وَإِنْ تَوَقَّعْتُ أَنْ تَكُونَ آيَاتٍ مِنَ الذِّكْرِ، وَبَيْنَمَا بَدَأَ صَوْتُ أَنِينِ “الطِّفْلِ” فِي الْخُفُوتِ، عَلَا فِي الْمُقَابِلِ صَوْتُ جَلَبَةٍ يَبْدُو أَنَّهَا أَخَذَتْ طَرِيقَهَا مُقْتَرِبَةً فِي سُرْعَةٍ إِلَى حَيْثُ يَقْطُنُ " شَيْخُ الْقَرْيَةِ "، وَعَلَى عَكْسِ مَا بَدَا عَلَيْهِ مِنْ هُدُوءٍ وَطُمَأْنِينَةٍ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْمَرْأَةَ وَطِفْلَهَا، بَدَأَتْ أَمَارَاتُ التَّوَتُّرِ تَأْخُذُ مَكَانَهَا عَلَى صَفْحَةِ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَنْهَى فِي تَسَرُّعٍ وَاضِحٍ مَا يَتْلُوهُ مِنْ آيَاتٍ لِيَسْتَوْضِحَ حَقِيقَةَ مَا يَحْدُثُ بِالْخَارِجِ.

حِينَ خَرَجْنَا، وَجَدْنَا "أَهْلَ الْقَرْيَةِ" وَقَدْ وَقَفُوا بِالْبَابِ مُتَذَمِّرِينَ مِمَّا يَحْدُثُ لَهُمْ وَمُطَالِبِينَ الشَّيْخَ بِمُسَانَدَتِهِمْ، وَهُنَا صَرَخَ " شَيْخُ الْقَرْيَةِ" فِيهِمْ بِصَرَامَةٍ مُذَكِّرًا إِيَّاهُمْ أَنَّ مَا يَفْعَلُونَ هُوَ خُرُوجٌ عَلَى سُنَّةِ اللهِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ دَرَجَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَالْحَاكِمُ وَالرَّعِيَّةُ، وَأَنَّ "الْكَبِيرَ" وَإِنْ تَخَلَّى عَنْهُ الصَّوَابُ فِي أَشْيَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ مَازَالَ "وَلِيَّ الْأَمْرِ" الَّذِي يَجِبُ لَهُ "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ"، وَيَكْفِي أَنَّهُ قَدْ ضَمَّ " شَيْخَ الْقَرْيَةِ " وَبَعْضَ أَوْلَادِهِ إِلَى قَائِمَةِ "مَجْلِسِ الصَّفْوَةِ" الَّذِي يَضُمُّ "الْحَدَّادَ" أَيْضًا لِكَيْ يَنْقُلَ إِلَى "الْكَبِيرِ" صَوْتَ "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" وَمَطَالِبَهُمْ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعُودُوا لِمَنَازِلِهِمْ وَيُنَحُّوا غَضَبَهُمْ جَانِبًا مِنْ أَجْلِ اسْتِقْرَارِ "الْقَرْيَةِ"، فَاللهُ لَا يُرْضِيهِ أَنْ يَهْلِكَ الزَّرْعُ وَالنَّسْلُ، وَ"الْكَبِيرُ" مَهْمَا حَدَثَ فَسَيَظَلُّ بِمَثَابَةِ الْوَالِدِ لِلْجَمِيعِ!

وَوَسْطَ أُتُونِ الْجَدَلِ الْمُحْتَدِمِ، لَمْ تَجِدِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ بُدًّا مِنْ مُغَادَرَةِ الْمَكَانِ عَائِدَةً إِلَى دَارِهَا قَبْلَ أَنْ يُدَاهِمَهَا اللَّيْلُ .. طَرَقَتِ الْبَابَ لِتَفْتَحَ لَهَا الْعَجُوزُ هَامِسَةً لَهَا أَلَّا تَرْفَعَ صَوْتَهَا حَتَّى لَا يَصْحُوَ زَوْجُهَا الَّذِي عَادَ لِتَوِّهِ مُنْهَكًا مِنْ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ، فَتَدْخُلُ هِيَ الْأُخْرَى لِتُلْقِيَ بِجَسَدِهَا الْمُنْهَكِ بِجَانِبِ طِفْلِهَا عَلَى ذَلِكَ السَّرِيرِ لِتَسْتَغْرِقَ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ، بَيْنَمَا اسْتَغْرَقْتُ أَنَا فِي مُحَاوَلَةِ فَهْمِ لِمَاذَا لَا أَسْتَطِيعُ تَقَبُّلَ " شَيْخِ الْقَرْيَةِ " بِالرَّغْمِ مِنْ ثِقَةِ "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" الْوَاضِحَةِ بِهِ ؟!

مَعَ بُزُوغِ "الْفَجْرِ"، يَنْتَفِضُ كُلُّ مَنْ فِي الْبَيْتِ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْتِ الْهَادِرِ لِوَقْعِ آلَافِ الْأَقْدَامِ الَّتِي تَنْهَبُ الْأَرْضَ فِي خُطًى مُسْرِعَةٍ حَامِلَةً "أَهْلَ الْقَرْيَةِ" إِلَى حَيْثُ بَيْتُ "الْكَبِيرِ" لِإِجْبَارِهِ عَلَى الِانْصِيَاعِ لِمَطَالِبِهِمْ، وَالِاسْتِمَاعِ لِصَوْتِهِمْ، وَمَنْحِهِمُ الْقَدْرَ الْعَادِلَ مِنْ ثَرْوَةِ "الْقَرْيَةِ" الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا لِقَاءَ مَا يَبْذُلُونَهُ مِنْ جُهْدٍ وَعَرَقٍ .. وَبَيْنَمَا خَرَجْتُ لِأَتَتَبَّعَ خُطَاهُمْ، اسْتَوْقَفَنِي ذَلِكَ التَّنَاقُضُ الْغَرِيبُ الَّذِي لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ فَحْوَاهُ، فَلَقَدْ وَقَفَ " شَيْخُ الْقَرْيَةِ " لِيُعْلِنَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَمَامَ الْجَمِيعِ أَنَّهُ عَلَى مَوْقِفِهِ مِنْ أَنَّهُ لَنْ يَنْضَمَّ إِلَى "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" فِي التَّوَجُّهِ لِبَيْتِ "الْكَبِيرِ"، بَيْنَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُلَاحِظَهُ وَهُوَ يَنْحَنِي لِيَقُولَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لِبَعْضِ أَتْبَاعِهِ أَنَّهُ لَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ الِانْضِمَامَ مِنْهُمْ إِلَى "أَهْلِ الْقَرْيَةِ"، عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ !

فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَ جَسَدِي مَازَالَ قَابِعًا هُنَاكَ مُنْتَظِرًا نَفْسِي لِكَيْ تَعُودَ إِلَيْهِ لِكَيْ يَسْتَقْبِلَا مَعًا قُرْصَ الشَّمْسِ مِنْ جَدِيدٍ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ، فَلَقَدْ وَقَفَتْ هُنَاكَ فِي الْأَعْلَى تُرَاقِبُ "الْقَرْيَةَ" الَّتِي طَالَمَا عَشِقْتُهَا وَقَدْ عَزَلَ أَهْلُهَا "الْكَبِيرَ" الَّذِي طَالَمَا صَمَّ أُذُنَيْهِ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لَهُمْ، وَتُشَاهِدُ "الْحَدَّادَ" وَرِجَالَ "مَجْلِسِ الصَّفْوَةِ" وَ"أَهْلُ الْقَرْيَةِ" يَقْتَادُونَهُمْ إِلَى "الْحِصْنِ" حَيْثُ سَيَتِمُّ احْتِجَازُهُمْ لِحِينِ الْبَتِّ فِي أَمْرِهِمْ.

لَكِنَّ الْمَشْهَدَ الْأَشَدَّ جَذْبًا لِلِانْتِبَاهِ، كَانَ مَشْهَدَ تِلْكَ الرَّبْوَةِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ "الْقَرْيَةَ" وَالَّتِي يَقِفُ عَلَيْهَا رَجُلٌ لَمْ أَسْتَطِعْ تَبَيُّنَ مَلَامِحِهِ مِنْ مَوْقِعِي وَهُوَ يَخْطُبُ فِي النَّاسِ قَائِلًا: إِنَّ مَا حَدَثَ كَانَ أَمْرًا مَحْتُومًا، فَاللهُ "يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ"، وَ"الْكَبِيرُ" وَ"الْحَدَّادُ" وَ"مَجْلِسُ الصَّفْوَةِ" عَلَوْا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ السُّكُوتُ عَلَيْهِمْ إِثْمًا، وَأَصْبَحَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَاجِبًا، وَأَنَّهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَنْصُرَ "أَهْلَ الْقَرْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ"، وَأَنَّهُ سَيَعْمَلُ قَدْرَ جُهْدِهِ لِكَيْ يُنْفِقَ "مَا آتَاهُ اللهُ" لِيَنْشُرَ "الْحُرِّيَّةَ وَالْعَدَالَةَ" فِي رُبُوعِ "الْقَرْيَةِ".

اقْتَرَبْتُ أَكْثَرَ مِنَ الرَّبْوَةِ لِأَتَبَيَّنَ مَلَامِحَ الرَّجُلِ، فَطَوَالَ مُكُوثِي بَيْنَ "أَهْلِ الْقَرْيَةِ" لَا أَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ تَبَنَّى مَطَالِبَهُمْ لِكَيْ يَجْرُؤَ أَحَدُهُمُ الْآنَ وَيَعْتَلِيَ مِنَصَّةَ خَطَابَتِهِمْ وَيَمْنَحَ نَفْسَهُ حَقَّ قِيَادَتِهِمْ !!

هَا أَنَا ذَا أَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ .. 

هَا هِيَ مَلَامِحُهُ تَتَّضِحُ شَيْئًا فَشَيْئًا .. 

رَجُلٌ يَبْلُغُ الثَّمَانِينَ مِنَ الْعُمْرِ، يَلْبَسُ مِمَّا يَلْبَسُهُ "أَهْلُ الْقَرْيَةِ"، وَلَهُ لِحْيَةٌ خَفِيفَةٌ .. 

نَعَمْ إِنَّهُ هُوَ .. 

مَنْ لَمْ أَقْتَنِعْ بِصَلَاحِهِ مِنَ الْبِدَايَةِ رَغْمَ ثِقَةِ الْجَمِيعِ ..

إِنَّهُ "شَيْخُ الْقَرْيَةِ" !


No comments:

Post a Comment