Sunday, March 20, 2016

أمي

 
رابط المقال في روزاليوسف  

إ .. ي .. هـ .. ا .. ب

نعم .. لقد فعلتها .. لقد فعلتها .. لقد كتبت اسمي بذلك الجهاز العجيب ..
هل يمكنني أن أعمل معكم؟

هل يمكنني ؟

هل ؟ .. هل؟

.. مشهد لا يمكن أن أنساه يوم أن اصطحبتني و أنا في الخامسة من العمر معها إلى عملها بديوان عام وزارة المالية حيث كان من المفترض أن نذهب لزيارة جدتي بعد انتهاء العمل، و لكن ما يثير السخرية هنا هو أنني بعد أن ملأت الدنيا صراخاً مطالباً بحقي في العمل بعد إنجازي الضخم، كنت أنا أيضاً من أجبت على نفسي بعد لحظات قليلة حين ترك الجميع ما بيده ليبحثوا عني، ليجدوني في النهاية مختبئاً تحت أحد المكاتب خشية أن يراني "ذلك الرجل  الذي رأيته يقترب من بعيد بصوت عال أجش ليختفي من امامه كل الموظفين و كأنه وحش يهابه الجميع.

حين وجدوني لم يستطيعوا سماع شئ سوى أنني لم أعد أريد العمل هنا لينفجر الجميع في الضحك وسط  توسلاتي لها بأن نأخذ معنا ذلك الجهاز العجيب الذي لم يكن سوى "الآلة الكاتبة" و أن نرحل فوراً قبل أن "يقبض علينا" هذا الرجل الذي لم يكن سوى "السيد وكيل الوزارة" !

أتذكر أيضاً مشهداً آخر .. حين غضبت منها لأني شعرت أنها لم تعد تحبني، و لم تعد تريد اصطحابي معها إلى عملها، و كيف قررت هي في ذلك الصيف أن تصطحبني إلى ذلك المكان الغريب الذي يحاول فيه مجموعة من الغرباء ملاطفتي لأتخلى عن رهبتي و جزعي لأقبل أن تتركني وحيداً معهم !!  و كيف انقلب كل ذلك بعد اسابيع قليلة .. لأشعر كيف تحبني هي أكثر مما أتصور ، فهؤلاء الغرباء هم من علموني العزف على البيانو في المسرح الكبير الملحق بذلك المكان، و هم من علموني مبادئ الاعتماد على النفس في فريق أشبال الكشافة بحديقته، و هم من جعلوني أمسك بأول شئ صنعته في حياتي حين خرجت تلك الكتلة التي صنعتها من الصلصال من الفرن الموجود بغرفة النحت ليملأني الانبهار حينها بإمكانياتي الكامنة، و لأملأ رأسها صداعاً بضرورة وضع تلك التحفة الفنية في المنزل ليراها الجميع، و ألا نتركها في ذلك المكان الذي كانت تعلوه لافتة كتب عليها "مركز ثقافة الطفل بجاردن سيتي"

أتذكر كيف كانت تزيد من وقت رحلة عوتها من العمل إلى المنزل لكي يمكنها المرور على إحدى المكتبات التابعة لهيئة الكتاب بميدان الجيزة لترى ما تم إصداره من جديد يمكنها شراؤه لي لكي أقرأه أثناء وجودي بالمنزل في إجازة الصيف، و كيف كانت إصدارات الهيئة من مجلات أسبوعية و موسوعات علمية و قصص للأطفال يعلوها ذلك الشعار الذي كتب عليه "مصر أم الدنيا" لتترسخ تلك المقولة في ذهني حتى الآن.

أتذكر كيف أنني خلال سنوات قليلة، و بعد أن تعديت الثانية عشر من العمر بعدة اشهر، قررت أن أتغلب على مخاوفي، و أن أواجه والدي برغبتي الشديدة في امتلاك أحد أجهزة الكمبيوتر الشخصي التي ظهرت مؤخراً في الأسواق. و لم يكن خوفي حينها نابعاً من أن ما أطلبه غير جائز، بل لعلمي أن تلك الأجهزة غالية الثمن، و أن الرجل ربما لديه من الأمور التي يتطلبها البيت ما يفوق رغبتي تلك.
و لم أجد بديلاً عن مواجهة الرجل، سوى اللجوء إليها لتقنعه بأهمية ما أطلب، و أتذكر كيف أقنعته هي أن ذلك سيزيد من توسيع مداركي، و يطور من قدراتي على اكتساب المعلومة، و التفكير بطريقة منطقية، ، لأحصل في النهاية على ما أردت، و ليصبح الكمبيوتر منذ ذلك الحين رفيقاً لا أتخلى عنه، و ليصبح تفكيري كما أرادت هي، و ليترسخ في عقلي بفضلها حقيقة أن الوعي و تنمية الإدراك، و بناء أسس التفكير المنطقي قد تكون في أحيان كثيرة أهم من اشياء أخرى يضعها الكثيرون في مرتبة أعلى في سلم اهتماماتهم حين يتعلق الأمر بتربية أبنائهم.

غير أن أكثر ما أتذكره و بوضوح، هو كيف أنها أرادت و بشدة أن ألبي لها طلبها حين تعلق الأمر بالاختيار بين طريق كلية الطب أو طريق كلية الهندسة، و كيف أنها لا تريد من الدنيا سوى أن ترى أحد أبنائها طبيباً ! و لم تكن تلك للأسف رغبتي، فلطالما انشغلت منذ صغري بالرسم و بناء النماذج من المكعبات الخشبية و البلاستيكية، و تفكيك الألعاب التي أحصل عليها و تعديل تروسها و دوائرها الكهربية، و لا أستطيع تخيل شئ آخر غير التحاقي بكلية الهندسة، و لم أجد كعادتي بديلاً من سند لي في مواجهة ذلك إلا اللجوء لحليفي الدائم حين يتعلق الأمر بطلب المساندة .. إليها هي .. لتكون حليفي و خصمي في الوقت ذاته !

و لم تخذلني كعادتها .. فكما تفهمت أنا رغبتها، تفهمت هي حبي الشديد لها و كيف أنه لا يتعارض مع قراري بأن أخذل حلمها، و بنفس القدر من رغبتها في أن أحقق رغبتها، كان قدر دعمها لي في المسلك الذي اخترته لنفسي لتزرع في وجداني قيم حرية التعبير و احترام الآخر، و ثقافة الاختلاف، و الوقوف صفاً واحداً حتى مع من نختلف معهم حين يكون الهدف هو مصلحة الجميع.

إن الشخص الذي تقرأون كلماته الآن، لم يكن ليصل إلى ما هو عليه الآن، لولا كل تلك التفاصيل الصغيرة التي رسمتها هي بدقة متناهية منذ نعومة أظافري.

نعم ..  قد لا أكون في نظرها الأفضل في التعبير عما أحمله لها من حب و عشق و تقدير مقارنة بآخرين من "الكلامنجية" ، و قد لا أكون الأكثر تخصيصاً للوقت الذي أقضيه بجوارها مقارنة بآخرين ممن يسمح لهم وقتهم بذلك، و لكنني بالتأكيد الأعظم عشقاً لها، و الأعمق إدراكاً بفضلها، و الأكثر اعترافاً بنعمة الله أن وهبني تلك السيدة العظيمة التي حين أبحث عن الكلمات لأصف حبي لها فلا أجد ما يكفيها  ..

يكفيني من الكلمات كلمة .. أمي



Friday, March 11, 2016

عفواً سيادة الرئيس .. !

إيهاب الشيمي

 عفواً سيادة الرئيس ..
إما أنك تدرك أن اختيارك للقيادة كان قراراً من الشعب، تطلبته أهداف قصيرة الأجل و ضرورات مرحلية على رأسها حفظ وحدة التراب الوطني و الإبقاء على الحد الأدنى اللازم من سيادة الدولة التي تآكلت بفعل ثلاثة عقود من الفساد و هو ما أكدته أنت بلسانك منذ أسابيع قليلة ..

أو أنك ترى في نفسك القيادة التاريخية التي طالما انتظرها الشعب و التي يمكن من خلالها تحقيق الرخاء الذي يتطلع إليه كل المصريين من أجل مستقبل أفضل لأبنائهم !

و لا اظنك ستختلف معي في أن الخيار الأول يوجب عليك فقط التركيز على محاربة الإرهاب، و تطوير قدرات القوات المسلحة، و إعادة هيكلة منظومة العلاقات الخارجية خلال الفترة الرئاسية المتاحة طبقاً للدستور، و دون الحاجة لتذكيرنا كلما سنحت الفرصة لذلك بكل تلك الجهود الخارقة لبناء عاصمة جديدة و ازدواج المجرى الملاحي للقناة و الهرولة لزراعة مليون و نصف المليون فدان، و هي أمور لا علاقة لها بذلك الخيار و أهدافه، بل و لم يقم الشعب بثورتين و هي على قائمة مطالبه من الأساس !

أما الخيار الثاني، لو أردت أن يكون ذاك هو ما تريد، فيتطلب منك بالإضافة لكل تلك الجهود ما هو أصعب منها بكثير .. !
فهو يتطلب قراراً صعباً بضرورة القضاء على كل علاقة لمؤسسات الدولة و الرئاسة بنظام مبارك بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. و ذلك لا بد ان يشمل الوجوه التي سئمها الجميع ، و العقليات المهترئة التي لا يمكنها الخروج من حقبة القرن الماضي، و الاستراتيجيات الاقتصادية العقيمة التي لا تعتمد في تنمية الموارد سوى على النظرة الاستعلائية للحكومة تجاه الشعب و محدودي الدخل و العودة لمنطق أمراء المماليك بتنمية الموارد عن طريق فرض المزيد من الضرائب و الاستمرار في زيادة الرسوم يوماً تلو الآخر دون طرح رؤية حقيقية للحلول ..

رؤية لتنمية الصناعة بشكل حقيقي عن طريق دعم استيراد المعدات اللازمة و العمل على تكوين خريطة كاملة لكيفية استغلال و استخراج الخامات اللازمة لها و استيراد ما لا يتوافر منها فقط، و خلق شبكات الطرق و الطاقة الجديدة بالشكل الذي يدعم هذه الصناعات، و تصنيف الصناعات الواجب دعمها طبقاً لأهميتها للاقتصاد الوطني و إمكانية تكاملها مع صناعات و أنشطة أخرى لخلق فرص عمل اشمل و أوسع، و ليس فقط قصر الدعم على منح المزيد من الإعفاءات الضريبية و خفض رسوم الوقود و الطاقة التي لا تصب في النهاية سوى في خانة أرباح أباطرة الصناعة فقط ..

رؤية لتنمية الصادرات ، و جذب الاستثمارات لتنمية الاحتياطيات الحقيقية و الفاعلة للنقد الأجنبي، و ليس تلك الاموال الساخنة التي تعتمد فقط على سعر الفائدة المرتفع، و ضبط سعر الصرف بصورة هيكلية تضمن مصلحة المستثمر و الدولة في آن واحد، و ليس فقط عن طريق العمل على تقييد التعامل في النقد الأجنبي و تقييد الواردات و تقييد قدرة المستثمر على الاستفادة من أرباحه و تحويلها للخارج كما حدث طوال العامين الماضيين مما أدى في النهاية لانهيار الاحتياطي إلى ما يقارب النصف تقريباً وصولاً إلى إلغاء هذه القرارات و لكن بعد فوات الكثير من الوقت الذي كان من الممكن تداركه ..

رؤية للاستفادة من الموارد السياحية الطبيعية و الأثرية تشمل تغيير عقلية القائمين على قطاع السياحة أنفسهم بدءاً من القمة حيث يقبع رؤساء هيئات تنمية و تنشيط السياحة و نزولاً إلى أصغر حارس على مقبرة وسط الصحراء، و مروراً بأولئك الذين كسروا ذقن توت المسكين و أعادوا لصقها بالغراء في المتحف المصري، بل و تمتد لتغيير نظرة العاملين بقطاع السياحة و الشعب نفسه للسائحين كسفراء لنا حين عودتهم لديارهم، و ليس كنعاج يجب أن نجتز آخر شعرة صوف من على أجسادهم قبل أن يمكنهم المغادرة ..

رؤية لتغيير العقيدة الأمنية لدى أجهزة الشرطة التي ظهر جلياً مؤخرا أنها تحتاج للكثير من التقويم، و تغيير أساليب التدريب ليمكنهم حماية أنفسهم أولاً قبل أن يستطيعوا حمايتنا بدلاً من كل تلك العشوائية في تأمين التمركزات الثابتة و المتحركة، و التي لم تصل بهم سوى لتقديم المزيد من الضحايا بسبب تكرار نفس الأخطاء و الخوف من طرح أفكار جديدة على قيادات أكل عليها الدهر و شرب، أو بسبب ما أخشاه بصورة اكبر، و هو غياب الأفكار كلية عن أذهان الجميع من الأساس ..

رؤية لكيفية استغلال الموارد المحدودة المتاحة حالياً للتخفيف من وطأة الضغوط الاقتصادية الملقاة على كاهل السواد الأعظم من الشعب الذي تمثله الطبقة الفقيرة و المتوسطة قبل أن ينفجرا من جديد في غمرة الانشغال بالمشاريع الضخمة و الأحلام الكبرى، و هو الانفجار الذي أشك أن سيكون له خطوط حمراء في هذه المرة ..

و قبل ذلك كله .. رؤية لتطوير آليات و أساليب القيادة نفسها، آليات تحكمها خطوط عريضة لمعايير تقبل النقد بعيداً عن مشاعر الغضب أو الذاتية، و تحدد معايير السعي لطلب النصيحة من أولي الخبرة و الكفاءة، و تضع قواعد الحالات التي يجب فيها الاعتراف بالخطأ حين يتطلب الأمر ذلك لضمان الشفافية الكاملة، تلك الآليات و القواعد التي لا بد من إرسائها بدلاً من اللجوء دوماً لادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة و فساد كل رأي يخالف رأي القيادة، و هو ما لن يفلح سوى في إعادتنا لمرحلة ما قبل الثورة التي تؤكد أنت يا سيادة الرئيس أنها كانت حتمية، و أنها من جاءت بك من بين صفوف الشعب لتكون عوناً له على تحقيق مطالبه !

للأسف .. فكما أطالبك بإشراكنا جميعاً في كل قرار يتعلق بمستقبل هذا الوطن، فلن أستطيع أن أفعل ذلك هنا .. فالقرار هنا لن يأخذه سواك ..

عليك أنت فقط أن تختار أي نوع من القادة ما تفضل أن تكون عليه !

Saturday, March 5, 2016

المؤامرات المتحدة الأمريكية !

إيهاب الشيمي

خلال الشهور الماضية استطاعت الولايات المتحدة إقناع السعودية بالانضمام للتحالف الدولي ضد داعش في سوريا، و أعلنتها الحليف الرئيسي في الحرب على الإرهاب في المنطقة، كما وفرت الدعم للعملية العسكرية السعودية في اليمن و إن اقتصر ذلك كما هو معلوم على الجانب السياسي فقط دون دعم عسكري ملموس.

كما أفلحت كذلك في إقناعها بزيادة الانتاج النفطي و إغراق الأسواق بالخام لخفض الأسعار و بالتالي تدمير اقتصاد العدوين المشتركين .. إيران و روسيا.

عدة مشاهد قد يظن من يراها للوهلة الأولى أنها استمرار للتحالف الاستراتيجي التاريخي بين البلدين كما يجب أن يكون، ضد الأعداء التقليديين، أو من هم المفترض بهم أن يكونوا كذلك  !

 و لكن، هناك دائما ما هو خلف الكواليس ..

لاحقاً ، رفعت واشنطن العقوبات عن طهران و منحتها حق استكمال برنامجها النووي بدعوى سلميته و إحكام الرقابة عليه، كما  نسقت مع موسكو لبدء المفاوضات السياسية بين الفرقاء السوريين بما فيهم وفد الأسد، الذي تعلن من جهة أخرى و في تناقض واضح عن طريق البنتاجون أنه من الأفضل التدخل برياً بقيادة السعودية  لإزاحته عسكرياً بحجة إنقاذ الشعب السوري، في محاولة واضحة لإنهاك القوة السعودية على أكثر من جبهة شمالاً و جنوباً !

و كدليل على ما كان مخططاً خلف الكواليس، فاليوم .. يرتفع مخزون النفط الخام الأمريكي بصورة غير مسبوقة نتيجة انخفاض أسعار الخام المستورد، بينما تسجل الموازنة السعودية في المقابل عجزاً قيمته 100 مليار دولار، و تسعى الرياض لاقتراض 10 مليارات دولار من العديد من المصارف في الخارج للمرة الأولى في تاريخها، و تتوقف بالتبعية و بسبب الضغوط المالية عن دعم لبنان ضد التمدد الإيراني هناك.

أما على الجانب الآخر، فإن طهران تتوقع نمو اقتصادها في العام القادم  بنسبة 10 بالمائة لتتمكن من بسط المزيد من النفوذ في العراق و لبنان و سوريا، و تستطيع منح قبلة الحياة من جديد لحلفائها الحوثيين و تابعهم صالح  في اليمن، و ما زاد الطين بلة، هو اضطرار الرياض لتثبيت مستويات الانتاج النفطي عند حدود شهر يناير و هو ما سيؤدي لرفع الأسعار أو على الأقل وقف انهيارها، و لكن لصالح طهران هذه المرة، بعد أن تم السماح لها أخيراً بتصدير النفط ضمن قرار وقف العقوبات    !

و مما يزيل المزيد من حوائط الشك و الريبة أن الولايات المتحدة بدأت فعلياً في فك ارتباطها بالرياض هو ما أثاره أعضاء بالكونجرس في تزامن مريب مع شبكة سي إن إن الإخبارية المقربة من دوائر الحزب الديمقراطي الحاكم، و التي تدور جميعاً في فلك اتهام العائلة المالكة السعودية رسمياً بالضلوع في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بناءاً على معلومات وفرها زكريا موسوي عضو تنظيم القاعدة المقرب من بن لادن و الذي أكد في اعترافاته أن من بين الممولين للمجموعات التي قامت بتدريب الطيارين الذين قاموا بالهجمات في ألمانيا و الولايات المتحدة أمراء سعوديين و ذكر من بينهم تركي الفيصل و بندر بن سلطان !

و بالرغم من تصريح شبكة سي إن إن الإخبارية أنها لا تؤكد صحة هذه المعلومات، إلا أنها قامت بإعادة نشرها هذه الأيام بعد أن نشرتها للمرة الأولى في فبراير 2015 ، و هو ما تلقفه في تنسيق واضح نواب و أعضاء مجلس شيوخ سابقين لدعم إصدار قانون يتيح مقاضاة السعودية و تجميد أصولها في الولايات المتحدة التي تقترب من تريليون دولار أسوة بما فعلته أمريكا لتدمير الاقتصاد الإيراني طوال السنوات الماضية، و هو ما أراه سيحدث في المستقبل القريب برغم تعهدات البيت الأبيض باستخدام الفيتو ضده !

و يبقى السؤال، هل هناك من يقرأ المشهد؟!

هل هناك من يستطيع أن يرى كيف بدأوا بفلسطين، ثم لبنان، ثم العراق، ثم السودان، ثم سوريا، ثم ليبيا، و كيف حاولوا و مازالوا يحاولون في مصر و تونس ؟!

هل هناك من مازال يشك أن واشنطن تسعى لفصل الرياض عن محيطها العربي و ربطها فقط بتحالفات أوروبية و تركية خاضعة لهيمنتها، و هو ما يمكن قراءته بين سطور طلب الرياض تأجيل التوقيع على بروتوكول القوة العربية المشتركة التي كانت ستوفر غطاءاً عربياً قوياً بدلاً من أن تزج بقواتها منفردة على كل الجبهات، بل و طلبها أيضاً تأجيل القمة العربية الدورية في الرباط ثم إلغائها منذ أسابيع قليلة !

هل مازال هناك من يدرك أن السعودية و مصر هما كفتا ميزان استقرار المنطقة و بقاء العرب كقوة فاعلة، إحداهما بثقلها الاقتصادي و الديني، و الأخرى بثقلها البشري و العسكري ؟

هل هناك من مازال غافلاً عن أنهم يريدون أن تكون السعودية هي  الضحية التالية ، لينهار ذلك التوازن الدقيق، ويتمكنوا من رسم "حدود الدم" لننسى جميعا ًكل تلك الخرائط التي تحدد ما اعتدنا على تسميته بالوطن العربي ؟

هل ستظل حكوماتنا تأتي إلى كراسي السلطة لكي تبدأ كل شئ من جديد دون استكمال ما بدأه أسلافها، و دون التعلم من اخطاء الماضي، لتستمر في ابتلاع الطعم ذاته في كل مرة ؟!

ألا تستطيع هذه الحكومات أن تدرك كم هي محبكة و مستمرة و مترابطة .. تلك المؤامرات المتحدة الأمريكية ؟

Saturday, February 27, 2016

Al Sisi .. Confidence and Doubts !

“ The good people of Egypt have suffered and have not found any response to their woes and troubles, and this casts a moral obligation on the armed forces to answer the demands of that people who will do anything if shown the proper amount of attention and support.”

Those were the words of the Egyptian Defense Minister Abdel Fattah Al-Sisi’s to the Egyptian people on the first of July 2013 in an official statement delivered by the military spokesman through the Egyptian Mainstream Media and Newspapers.

Although it was an official Military Statement, Those words emotionally moved a lot within the conscience of millions of Egyptians who have lost confidence in their leadership, and all those who claimed to work for them. A confidence that these words dramatically and rapidly restored to an extent where those millions rushed into the streets of the major cities to declared their support for the man, and their willingness to walk the hard path and overthrow the regime of the Muslim Brotherhood and Mohamed Morsi.

In a strong continuation of the people’s decision to maintain their confidence in Al-sisi, they delegated him the full authority and power to fight terrorism in Sinai Peninsula Desert and to restore civil peace in the urban areas that were disturbed by Militant Groups violence and criminal acts. They also selected him as their new elected president in June 2014 with more than 95% of the total votes. In that context,  they surprisingly and in a completely unprecedented event,  bought all the Initial Public Offering stock certificates to sponsor his proposed Suez Canal Project, reaching a total amount of 60 Billion Egyptian pounds ( c10 Billion US$) in less than a week.

It is beyond all doubts that in the later months, the man spared no time or effort in hand to take advantage of that momentum to start building the foundations of the economic renaissance of Egypt.

In his quest to bring more and fresh blood into the arteries of the Egyptian Trade and Industrial Sector, he made rapid actions towards the completion of the project of the Suez Canal Axis, launched fast track projects to increase the efficiency of the national roads and transportation network, and started the huge transformation of the national power network through shifting to nuclear power stations and unconventional solar and wind power projects.

To find the necessary and vital funds and expertise to execute these ambitious projects, the man smartly took the initiative to invite all the concerned governments and international industrial giants to participate in Egypt Economic Development Conference in Sharm El-Sheikh, A forum that did not only widely open new horizons for the economic future of Egypt, but also granted the international political recognition for the new regime.

However, it seems that this story-line kept a couple of bad and nasty scenes for us!

Although the man made it crystal clear that he has no due payments for any party inside or outside Egypt except for the people,  and that he will give all the authority and the power for the young and new generation who made two revolutions against suppression and fascism , it is quite notable that he still maintains considerable recognition and appreciation towards those who worked with him during Mubarak’s Era, and those who provided him with political and mass media support against the Muslim Brotherhood regime afterwards.

As an expression of that recognition, the man granted the right of decision-making and strategic planning for those old fellows.  Being part of the old regime and with obsolete thoughts inside mummified brains, those fellows were nothing but a heavy burden. A fact that ultimately obliged the man to perform all the roles of the play at the very same time, a president, a prime minister, and a chief of diplomacy!

The Young Generation presence was limited to pretty girls “selfies” with the president!

One of the man’s greatest slips, in my opinion, was his approach to create a unified internal front against terrorism and alleged conspiracies through reducing the gaps between Egyptian political rivals and ideologies. An approach that, intentionally or not, ignored the significant and vital difference between “Unity” and “Unilateralism”!

Following the man’s vision and approach, a former Military Intelligence officer and a newly elected member of the Egyptian (One Chamber) Parliament, declared a united front inside the parliament.  Out of the 568 members of the parliament, that person claimed that he managed to recruit 400 members for “ Egypt’s Support Coalition”, a coalition that was intended to support an “ Egyptian Modern State “, without providing any reference to the type and mechanism of that support, or a proper definition of that “ State” !

To emphasize the alignment of that coalition with Al-Sisi’s vision, the coalition members signed a document confirming abandonment of their party affiliation, ideological beliefs, and political positions!  The positions that they were voted for, and elected upon !

Most of the Egyptians, and many of the political parties could not interpret such an action as nothing but an unmistakable attempt to unify voices and restore the fascism of Hosni Mubarak’s National Democratic Party (NDP), which was dissolved after the 25 January 2011 revolution.

My belief is that these two scenes were the major factors that undermined and strongly weakened the trust between Al-Sisi and the Egyptians, a fact that is slowly and steadily emerging in Egypt.

Overwhelmed by plotting long-term plans to fulfill the requirements of the long awaited Egyptian Renaissance, and working on defining what is good for all Egyptians in a twenty years’ time, the man was too busy to notice how his government failed to achieve the minimum acceptable level of life quality in terms of average income, quality of public schools education, efficiency of health services, and the most important of all, the behavior of the security forces at both of personal and structural levels.

It is no secret that it would only cost you the fees of a taxi ride around Cairo, or a short trip in its underground to listen to Egyptian chats about their suffering of the high rates of public transportation cost, the continuous increase in electricity and domestic water monthly bills, the lack of the essential subsidized cheap food supplies at the governmental outlets, the lack of a proper public education services, the inefficiency of the public health and medical services, and the increasing number of police and security forces violations and brutality against civilians.

These could be easily added to the more complex concerns of the Egyptian economic experts about the conflict between the very recent Central Bank of Egypt’s regulations and procedures, and Al-Sisi’s continuous efforts to attract foreign investments, and create a regional industrial and commercial hub. Those procedures that prevent the investors to transfer their profits outside the country, and ironically apply the very same rules for those who import heavy industrial production machines and those who import ornamental fish aquariums!

However, and like many others who believe in the man’s patriotism and love for Egypt, I still have enough confidence in Al-Sisi’s ability to guide Egypt out of the dark tunnel. But this requires me to remind him that the future will not be built by a parliament that is dominated by a single vision, and that supports a traditional and obsolete government that waits for instructions, and anticipates reward in return!

The Future will only show up in a country where the parliament is truly representing the people, truly reflecting the diversity of cultures and beliefs of this great nation, and powerfully granting the vote of confidence for an eligible government.

A government that is capable of making and applying long-term sustainable development plans ..

A government that can wisely utilize the limited Foreign-Exchange Reserves to develop the unlimited human and natural resources of Egypt ..

A government that is run by people of Science, Modern Knowledge, Experience, Future Vision, and Ability to Make Decisions ..

A government that applies the Law without exceptions, and respects the values of Freedom, Social Justice, and Civil rights ..

A government that prepares and enhances the appropriate atmosphere required to create and develop political and social entities, and that accepts criticism and disagreement..

A government that is fully aware of the inevitability of developing and implementing strict and effective actions against monopolies, domination of national resources, and corruption..

A government that does not tickle the dreams of the people with cheerful and deceiving front-page headlines, but rather sets Specific, Measurable, Achievable, and Realistic objectives that people can feel their impacts within a proper and acceptable period of Time ..

When the man assigns such a government to help him fulfill his promises to the people, and when he realizes that only roman gods are meant to control everything by themselves, he will be in a better position to work with less pressures and more control over his anger and rage against those who criticize his performance.

Only then, he will be able to regain the full trust and confidence of the Egyptian people, the trust that I am sure is not completely lost, but definitely and seriously damaged.

Thursday, February 25, 2016

الثقة .. بين التفويض و التقويض

 إيهاب الشيمي

" لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه .. هذا الشعب الأبى الذى برهن على إستعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفانى من أجله  "

كانت هذه هي كلمات وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي للشعب المصري في الأول من يوليو 2013، و التي ألقاها المتحدث العسكري للقوات المسلحة في بيان رسمي عبر وسائل الإعلام المرئي و المسموع و المقروء.

تلك الكلمات التي حركت الكثير داخل وجدان الملايين من أبناء الشعب الذين فقدوا الثقة في في كل من يتولى زمام الأمور، و كل من يدعي العمل من أجلهم، و كل من يدعي الحديث بلسان حالهم،  فأعادتها لهم من جديد في شخص الرجل و دفعت بعشرات الملايين منهم إلى كل شوارع و طرقات مصر معلنة تأييدهم له و الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين و محمد مرسي ممثلها في قصر الاتحادية !

و لا يستطيع أحد أن ينكر استمرار الشعب بعد ذلك في الإبقاء على ثقته في الرجل حين منحه تفويضاً يشمل كافة الصلاحيات لمحاربة الإرهاب، ثم انتخابه رئيساً للبلاد في يونيو 2014، ثم في شراء كل أسهم الاكتتاب العام لمشروع قناة السويس بقيمة 60 مليار جنيه في أقل من اسبوع، ثم في تحمل استمرار انقطاع الكهرباء في نفس الصيف بالرغم من عدم احتمالهم لنفس الانقطاع في عهد المعزول مرسي، ثم في عدم التذمر من رفع الدعم عن الطاقة و زيادة اسعار الوقود و ما تبعه من رفع أسعار كل السلع تقريباً.

و لا أستطيع هنا إلا أن أسجل أن الرجل لم يدخر وقتاً في المقابل، بل سعى بكل قوة لاستغلال ذلك الزخم ليبدأ خطة طموحة لبناء أسس و قواعد نهضة مصر اقتصادياً، فشرع على الفور في تنفيذ مشروع محور قناة السويس، و رفع كفاءة شبكة الطرق، و بناء الجسور، و رفع كفاءة شبكة الطاقة من خلال بناء محطات توليد حرارية جديدة، و التوجه لمصادر الطاقة غير التقليدية كما فعل في مشروع الضبعة النووي، و كذلك مشروعات الطاقة الشمسية التي تدفع جميعها بالمزيد من الدماء في شرايين قطاع الصناعة و الاستثمار في مصر. بل و دعوني أضيف بعضاً من المرح هنا حين أقول أن الرجل استمع لكلمات الممثل محمد سعد حين قال أننا لن نذهب إلى كأس العالم، بل سنجلبه هو إلى مصر، فلم ينتظر تحرك المستثمرون و الحكومات و الشركات العالمية  للاستثمار في مصر، بل دعاهم جميعاً إلى مصر في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي لفتح آفاق جديدة في مستقبل مصر الاقتصادي.

و بالرغم من أن الرجل حين تولى المسئولية أعلن صراحةً أنه ليس لديه أية فواتير يسددها لصالح أي جهة سوى هذا الشعب، و هذه الأرض الطيبة التي تستحق كل الجهد، إلا أنه يبدو أنه مازال يحتفظ ببعض الألفة أو دعني أقول الكثير من الشهامة المصرية و صون " العشرة " تجاه العديدين ممن جمعتهم به ضرورات العمل و تحديات التحول الديمقراطي قبل و أثناء و بعد ثورة الخامس و العشرين من يناير ، فمنح حق اتخاذ القرار و التخطيط  لعقول خربة ورثها من حكومات فاشلة قادتها مومياوات عهد مبارك البائد، و هو ما أدى في النهاية إلى أن يفعل الرجل كل شئ بنفسه و كأنه رئيس بمهام حكومة كاملة !

ما أرى أن الصواب قد جانب الرجل فيه أيضاً، هو كيفية معالجته و إدارته لمسألة توحيد الجبهة الداخلية و تقليل هوة الخلافات السياسية، فالفارق كبير بين " الوحدة " حول مصلحة الوطن، و محاربة الإرهاب، و دعم القيادة للمرور من النفق المظلم، و بين " الأحادية " في كيفية تناول و رؤية كيفية تحقيق تلك المصلحة، و سبل مكافحة الإرهاب، و أسلوب دعم القيادة.

و في ظل تلك المعالجة أصبح وجود برلمان يمثل المصريين و لا يسيطر عليه حزب الرئيس، هو مجرد حلم لم يمكن تحقيقه في ظل ظهور ائتلاف " دعم الدولة المصرية " تنفيذاً لرغبة الرئيس في وجود جبهة برلمانية موحدة. و لا أخفيك سراً عزيزي القارئ أن دهشتي لم تكن أكثر شدة منها تجاه إعلان هؤلاء النواب توقيع وثيقة يؤكدون فيها تجردهم من انتماءاتهم الحزبية وميولهم الفكرية واتجاهاتهم السياسية التي اختارهم الشعب الذي يمثلونه على أساسها، لصالح دعم الرئيس و الحكومة بحجة إرساء دعائم الدولة الحديثة !

و هنا تماماً، و بفضل هاتين الحقيقتين، بدأت بوادر تقويض الثقة بين الرجل و الشعب في الظهور، ففي ظل انشغال الرجل بما هو جيد لمصر على المدى الطويل على الأصعدة الاقتصادية و السياسية و العسكرية، فشلت الحكومات التي نصبها و البرلمان، الذي أعلن معظم أعضائه دعمهم له، في تحقيق الحد الأدنى لما يمكن اعتباره جيد لشعبها على المدى القصير إجتماعياً و معيشياً و تعليمياً و صحياً !

فلا يمكن إلا لجاهل أو ذي مصلحة إنكار حالة التذمر الشعبي الجارفة من ارتفاع أسعار الكهرباء و الماء و الغاز و السلع الأساسية و المواصلات، بل و عدم توافر المواد التموينية الأساسية المدعومة ببطاقات التموين الذكية الحديثة، و كذلك زيادة الرسوم على استخراج و إصدار أية بيانات أو أوراق أو تراخيص حكومية، و انهيار منظومتي التعليم و الصحة دون حلول مرئية، و ما زاد الطين بلة من تجاوزات المنتسبين لأجهزة الأمن في حق المواطنين في حوادث متعددة تجاوزت بكثير حد التعاطي معها بصورة فردية !

كما لا يمكن إنكار التضارب بين قرارات البنك المركزي و بين جهود جذب الاستثمارات الخارجية، بل و حتى تصريحات الحكومة الجوفاء بدعم المستثمرين المتواجدين بالفعل، فكيف لهؤلاء أن يضخوا أموالهم في دولة تمنع عليهم الخروج بعوائد استثماراتهم منها إلا في حدود خمسين الف دولار فقط شهرياً دون مراعاة لكل حالة على حدة، فيتساوى في ذلك لديها من يستورد أسماك الزينة و فوانيس رمضان، و من يشتري الماكينات العملاقة لتشغيل و دفع عجلة الصناعة و الاقتصاد الوطني !

و دعني عزيزي القارئ في إطار الثقة التي مازالت قائمة بيني و بين الرجل أن أذكره أن المستقبل لا تبنيه برلمانات تدعم حكومات تقليدية تنتظر التعليمات و تتوقع المكافاة في المقابل، و لكنه يحتاج برلماناً يمنح الثقة لحكومة قادرة على وضع خطط تستخدم بحكمة الاحتياطيات النقدية المحدودة لتنمية الموارد البشرية و الطبيعية اللامحدودة التي تمتلكها مصر..

حكومة يتولاها ذوي العلم و الخبرة و الكفاءة و الرؤية المستقبلية و القدرة على اتخاذ القرار ..

حكومة تطبق القانون بلا استثناء على الجميع و تحترم الحريات و الحقوق و تقبل النقد و الاختلاف مع رؤيتها للحلول دون تخوين ..

حكومة تعمل على تهيئة المناخ اللازم لبناء كيانات سياسية و اجتماعية فاعلة بعيداً عن أموال العمالة و أحلام تجار الدين و سيطرة الإقطاعيون الجدد على مقدرات الشعب ..

حكومة تعي تماماً حتمية وضع و تنفيذ إجراءات صارمة ضد الاحتكار و الفساد و إعادة هيكلة الموازنة و ضرورة تسلسل الأهداف المرحلية الواقعية و الممكنة و التي يمكن قياس مدى نجاحها ميدانياً، و ليس الأهداف التي تدغدغ أحلام الشعب لتتحول في النهاية إلى مجرد عناوين صاخبة في صدر الصفحات الأولى للصحف التي تدفع تلك الحكومة رواتب رؤساء تحريرها من ضرائب الشعب.

حين يفعل الرجل شيئاً تجاه كل ذلك، و حين يستطيع أن يأتي بمن يعينه على التحرك داخلياً و خارجياً في آن واحد، و من يرفع عن كاهله عبء التحرك وحده لفعل كل شئ، و من يدرك أن المشاكل اليومية المعيشية و الاجتماعية و الصحية و التعليمية للغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب لا تقل خطورة على استقرار الوطن من الإرهاب و المؤامرات الخارجية، حينها فقط .. سيمكن للرجل استعادة هدوءه الذي عهدناه عليه، و سيمكن له أن يكون اكثر تحكماً في زمام أعصابه الذي افلت منه مرات عديدة في خطاباته الأخيرة، و سيكون أكثر حلماً و اكثر تفهماً للانتقادات التي تطال أداءه و أداء حكومته، و سيمكنه حينها بالتأكيد استعادة ثقة شعب مصر الكاملة التي أرى أنه فقد جزءاً ليس باليسير منها !

حفظ الله مصر .. و سدد على طريق الخير خطى أبنائها.

Tuesday, January 19, 2016

العراق .. جهنمية التبرير و أكذوبة التحرير

إيهاب الشيمي


 "الحداية ما بترميش كتاكيت"

مثل مصري يصف كيف أن الطيور الجارحة لا يمكن أن تفرط في فريستها بعد اقتناصها لتلقيها بكل بساطة في أيدينا من السماء، و هو تماماً ما ينطبق و بكل قوة على ما يحدث الآن في العراق، و تحديداً في "تكريت" و "الموصل".


فبالرغم مما قد يبدو عليه الأمر من وجود هجوم عراقي واسع النطاق على معاقل تنظيم "داعش" في "تكريت" منذ يوم الإثنين الماضي، و الإعلان عن هجوم آخر وشيك الحدوث ستشترك فيه قوات عراقية و كردية مع قوات أمريكية على محافظة "الأنبار" وصولاً إلى مدينة "الموصل" شمالاً في محافظة "نينوى"، ضد نفس التنظيم، و هو ما قد يفسره البعض على أنه صحوة للحكومة العراقية برئاسة "حيدر العبادي" لاستعادة ما فرط فيه سلفه "نوري المالكي"، إلا أن المدقق في الأمور سيجد أن المأساة ليست في طريقها للنهاية، بل في طريقها لتزداد ألماً و دموية و تعقيداً.

و لكي أقرب لك الأمور بعض الشئ، فعليك عزيزي القارئ أن تتخيل أن العراق مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، الجنوب بأغلبية شيعية، و الوسط و الشمال الغربي بأغلبية سنية، و الشمال الشرقي بأغلبية كردية، و تقع بغداد في المركز على الخط الفاصل بين مناطق الأغلبية السنية و الأغلبية الشيعية.

و لكي أقرب لك الأمور أكثر حول الوضع الحالي، فلك أن تعرف أن تنظيم "داعش" يسيطر منذ يونيو الماضي على كل المدن الرئيسية في المحافظات ذات الأغلبية السنية التي تلاصق "بغداد" مباشرة من الشمال، مثل "تكريت" بمحافظة "صلاح الدين" و "الفلوجة" و "الرمادي" بمحافظة "الأنبار"، و "الموصل" بمحافظة "نينوى"، و لكي تشن هجوماً من العاصمة "بغداد" مباشرة إلى عاصمة التنظيم في "الموصل"، فعليك اولاً أن تمر عبر "تكريت"، و ليس أن تتجه غرباً كما أعلن وزير الدفاع العراقي و حلفاؤه الأمريكان إلى "الفلوجة" لتصل منها إلى "الموصل" بطريقة "ودنك منين يا جحا !!"

و لكي تفهم هذه "الفزورة"، فلقد رأيت أنه من واجبي أن اصارحك بالحقيقة المؤلمة و هي أن الهجومين على "تكريت" و "الأنبار" لا علاقة لهما بالآخر !!
نعم، أستطيع الآن أن أرى دهشتك و أنت تتابع كلماتي، فكيف ألا يكون للهجومين علاقة ببعضهما البعض، بينما الهدف منهما واحد و هو تحرير العراق من سيطرة تنظيم "داعش" كما تم الإعلان عن ذلك ؟!

و هذا تماماً ما أريد أن أثبت لك أنه أكذوبة كبرى!

فمن كشف سر الهجوم الضخم على "الأنبار" الذي تنوي القيام به القوات العراقية بالاشتراك مع القوات الأمريكية بدعم من طيران التحالف هو احد قادة القيادة المركزية للجيش الأمريكي خلال مؤتمر صحفي عقد في شهر فبراير الماضي، و لكي تفهم لماذا ذكر هذا المسئول العسكري الامريكي هجوم "الأنبار" فقط، بينما تجاهل هجوم "تكريت"، و كيف يمكن الكشف عن هجوم بهذه الأهمية و السرية خلال مؤتمر صحفي؟! فعليك أن تعرف أن الجيش الأمريكي يضمر الكثير من الكراهية لتلك المحافظة بعينها، و تحديداً لمدينة "الفلوجة" التي وصمت الجيش الأمريكي بأكبر عار في جبين العسكرية الأقوى في العالم منذ هزيمتها النكراء في "فييتنام".

ففي عام 2004، و عقب غزو العراق و سقوط "صدام حسين"، واجهت القوات الأمريكية احتجاجات ضخمة في "الفلوجة" اضطرت معها هي و القوات العراقية الموالية لواشنطن على فض الاحتجاجات باستخدام أقصى درجات العنف، و هو ما أدى لسقوط عدد ضخم من الضحايا من أهل المدينة، و بدء عمليات مقاومة مسلحة نوعية ضد قوات الاحتلال الأمريكي شارك فيها أهالي المدينة بأسلحة خفيفة و كمائن كبدت الأمريكان أكبر خسائر لهم منذ الغزو و فشلوا معها في احتلال المدينة، بل و تم أسر و إعدام العديد من الأمريكان العاملين بشركة "بلاك ووتر" و عرض جثثهم بطرقات المدينة في مشهد قضى تماماً على هيبة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية أمام العالم.

و في مواجهة هجمات المحتل الأمريكي على المدينة، لم يجد أهلها بديلاً عن التحالف مع من يمكنهم مد يد العون لحمايتها من قوات الاحتلال، و لكن ذلك الحليف لم يكن حينها سوى تنظيم القاعدة و جماعة التوحيد و الجهاد بقيادة "أبو مصعب الزرقاوي"، و هو ما منح الأمريكان فرصة ذهبية لشيطنة المدينة و إعادة محاولة السيطرة عليها بما يزيد على خمسة عشر ألف جندي من القوات الأمريكية و البريطانية و العراقية المشتركة، و باستخدام سياسة الأرض المحروقة بقصف و حرق و قتل كل من تواجد من مقاتلين و مدنيين بالمدينة باستخدام القاذفات الثقيلة.

و يبدو أن الأمريكان حتى اليوم مازالوا يعانون من عقدة معركة "الفلوجة" الأولى، و يريدون أن يستكملوا انتقامهم ممن مرغوا أنوفهم في تراب الهزيمة النكراء، فأحكموا الخطة بالاشتراك مع حكومة بغداد المركزية التابعة لهم بحيث تغض الأخيرة النظر عن  انتهاكات الميليشيات الشيعية المسلحة ضد سكان المدن و العشائر السنية في وسط العراق ليتم وضعهم في نفس مأزق عام 2004، و هو الاختيار بين أن يتركوا أنفسهم نهباً مستباحاً للميليشيات الشيعية، و بين أن يتحالفوا مع تنظيم "داعش" ضد تلك الميليشيات لينجو بأنفسهم من انتهاكاتها ضدهم، و هكذا يمكن ببساطة تصنيفهم كإرهابيين يشكلون خطراً على العراق و المنطقة بأكملها، و يتم بالتالي تبرير إبادتهم و التخلص من الصداع الذي يشكله "العرب السنة" في العراق في رأس الولايات المتحدة الأمريكية و حكومة "بغداد" الموالية لها، و وقوفهم حجر عثرة في وجه مخططاتهما لتقسيم العراق و توزيع ثرواته كما يحلو لهم.

و لكي تتأكد مما أقول، فما عليك عزيز القارئ سوى أن تعرف أن وزير الدفاع العراقي لم يعلن في بيان واحد حتى الآن عن مجريات الأحداث في "تكريت" التي يشكل "داعش" فيها خطراً مباشراً على "بغداد"، بينما انشغل طوال الأسبوع الحالي بالاجتماع مع قادة عسكريين أمريكيين لبحث تفاصيل الهجوم على "الأنبار" و "الفلوجة" فيما يدعي أنه بداية هجوم لتحرير "الموصل"، و خصص يومين كاملين لزيارة وزير الدفاع التركي و الحديث معه عن المساعدات العسكرية و اللوجستية التي ستقدمها "أنقرة" و كيف أن تدريب القوات العراقية سيتم على الأراضي "التركية" و "القطرية" و بدعم مالي من "الدوحة" مباشرة، في مشهد لا يمكن استيعابه على أنه جهد موجه لتدمير "داعش" بينما يعرف الجميع كيف يخدم التنظيم مصالح "الدوحة" و "أنقرة" !

و يمكننا الآن أن ننتقل للهجوم الآخر في "تكريت" و هو الأكثر تعقيداً و الأخطر في تبعاته على وحدة العراق، و الأكبر تهديداً حال فشله على أمن "بغداد"، و هو ما يشترك فيه ما يزيد على خمسة و عشرين ألف مقاتل في هجوم مباغت بدأ يوم الإثنين الماضي تحت شعار "الثأر لشهداء سبايكر"

و لكي تفهم أبعاد الهجوم، فيجب أن أخبرك أولاً ما المقصود بشهداء "سبايكر" !

"سبايكر" هي قاعدة جوية عراقية بالقرب من "تكريت" كان يتدرب بها أكثر من أربعة آلاف طالب عسكري عراقي، و بعد يوم واحد من استيلاء "داعش" على مدينة "الموصل"، و قبل وصول التنظيم إلى "تكريت"، فوجئ الجميع بأوامر قائد القاعدة و الصادرة له من قيادة وزارة الدفاع في حكومة "نوري المالكي" بمنح الطلاب إجازات مفتوحة، و تجريدهم من الزي العسكري و الأسلحة لحين الاتصال بهم من جديد، و عند خروجهم من القاعدة مباشرة ظهرت فجأة شاحنات عليها مسلحين تدعوهم لتوصيلهم لخارج المدينة.

المثير للشك هنا، هو كيف علم هؤلاء المسلحون أن الطلاب قد تم منحهم إجازات مفتوحة، بحيث وفروا كل ذلك العدد من الشاحنات ليكفي الجميع؟!  و الأكثر إثارة للريبة هو كيفية تصوير الأمر برمته على أنه عملية تطهير طائفي ضد الشيعة حيث خرج رموز حكومة "المالكي" بعد ساعات قليلة ليؤكدوا أن الجناة هم من أعضاء "حزب البعث" و أفراد من العشائر السنية الموالية له، و لإسباغ مزيد من الحبكة الدرامية على الأمر فلقد تم اقتياد المختطفين لقصور "صدام حسين" الرئاسية الضخمة المهجورة في المدينة حيث تم إطلاق الرصاص عليهم جميعاً و دفنهم في الصحراء القريبة أو إلقاءهم في النهر بما فيهم المصابين و كأن من فعل ذلك يريد إلصاق الأمر بسنة العراق متمثلين في رموز النظام السابق.

ما يؤكد ما أقول هنا أيضاً هو ادعاء شبكات التليفزيون الأمريكية الإخبارية و منها "سي إن إن" المعروفة بارتباطها بدوائر الحزب الديمقراطي الحاكم في الولايات المتحدة أن الجريمة طائفية و أن الضحايا جميعهم من العراقيين الشيعة، بينما الحقيقة أن التحقيقات مازالت جارية حتى الآن لكشف حقيقة المشتركين في الجريمة، و أن من ساعد من استطاعوا النجاة منهم كان العشائر السنية الموجودة بالمنطقة، و أن من بين الضحايا عدد كبير من العراقيين السنة، و أنه لا أحد من حكومة "المالكي" استطاع الرد على حقيقة من قام بإصدار أوامر انسحاب الجيش و ترك أسلحته وراءه لداعش في "الموصل"، أو من أصدر أوامر إخلاء قاعدة "سبايكر"، أو كيفية اختطاف 1700 طالب من القاعدة و إعدامهم في "تكريت" بينما لم يكن "داعش" قد وصل للمدينة بالفعل، و الأهم و هو كيف أجرى "المالكي" تحقيقاً و كشف عن أن الجناة من "العرب السنة" من المنتمين للنظام السابق و العشائر السنية الموالية له بينما لا يمكن إجراء مثل هذا التحقيق و المدينة تحت سيطرة "داعش" !

ما يهم هنا في الموضوع، أن إعلان الولايات المتحدة عن اشتراكها و دعمها للعملية الكبرى في "الأنبار" و ما يحمله ذلك من احتمالات عودة النفوذ العسكري الأمريكي إلى العراق بعد انسحابها منه، و كذلك ظهور القوة السنية المتمثلة في تركيا في الصورة كحليف للحكومة العراقية الموالية لواشنطن في بغداد، يبدو و انه استفز المارد الشيعي الإيراني في الشرق، و الذي أخذ كل تلك التطورات على أساس كونها تهديداً مباشراً للمصالح الاستراتيجية له في العراق، و تلاعباً بالتوازنات الدقيقة التي تحكم محادثات إيران النووية مع الغرب، فبدأت "طهران" على الفور في اتخاذ إجراءات مضادة عن طريق إصدار المراجع الشيعية في العراق لفتوى تسمح لما يسمى "قوات الحشد الشعبي الشيعي" ببدء هجوم ضخم على "تكريت" بحجة طرد "داعش" من المدينة، و الانتقام لشهداء "سبايكر" ، و ما يؤكد نظريتي هنا و أهمية الوضع استراتيجياً لحكام "طهران" هو استدعاء أكثر الجنرالات خبرة في "الحرس الثوري" و هو "قاسم سليماني" قائد فيلق "القدس" ليقود بنفسه العمليات في "تكريت" بعد أن هبط بطائرته القادمة من "مطار دمشق" مباشرة في "مطار بغداد" و كأنه صار يمتلك مفاتيح كل تلك المدن!

و قد يعارضني البعض هنا فيقول أن "سليماني" جاء بصفة استشارية فقط للقادة العسكريين العراقيين المنفذين للعملية، و لكن يمكنني الإجابة بكل سهولة أن "وزارة الدفاع العراقية" لم تذكر حرفاً واحداً عن هجوم "تكريت" حتى الآن بصورة رسمية، بل إن من أعلن عن وجود "سليماني" هي وكالة "فارس" الإيرانية الرسمية للأنباء و ليس "الحكومة العراقية"، و دعني أزيد الطين بلة لأقول لك أنه من بين الخمسة و العشرين ألف مقاتل، فإن هناك خمسة عشر ألفاً من "قوات الحشد الشيعي"، بالإضافة لعدة آلاف من مقاتلي "حزب الله – فرع العراق"، و قوات خاصة من "الحرس الثوري الإيراني"، بينما لا يتعدى عدد القوات النظامية العراقية بضعة آلاف من "الفرقة الخامسة مشاة" التي انتقد قادتها تجاهل وزير الدفاع لهم!

و هكذا يمكنك بسهولة أن تتأكد أن ذلك الهجوم ما هو إلا محاولة لبسط سيطرة "طهران" من جديد على المشهد العراقي، و إيجاد وضع يمكنها من خلاله موازنة القوة الأمريكية على الأرض و تأثير واشنطن المتزايد على حكومة "بغداد"، و لكن مع إضافة جديدة هذه المرة و هي كسر أنوف "العرب السنة" و احتلال "تكريت" معقلهم الأكبر و مسقط رأس "صدام حسين" بواسطة قوات "الحشد الشعبي الشيعي" بالرغم من عدم وجود أية مراقد شيعية في المدينة تبرر تواجدهم هناك لتامينها، أو وجود تجمعات شيعية يتطلب الأمر حمايتها.

و يمكنك أيضاً أن تتخيل كيف سيكون الهجوم على المدينة و حجم الفظائع التي يمكن أن ترتكب بحق أهلها بعد أن روج قادة الهجوم لادعاءات خلو المدينة من المدنيين، و أنهم سيعتبرون كل من فيها من الأعداء أو من المتحالفين مع "داعش" و أنهم سيدمرون المدينة على رؤوس من فيها، و خاصةً أن هذه القوات معروفة بالعديد من الانتهاكات و المذابح ضد المواطنين السنة في العراق.

أعلم أن ما قرأته هنا يزيد من مأساوية المشهد العراقي و العربي في ذهنك، و يزيد من الألم الذي يعتصر قلبك حزنا على أمتنا التي تكالب عليها أعدائها، لكني في النهاية لا أريد لعقلك أن يذهب للنتيجة التي يريدها هؤلاء، فالمستهدف ليس نصرة "الشيعة" على "العرب السنة" كما قد يتبادر إلى ذهنك، و إلا لكان نظام "الأسد" في دمشق و هو شيعي المذهب في مأمن من كل تلك الخطط، أو لما كان هناك حاجة لوجود صراع من الأساس في ليبيا التي يتبع كل فرقاءها المذهب السني، بل الهدف الحقيقي من كل ما يحدث هو إضعاف كل عوامل القوة في أمتنا العربية لصالح أعدائها، و البحث عن كل ما يبث الفرقة بين أبناءها باستخدام من باعوا أنفسهم و أرواحهم لأعدائها مقابل وعود بسلطة أو مال أو نفوذ.

في النهاية عزيز القارئ، أوقن أنه ليس أمامنا إلا خيارين.. إما أن نرتقي بوعينا لنعرف الدوافع الحقيقية و التبعات الحتمية لما يحدث لنكون على قدر مسئولية حماية اوطاننا، أو أن نجعل عقولنا ألعوبة في أيادي أعدائنا و ننقاد وراء أكاذيب سعيهم لتحرير أرضنا من الإرهاب و التطرف الذي زرعوه هم بأنفسهم، و حينها ربما نجد أنفسنا في النهاية بلا إرهاب كما يدعون ..

و لكننا بالتأكيد لن نجد أوطاناً نحتفل بحريتها !