Saturday, February 18, 2017

الاقتصاد .. بين فوضى الإشاعات و حقائق المؤشرات !







إيهاب الشيمي 


بينما تمارس طقوس حياتك اليومية و تحاول جاهداً السيطرة على وحش الأسعار الذي يبدو أنه يمتلك دائماً من الأذرع عدداً يفوق ذلك الذي استطعت بكل ما أوتيت من قوة السيطرة عليه، تصطدم بأذنيك من آن لآخر بعض العبارات التي يطلقها فيما يبدو الكثير من الأشخاص الذين فرقتهم الطبقات الإجتماعية و نمط الحياة اليومية و القدر الذي تلقوه من التعليم، و جمعهم فقط التذمر من الارتفاع الرهيب في أسعار كل شئ تقريباً، إذا استثنينا الهواء الذي يتنفسونه بالطبع !

و يمكنني بالطبع هنا عزيز القارئ أن أذكرك ببعض تلك العبارات ..

فها هو احدهم يقول: " الله يرحم أيامك يا مبارك .. كانت الحاجة رخيصة و الدولار بأربعة جنيه و لتر البنزين بتسعين قرش " .. !

و ها هو آخر يندب حظ جماعته ليقول : " ما كانش عاجبكم الإخوان .. أهو الدولار كان بستة جنيه أيامهم و انتم دلوقتي فرحانين عشان نزل و بقى ب 16 جنيه .. منه لله اللي كان السبب " .. !

و دعوني ألفت انتباهكم هنا أنني استخدمت وصف " الارتفاع الرهيب" و ليس " الارتفاع اللامسبوق" لأن نسبة التضخم السنوي الآن، و بالرغم من كونها قد تعدت 29% ، إلا أنها مازالت أقل من أعلى معدل للتضخم السنوي تم تسجيله في مصر .

و دعوني أيضاً أذكر من يترحمون على أيام مبارك أن أعلى معدلات التضخم بلغ 30% و تم تسجيله في عام 1986 أثناء حكم مبارك و في ظل حكومة الدكتور عاطف صدقي التي استمرت بعدها في الحكم لمدة 10 سنوات ضمن نظام استمر حكمه لفترة تزيد على الثلاثة عقود !
ذلك النظام الذي خدع الجميع ببقاء الأسعار عند مستويات ثابتة تقريباً، أو دعني أكون أكثر تحديداً بقولي أنه أبقاها عند مستويات تمكنه من تجنب الغضب الشعبي لأكبر فترة ممكنة عن طريق توجيه معظم بنود النفقات في الموازنة العامة نحو تخدير الشعب و ضمان تجنب سخطه بالعمل على الزيادة الدورية للأجور، و خلق فرص عمل وهمية لا تساهم بأي شكل في زيادة الانتاجية، و العمل كذلك على زيادة دعم السلع التموينية و الوقود .. ذلك الدعم الذي كان يلتهمه في النهاية رجاله المقربون أو من يشبهونهم من "حيتان السوق" كما يحب البعض أن يطلق عليهم !

و يمكنك عزيزي القارئ أن تكتشف كيف أن عشرات المليارات من تلك التي تم إهدارها لتبقى راضياً عن حكومات ما قبل يناير و تظل غارقاً في حلم الحياة الرغدة السعيدة بينما تنهار الدولة من حولك، كان يمكنها أن تنشئ بنية تحتية ضخمة تشمل محطات لتوليد الكهرباء، و شبكات طرق، و موانئ ضخمة، تسهم في فتح آفاق جديدة للاستثمار في مصر، و تعمل على خلق وظائف و فرص عمل حقيقية للجميع تضاعف من الناتج القومي، و تجذب المزيد من المستثمرين الرئيسيين من أطراف العالم، و تزيد من موارد العملة الصعبة، و ترفع بالتالي من قيمة احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي .. و لكنه للأسف ما لم يحدث على الإطلاق، و هو ما نحاول الآن أن نتداركه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه !

و دعني أبتعد بك و من يقرأون مقالي هذا معك عن منطقة المقارنات و الشد و الجذب بين أنصار السيسي و فلول المخلوع و أتباع المعزول، فالحكم على أداء الاقتصاد المصري في النهاية ليس خاضعاً لما تقرأه من خرافات على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أو ما تسمعه من عبارات مثل تلك التي سقت لك بعضها هنا، و لا لتوجهاتك الشخصية و قناعاتك المشوهة و التأثيرات قصيرة المدى على الجميع و إن كانت قاسية و مؤلمة في بعض الأحيان، بل و لا يخضع كذلك لما يصدر من تصريحات رنانة من بعض المحسوبين على من يديرون شؤؤن البلاد، أو لبيانات الحكومة التي يمكن وصفها بالمتحيزة في كثير من الأحيان .. !

فمؤشرات أداء الاقتصاد مرهونة فقط  بتقييم المؤسسات الدولية و نسبة الإقبال على شراء "سندات الخزانة الدولية" و حجم " الاستثمار الأجنبي المباشر"، و بمدى ارتفاع "التصنيف الائتماني" للدولة، و هي مصطلحات و حقائق يعلم عنها من يدلون بدلوهم في الاقتصاد بنفس قدر ما يعلمونه عن قوانين "الفيزياء الكمية" و ماهية "المادة المضادة" و " من الذي قتل كينيدي" !!

و طالما قررت أن تكمل قراءة السطور التالية، فدعني أخبرك بما يمنحك الكثير من الثقة في تحسن هذه المؤشرات منذ القرارات الاقتصادية الأخيرة ..

فلقد استطاع الجنيه المصري خلال الشهر الحالي استعادة ما يقرب من 16% من قوته في مواجهة الدولار الأمريكي ليكسر حاجز الستة سنتات صعوداً بعدما ظل يتهاوى بشدة في اتجاه الخمسة سنتات فقط لمدة شهرين متتالين، و هو الصعود الذي أرى انه سيستمر حتى الوصول لحاجز الثمانية سنتات أو ما يعادل 12,5 جنيها للدولار كسعر حقيقي و عادل يضمن بقاء سعر تنافسي للسلع المصرية و المنتج السياحي المصري في الأسواق العالمية، و يحقق كذلك التوازن بين سعر النتجات المحلية و مثيلتها المستوردة لضمان استمرار قدرة المستثمرين و المنتجين المحليين على المنافسة  ..

كما استطاعت الحكومة المصرية بيع ما تزيد قيمته على مليار دولار من سندات الخزانة خلال الشهر الحالي فقط ..

و تم كذلك تلقي طلبات شراء بثلاثة أضعاف ما تم طرحه فعلياً من سندات اليوروبوند بقيمة أربعة مليارات دولار خلال شهر يناير الماضي ..

كما تم رفع التصنيف الائتماني لمصر من قبل مؤسسة ستاندرد أند بورز من سلبي إلى مستقر في شهر نوفمبر 2016 ..

و تم الإعلان كذلك عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج إلى البنوك المصرية لتتجاوز 11% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق لتبلغ القمية الإجمالية لها خلال الربع الأخير من عام 2016 فقط إلى 4,5 مليار دولار، و هو ما يعكس ثقة أبناء الوطن المغتربين أنفسهم في قدرة اقتصاد بلادهم على التعافي و قدرة القطاع المصرفي على توفير ما يريدونه من حساباتهم الدولارية حين يتطلب الأمر ذلك ..

و دعني عزيزي القارئ أخبرك بما يمنحك المزيد من الثقة في قدرة الاقتصاد على التعافي، و هو ما أكدته تقارير المؤسسات المصرفية و المالية الدولية مثل ميريل لينش و فايننشال تايمز و بلومبيرج حول استطاعة القطاع المصرفي في مصر خلال الشهر الماضي الاستجابة للكثير من الطلبات المتأخرة للمستثمرين الأجانب و المصريين على السواء أو ما يعرف باسم " الباك لوج" و تمكن هؤلاء الآن من الحصول على قدر كبير من متطلباتهم الدولارية و كذلك تحويل نسبة كبيرة من أرباحهم للشركات الأم بالخارج و هو ما كان متعذراً منذ ما يزيد على عام و نصف، و هو ما سيزيد بالتأكيد من فرص بقاء هؤلاء المستثمرين في مصر، بل و سيعمل على تشجيع الكثيرين ممن لم يقوموا بالاستثمار في مصر حتى الأن على التوجه إليها بعد التخلص من تلك القيود و التغلب على ذلك العجز.

و يمكنك بالطبع هنا إضافة الكثير من الأمور التي ستسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد و تحويل ما تم تحقيقه على المدى القصير إلى محركات دفع تسهم في استمار الصعود على المدى المتوسط و الطويل، مثل بدء الانتاج من حقول الغاز الطبيعي في المتوسط و التي ستحول مصر من مستورد للغاز إلى واحدة من أكبر المنتجين له في العالم، و كذلك بدء عمل محطات الكهرباء الجديدة في القاهرة و بني سويف و التي ستعمل كذلك على توفير فائض من الطاقة الكهربية يمكن بيعه للدول المجاورة، و يسهم بشكل كبير في دعم المشروعات الجديدة بمحور القناة .. و لن أنسى بالطبع رفع الكثير من الدول الأوروبية لحظر السفر و السياحة إلى مصر و هو ما بدأته أربعة دول اسكندنافية هذا الشهر و سيتبعها بالتأكيد في ذلك الكثير من الدول.

و بالرغم من كل تلك المؤشرات الجيدة، إلا أن النجاح الكامل و التعافي المطلوب للاقتصاد المصري يتطلب التزام الحكومة بالاستمرار في جهودها نحو مكافحة الفساد و إعادة هيكلة الدعم و لكن مع زيادة الضوابط الرقابية على الأسواق لتجنب الإضرار بالشرائح الأقل دخلاً، و الأكثر اهمية من ذلك هو إصدار تشريعات تضمن الشفافية الكاملة في كل ما يتعلق بمنح الامتيازات و الحوافز و الإعفاءات للمستثمرين المحليين و الأجانب، و تحويل التصريحات الرنانة حول تبسيط إجراءات الاستثمار إلى واقع ملموس بدلاً من كونها مجرد حبر على أوراق الصحف اليومية !

كما أن ذلك يتطلب منك أنت أن تدعم المنتجات المحلية و تكبح جماح شهوتك لشراء كل ما هو مستورد و كل ما هو غير أساسي و كل ما هو غير لازم، و هو ما بدأت بوادره تلوح في الأفق حيث انخفضت قيمة الواردات خلال الشهور الأولى من العام الحالي بنسبة تجاوزت 15% عن مثيلتها العام الماضي، و هو ما يستلزم في المقابل تطوير المنتجين المحليين لجودة ما يطرحونه في الأسواق. فدعمك للمنتج المحلي و إقبال الجميع عليه سيزيد من قدرة المستثمرين و المنتجين على زيادة الإنتاج ، و بالتالي تقليل سعر المنتج من خلال توزيع التكلفة على عدد أكبر من المنتجات، و هو ما سيزيد بالتأكيد من التنافسية مع المنتجات الأجنبية، بل و سيعمل على زيادة فرص التصدير كذلك.

و هكذا عزيزي القارئ يمكنك الآن الاختيار بين الاستمرار في التذمر و الاستمتاع باقاويل و عبارات من يشاركونك التذمر، أو أن تكون على مستوى المسؤولية الوطنية لتتحمل الآثار قصيرة المدى لعملية الإصلاح، و تثق في قدرة وطنك على التعافي و النهوض كقوة اقتصادية فاعلة و ضخمة في المنطقة بدلاً من البحث عن وطن بديل لأبنائك في أوروبا أو أمريكا أو حتى على ضفاف الخليج بينما يمكنهم المشاركة في صنع مستقبل مشرق لهم و لأحفادك على أرض هذا الوطن العظيم !

حفظ الله مصر.

Tuesday, January 31, 2017

الاتفاق النووي .. بين الطموحات الإيرانية و الخطط الأمريكية

إيهاب الشيمي

الخميس السادس من نوفمبر 2014 ..
قاعة الإيجاز الصحفي بالبيت الأبيض
جوش إرنست المتحدث باسم البيت الأبيض و أحد أعضاء الحلقة الصغرى المؤتمنين على الأسرار الكبرى للرئيس الأمريكي، يقف كعادته في القاعة ليجيب كالعادة على أسئلة الصحفيين ليؤكد أمراً في إجابة، و ينفي آخر في إجابة أخرى .. فجأة تعلو الدهشة وجه الرجل و يصيبه الارتباك، و لا يستطيع الإجابة على أحد الأسئلة التي لم يكن يتوقعها على الإطلاق ..
لم يكن السؤال سوى: " ما هو محتوى الرسالة التي أرسلها الرئيس أوباما إلى مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد خامنئي الشهر الماضي ؟" !! .. بعد لحظات من الصمت يتمالك الرجل زمام نفسه ليرد قائلاً : " موقعي لا يخولني أن أطلع على محتوى الرسائل التي يتبادلها الرئيس بصورة خاصة مع زعماء العالم" !
التاسعة مساء الثلاثاء العشرين من يناير 2015 ..
خطاب " حالة الاتحاد " بالكونجرس الأمريكي
باراك أوباما يدخل القاعة الكبرى وسط تصفيق حاد من أعضاء مجلسي الشيوخ و النواب الجمهوريين و الديمقراطيين على حد سواء ليتخذ مكانه على المنصة قائلاً:
"سأستخدم  صلاحياتي الدستورية و حق النقض  ضد اي عقوبات جديدة يفرضها الكونجرس على إيران اثناء عقد المفاوضات المتعلقة بملفها النووي .. نعم سأستخدم حق النقض لمنع العقوبات في حال فرضها لأنها تهدد مسار التقدم الذي تحققه المفاوضات". !
الإثنين الثاني من مارس 2015 ..
بضعة كيلومترات شمال بغداد
ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي تتقدم صوب محافظة صلاح الدين للهجوم على تكريت المعقل الحصين للغالبية السنية في العراق بدعوى تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بينما تعلن وكالة "فارس" الإيرانية الرسمية للأنباء في نفس الوقت عن وجود "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس على رأس قوات خاصة من الحرس الثوري لتقديم الدعم و المشورة للهجوم، في الوقت الذي غاب فيه خالد العبيدي وزير الدفاع العراقي تماماً عن المشهد، و لم تصدر بغداد أية بيانات تعليقاً على وجود قوات إيرانية على أراضيها !
مشاركة الجيش العراقي المزعومة تقتصر على عناصر من الفرقة الخامسة مشاة ميكانيكي المفترض أن تتواجد في محافظة ديالى و ليس صلاح الدين و التي ترفع آلياتها رايات الحسين و آل البيت و ليس رايات الجيش العراقي، بينما أعلن التحالف الدولي ضد داعش أنه ليس طرفاً في الصراع على تكريت، و أبدى قلقه من احتمال حدوث جرائم حرب ضد السكان السنة من قبل الميليشيات الشيعية في حال نجاحهم في دخول المدينة.
الأحد الثاني و العشرين من مارس 2015 ..
عشرات الآلاف يحتشدون في مؤتمر حاشد بمدينة مشهد الإيرانية بمناسبة العام الفارسي الجديد ..
فجأة يسود الصمت المكان حتى تكاد تسمع صوت أنفاسك بينما يصعد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي درجات المنبر ليعلن في لهجة تهديدية غاضبة و بصرامة شديدة أن بلاده لن تقبل أي اتفاق مع الدول الكبرى ما لم يتضمن إنهاءاً فوريا للعقوبات المفروضة على إيران دون الانتظار لتوقيع الاتفاق النهائي، و أن كرامة إيران تأبى فرض أية شروط تمنع استمرار برنامجها النووي، لتهتز فجأة أركان المدينة بهتاف الجميع: "الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر"
الأربعاء الخامس و العشرين من مارس 2015 ..
حكومة بغداد التي تجاهلت هجوم تكريت إعلامياً تماما في البداية بحجة انشغالها في التنسيق لهجوم أكبر على الموصل، تبدي اهتماماً مفاجئاً بتطورات الأحداث على الأرض هناك بعد أن فشل الهجوم في اختراق دفاعات المدينة، و تطلب مساعدة واشنطن لدعم الهجوم المشترك للقوات الإيرانية و العراقية و الميليشيات الشيعية ضد تكريت، و تعلن أن طهران شريك أساسي في الحرب على الإرهاب و استعادة العراق لوحدته و سلامة أراضيه !
خلال ساعات وجيزة يحدث في واشنطن ما قد يأخذ شهوراً في مسائل مشابهة ..  واشنطن تتلقى رسالة بغداد، و تدرس الطلب، و تقرر فوراً بدء ضربات جوية و عمليات دعم لوجيستي و استخباراتي لمساعدة المهاجمين، و تدمر أهدافاً لداعش بنسبة نجاح تفوق عشرات المرات ما فعلته خلال العشرة شهور الماضية مجتمعة في سوريا و العراق معاً لتفتح الطريق أمام من يزعمون أنها القوات العراقية لتدخل المدينة بصحبة الإيرانين و الميليشيات الشيعية و هم يهتفون: " لبيك يا حسين .. لبيك يا فاطمة " !
الخميس الثاني من أبريل 2015 ..
مئات الصحفيين يملأون أرجاء القاعة الرئيسية لمعهد "بوليتكنيك" بمدينة لوزان السويسرية بعد أن انتهت المهلة المحددة لطهران منذ يومين للتوصل لاتفاق إطار حول البرنامج النووي الإيراني .. و لكن بدلاً من أن ينخرط هؤلاء الصحفيين في البدء في تسجيل قائمة العقوبات، صدمت فيديريكا موغيريني الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي الجميع بإعلانها التوصل خلال 48 ساعة فقط ما فشلت فيه المحادثات المكوكية التي دامت ثمانية عشر شهراً، و ما قبلها من مفاوضات دامت أكثر من عشرة أعوام كاملة !!
.. فجأة و بعد أن اجتمع جون كيري وزير الخارجية الأمريكي مع محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني لمدة تسع ساعات قبل ذلك الإعلان، تحولت إيران من أحد أضلاع مثلث الشر في العالم إلى" دولة نووية سلمية " ، و أصبح على الجميع أن يصدقوا أن وزير خارجيتها و رئيسها و مرشدهم الأعلى ابتلعوا کل تصريحاتهم و مواقفهم المملوءة غطرسة و تحدياً و وقعوا على اتفاق يحرمهم من الاستمرار في برنامجهم النووي ..
.. فجأة تحولت المنشآت النووية التي طالما شكلت تهديداً للسلام العالمي إلى مجرد منشآت للأبحاث ..
.. فجأة تحولت الدول الكبرى من عدو لطهران إلى حليف سيمدها بالتكنولوجيا اللازمة لتشغيل المفاعلات و أجهزة الطرد المركزي التي تم الاتفاق على الإبقاء عليها بأعداد مخفضة لمدة عشر سنوات ..
.. فجأة وافقت إيران على السماح بتفتيش منشآتها في أي وقت و أي مكان و دون إشعار مسبق ..
.. فجأة قررت الدول الكبرى عدم ضم برنامج الصواريخ الإيرانية الباليستية العابرة للقارات و القادرة على حمل رؤوس نووية إلى مسودة الاتفاق النهائي ..
.. و لكن يبقى المشهد الأكثر مفاجأة .. رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يظهر على الهواء مباشرة على شاشات التليفزيون الرسمي الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمرة الأولى في التاريخ في بث مباشر من البيت الأبيض ليعلن سعادته بالاتفاق مع طهران و كونها شريك أساسي في استعادة الاستقرار بمطقة الشرق الأوسط، خاصة في اليمن و سوريا و العراق لتسمح السلطات بعدها في طهران لعشرات الآلاف بالخروج للاحتفال بتوقيع الاتفاق مع الولايات المتحدة التي لم تكن في نظرهم منذ أيام سوى " الشيطان الأعظم " !!
و هكذا عزيزي القارئ .. و من خلال ما سردته عليك من المشاهد السابقة، يمكنك التوصل لما أصر أنا على وجوده منذ فترة ليست بالوجيزة، و هو اتفاق أمريكي إيراني خفي على حساب العرب يمنح إدارة أوباما الفرصة لتحقيق انجازاً تستطيع به تجميل صورتها بعد أن ميزت الاخفاقات المتتالية فترة ولايتها في الداخل و الخارج، كما أنه يمنح الولايات المتحدة الفرصة الذهبية لاستكمال خطة تقسيم المنطقة و لكن باستخدام الأطماع الصفوية هذه المرة بعد أن فشلت خطة استخدام الجماعات الأصولية السنية حتى الآن.
ما لا يمكن إغفاله أيضاً هو الفائدة التي ستعود على طهران، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول نظام قمعي إستبدادي ذو توجهات توسعية في كل دول المنطقة إلى نظام يمکن الوثوق به و الاطمئنان إليه للالتزام ببنود هذا الاتفاق و التخلي عن أحلامه العدوانية التوسعية، و حلم الحصول على القنبلة النووية، بل ما أراه أن كل ذلك ما هو إلا استغلال حكام طهران لحاجة الولايات المتحدة لهم لتنفيذ أجندتها في المنطقة، مما سيمكنهم من المناورة و المراوغة في تنفيذ الاتفاقية النووية و استكمال البرنامج النووي العسكري سراً، بينما يستمتعون برفاهية رفع العقوبات و نمو الاقتصاد المنهار، و تخفيف النقمة الشعبية الداخلية، بل و نشر أذرعهم في مناطق جديدة.
يبقى لي في النهاية أن أعرض عليك المشهد الأكثر أهمية و الذي ستستطيع بكل سهول تفهم أسبابه و ردود أفعال الشخصيات الرئيسية فيه فيه بعد كل ما قرأت ..
فجر الخميس السادس و العشرين من مارس 2015 ..
المقاتلات السعودية تنطلق من قاعدة الملك خالد لتقصف معاقل الحوثيين المنقلبين على سلطة الرئيس الشرعي هادي منصور في اليمن بعد أن أداروا ظهورهم لكل الاتفاقيات التي وقعوها مع أطراف الصراع، و ضربوا بتهديدات الأمم المتحدة عرض الحائط و قرروا الهجوم على عدن و إعادة احتجاز أو قتل الرئيس منصور في ظل دعم عسكري و لوجيستي و سياسي من طهران.
الإمارات و قطر و البحرين و الكويت و مصر و المغرب و الأردن و السودان و باكستان يعلنون اشتراكهم في العملية تحت القيادة السعودية ضد حلفاء طهران، بينما الصدمة تسود أروقة صنع القرار الأمريكي بعد أن تحركت السعودية و حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط عسكرياً للمرة الأولى دون إعلامها بذلك، و يستشيط ملالي طهران غضباً فيطلقون اللعنات على الرياض و حلفائها، و يخرج عملائهم في العراق و لبنان و اليمن لاستنكار عملية "عاصفة الحزم "، بينما يعترض الرئيس العراقي على العملية و تتحفظ بغداد على البيان الختامي للقمة العربية.
فصول المسرحية ما زالت قيد الكتابة .. علينا فقط أن نقرر الاشتراك في كتابتها، أو الاكتفاء بمشاهدتها و البكاء لحظة إسدال الستار.

Friday, November 4, 2016

الدولة الأبوية.. و الطفل الأخرق !

إيهاب الشيمي
لن أتحدث هنا، كما قد يتوقع البعض، عن موظفي الحكومة " التنابلة " الذين لا يفعلون شيئاً سوى انتظار العلاوة و انتقاد قانون الخدمة المدنية لما فيه من ربط الأجر بالأداء، بينما لا يقدمون هم أي إسهام فعلي نحو تقدم الوطن ..
و لن أتحدث أيضاً عن الطبقة الكادحة التي تشكو من عدم قدرتها على شراء الطعام لأبنائها بينما ينفق أرباب اسرها مئات الجنيهات على السجائر و مكالمات المحمول بحجة تفريغ الغضب و شحنات الكبت !

بل أنا هنا من اجل أن أخاطبك أنت ! 
أنت يا من لك القدرة على امتلاك حساب فيسبوك و تويتر و انستجرام بينما تملأ الدنيا ضجيجاً و صراخاً و عويلاً عن معاناتك و كيف أن البلد أصبحت جحيماً لا يطاق ..
و أحب أن أبدأ حديثي بأن أقول لك في برود أيها الزعيم الفيسبوكي التويتري أن ما يعانيه بقية الشعب ممن لا يملكون رفاهية الحديث على وسائل التواصل الاجتماعي " زي حضرتك كدة" هو بسبب ما تفعله أنت !
نعم .. أنت من تبدد احتياطي النقد الأجنبي و أنت من تسبب عجز الموازنة ..
و لن أنتظر منك أن تسألني في غضب " و إزاي بقى أنا السبب يا استاذ ؟!!" .. فسأجيب على سؤالك قبل أن تتفوه به ..
الهواتف المحمولة التي تتفاخر بامتلاك الأحدث منها أنت و أمثالك و لا تستخدموها سوى في التنافس في الألعاب أو في حوارات الواتساب السفسطائية نستوردها بالدولار ..
السيارات التي تبدلها كل حين و آخر أنت و أمثالك لا لشئ إلا لترضي إحساسك المريض بأنك الأفضل على الطريق نستوردها بالدولار !

سيارات الدفع الرباعي التي تملأ الطرقات و تسد الشوارع بينما أقصى استخدام لها هو السير على أسفلت مارينا أو مراسي في الساحل الشمالي في الصيف .. نستوردها أيضاً بالدولار و تحرق أضعاف كمية الوقود الذي تتحمل الدولة عبء دعمه أيضاً !

كل تلك " الاوتينجس" و " الخروجات" أو أياً كان ما تحب أن تسميها، التي لا طائل منها سوى أن تقضي وقت ظريف بعد خروجك من العمل و سحب بضعة أنفاس من "الشيشة الفواكه الفاخرة" بحجة أنك اقلعت عن تدخين السجائر، و وضع تعليقات "كول" على صورك أنت و رفاقك و "مززك" بعدها على الانستجرام .. تستخدم فيها سيارتك التي تحرق البنزين الذي تدعمه الدولة و تدفع ثمن استخراجه و توريده للشركات الأجنبية بالدولار ايضاً !

تلك السيجارة الاليكترونية الحمقاء التي أقنعت نفسك أنها بديل صحي للسجائر، نستوردها بالدولار و نستورد سائلها بالدولار، و نستورد بطاريتها الليثيوم طويلة العمر بالدولار .. 

ماكينة النسبريسو التي تتفاخر بوجودها في مكتبك مع أفضل نكهات كبسولات القهوة بدلاً من " البن التعبان بتاع البوفيه" نستوردها ايضاً بالدولار !

" الشاليهات " التي تملأ الدنيا بكاءاً و عويلاً أنك تقترض " يا حرام " من أجل سداد أقساطها   بينما لا نسمع لك صوتاً حين تقوم بتأجيرها لتجلب لك أضعاف ما دفعته فيها .. كل هذه تقوم الدولة بتحمل نفقات البنية التحتية من كهرباء و مياه و صرف و طرق من أجل أن تتمكن و أمثالك من الانتفاع بها و تقضية اسبوعين أو ثلاثة في الصيف بها بينما تظل مهجورة طوال االعام !

العلامات التجارية و "البراندات" التي تسعى لشرائها دائماً حين يتعلق الأمر بملابسك و مقتنياتك الجلدية بل و أزرار قميصك لتتفاخر بها أمام الجميع .. كلها نستوردها بالدولار أو يدفع وكيلها قيمة استغلال علامتها التجارية ايضاً بالدولار!

ما يثير السخرية أنك و أمثالك تصرخون و تنتقدون بينما لا تقدمون الحلول .. لأنكم ببساطة لم تكلفوا انفسكم وسط قراءتكم للتعليقات السخيفة و الساخرة على حساباتكم الاجتماعية، و وسط مشاهدتكم لمقاطع الفيديو الكوميدية أو الساخنة،  و في غمرة انغماسكم الشديد في متابعة الجديد من حلقات " جيم أوف ثرونز" لم تكلفوا أنفسكم أن تقرأوا خبراً سياسياً حول ما يحدث من حولنا و تأثير ذلك على مصر، و لم تحمل نفسك عناء الاستماع لتحليل اقتصادي على بلومبيرج أو سي ان بي سي أو سكاي نيوز أو حتى النيل للأخبار عن تداعيات أزمة أسعار الوقود العالمية و تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، أو ضم اليوان الصيني لسلة عملات صندوق النقد الدولي، أو حتى أن تتعرف على بنود مشروع الموازنة العامة للدولة !

و ما يثير السخرية أيضاً أنك و أمثالك تساوون أنفسكم بالطبقات التي تعاني بسبب ما تفعلونه انتم من ضغط متواصل على موارد الدولة و استنزاف لاحتياطياتها النقدية و تبديد للدعم الذي توجهه بالأساس لمحدودي الدخل !

و أكاد أسمع هنا صوت أحدهم و هو يقول بغضب: " و انت مالك ؟ دي فلوسي و أنا حر فيها .. !"
و لهذا الغاضب أقول أيضاً: " لا .. ليست أموالك .. و لست حراً في إهدارها !"
فبحسبة بسيطة و باحتساب السعر القديم للدولار أمام الجنيه و هو تسعة جنيهات تقريباً
ستجد أن متوسط سعر لتر البنزين حول العالم هو دولاراً و نصف، أي ما يعادل ثلاثة عشر جنيهاً و نصف تقريباً و هو ما يعني أن الحكومة تتحمل في اللتر الواحد ما قيمته 10 جنيهات مقارنةً بما كان من المفترض أن تجنيه لو باعت اللتر بالسعر العالمي !
و هكذا، و بافتراض أنك تستخدم 40 لتراً أسبوعياً، أي 160 لتراً تقريباً شهرياً، فذاك يعني أن الموازنة العامة تدعمك بما قيمته 1600 جنيها شهرياً أو ما قيمته 19200 جنيها سنوياً ..
و لاستكمال حساباتي المتواضعة، فسأفترض أيضاً أن لديك سيارة واحدة لك و أخرى لزوجتك لتقوم بقضاء حاجياتها بها أو لتوصيل الأبناء لمدارسهم أو للنادي في حال كان الحال ميسوراً .. و ذلك يعني أن ما تتحمله الموازنة نيابة عنك هو 38400 جنيهاً سنوياً لبند دعم الوقود فقط !


و لو افترضنا جدلاً أن هناك 200 ألف أسرة فقط تنطبق عليها نفس المواصفات  فسيصبح حجم دعم الوقود الممنوح لكم  وحدكم هو 8 مليار جنيهاً مصرياً ..
و يمكنك هنا أن تضيف نفس الرقم تقريباً كدعم للكهرباء، و مثله للغاز ليتجاوز المجموع بالرغم من كل التحفظات ما قيمته 24 مليار جنيهاً سنوياً أدفعها أنا و كل دافعي الضرائب لكي تستمتع بها أنت أيها الغاضب كثير الشكوى !


قد يبدو لك الرقم كبيراً أو أني بالغت في التقدير، و لكن عليك أن تدرك أن حجم الدعم على اختلاف أنواعه في الموازنة العامة قبل تحرير سعر الصرف كان 206 ملياراً و سيقترب الآن من النصف تريليون جنيه باحتساب سعر الصرف الجديد !


نعم .. لا أنكر أن الحكومة مازال أمامها الكثير لتفعله لمحاربة الفساد و تشديد الرقابة و فرض القانون و تحصيل الضرائب من أباطرة الصناعة و إعادة هيكلة الدعم ليصل لمن يستحقونه فعلاً .. و لكن ذلك وحده لن يقضي على كل ما نمر به من عبث و فوضى اقتصادية و اجتماعية !

سينتهي كل هذا الهراء و كل ذلك العبث و ستتقدم مصر اقتصادياً و اجتماعياً و ثقافياً حين تكف أنت و أمثالك عن تلك الممارسات، و حين تتحمل أعباءك و تقرر أن تخرج من دائرة الأنانية ..

سينتهي كل هذا العبث حين يتم نسف مفهوم " الدولة الأبوية " التي تتحمل من موازنتها و من مواردها ثمن رفاهيتك و كسلك و جهلك و قلة وعيك بتداعيات ما تفعله أنت، و بتداعيات ما يحدث من حولنا في المنطقة، و ما نتأثر به من أحداث على مستوى العالم كله ..

عفواً ايها الزعيم الفيسبوكي الخالد .. الدولة الأبوية لا يمكن أن تدللك للأبد .. و أنت يجب أن تتوقف عن التصرف كطفل أخرق !

Wednesday, November 2, 2016

داخل الوعاء الزجاجي

إيهاب الشيمي


شعاع بسيط من الضوء يتسلسل عبر النافذة ليشق طريقه في ظلام غرفتك الصغيرة و يصطدم دون جلبة بأرضيتها الخشبية، ثم يتحرك في خفة متسلقاً ملاءة السرير الذي تستلقي عليه، ليشق طريقه بسرعة فوق تلال الأغطية التي يختفي جسدك تحتها ليلامس دفئه في النهاية أجفانك، و يقنعها في سهولة مدهشة أن تفارق عيناك المغمضتان، بينما تتراقص في رقة في خلفية المشهد تلك الستائر البيضاء الشفافة مع نسمات الهواء الباردة و كأنهما تحتفلان باستيقاظك لتستقبل يوم جديد.
و لم تكن السهولة التي رضخت بها أجفانك لمفارقة عينيك هي نفسها التي واجهتها أنت محاولاً أن تقنع ساقيك بأن تتحركا لتخلصاك من أسر سجن الأغطية الدافئ، و لكن مع قليل من المثابرة لم يكن أمامهما إلا أن يستسلما في النهاية لرغبتك في أن تتوجه لتلك النافذة و تغمر وجهك في ذلك الشعاع الذهبي اللامع بينما تزيح تلك الستائر لتراقص أنت نسمات الهواء الباردة بدلاً عنها.
لم تمر سوى دقائق حتى فاجئت نفسك بأنك تقفز الدرجة تلو الأخرى نزولاً على سلم منزلك لتلحق بالمقعد الأخير في عرض ذلك الصباح الخريفي الجميل في المحروسة، حيث لا ضوضاء، و لا عادم، و لا أجساد تصطدم بها من شدة الزحام، على عكس العرض التالي الذي سيبدأ خلال ساعةٍ أو أقل بحضور الملايين ممن سيندفعون في كل اتجاه لقضاء مصالحهم.
ها هو "عم إبراهيم" يلقي عليك السلام، و ها هي "أم محمد" تهرع إلى سيارتك لتمسح ما قد يكون قد تراكم عليها من ذرات الغبار و لتعيد "ماسحات المطر" مجدداً إلى مكانها، في حين يقطع هدوء العرض صراخ ذلك الطفل في مدخل الروضة المواجهة لمنزلك، بينما تستطيع ان تسمع كلمات أمه و هي تحاول إقناعه بابتسامة حانية أنه سيجد بالداخل كل ما يسره، و أنها لن تتأخر سوى دقائق معدودة ..
تتجاوز ذلك المشهد في عجالةٍ و كأنك قد تذكرت فجأة تلال الأوراق التي تنتظرك منذ البارحة على مكتبك، لتخرج مفاتيح السيارة من جيبك بيد بينما تمنح "أم محمد" باليد الاخرى ما جادت به نفسك اليوم "من اللي فيه القسمة"، لتطلق هي العنان لدعواتها لك بالسلامة و سعة الرزق و أن يرزقك الله ببنت الحلال.
و بينما تلقي بجسدك على المقعد الأمامي ممسكاً بمقود السيارة مستمتعاً بالدقائق الأخيرة في ذلك العرض، ترى في أقصى المشهد و في نهاية الشارع طابور من السيارات المصفحة و عربات جنود مكافحة الشغب، الذي يبدو أن الجميع في الشارع قد اعتادوا رؤيته في الفترة الأخيرة، و قد اندفع ليقطع رومانسية العرض مقترباً منك في سرعة..
و بينما تهم بتشغيل المحرك يدوي فجأة صوت انفجار هائل  !!
و على الفور تشعر و كأن هناك من ضغط على زر تشغيل العرض بالحركة البطيئة، بينما ينتابك ذلك الشعور الغريب، و المخيف في الوقت ذاته، أن جسدك يسقط داخل وعاء زجاجي ضخم مملوء بالمياه لترى صورة مشوشة من داخله لكل ما يجري حولك، بينما عيناك تتنقل ببطء بين وجوه كل من في المشهد و هم ينظرون بهلع إلى إلى مصدر ذلك الصوت الهادر ..
الأصوات داخل الوعاء الزجاجي كلها مختلطة في صدى مخيف و كأنها لم تعبر من خلال أذنيك بل عبرت مباشرة إلى داخل دماغك
كل شئ مشوش.. الوجوه .. الأصوات .. بل حتى ألوان الأشياء .. لا يمكنك تمييز كلمة بعينها مما تسمعه .. كل ما يمكنك تمييزه هو صراخ الجميع بينما تتحطم كل الأشياء لتتناثر شظاياها في جنبات المشهد مخترقة أجساد الجميع..
و بنفس السرعة و دون أن تتدخل في أي قرارات يتخذها دماغك، يقرر هو فجأة إيقاف عمل زر تشغيل الحركة البطيئة، لتتمكن من السعال بشدة لطرد رائحة الدخان اﻷسود الذي سرعان ما اكتشفت أنه يملأ رئتيك..
نعم .. ها أنت ذا تستجمع قواك ..
نعم .. ها أنت ذا تخرج من ذلك الوعاء لتعيد نفسك للواقع من جديد ..
يمكنك بالكاد، بعد أن تمكنت من فتح إحدى عينيك، أن ترى الجميع يفرون بأرواحهم بعيداً عن الخطر ..
الجميع يركض هاربا بينما تخضبت ملابسهم و أجسادهم بحبات العرق و قطرات دماء جراحهم ..
نعم .. الجميع يفرون بأرواحهم، حتى أولئك الذين خرجوا في سياراتهم المصفحة لحماية الوطن من غدر العملاء ..
إلا هي ..
هي وحدها تركض في الاتجاه المعاكس..
هي وحدها تجري في اتجاه الخطر ..
هي وحدها من يمكنك أن تفهم ما تصرخ به وسط كل تلك الفوضى..
"سيبوني .. سيبوني .. ابني في الحضانة اللي هناك .."
"ابني في الحضانة اللي هناك .."
"ابني في الحضانة .."
"ابني .."
"ابني .."
لا ..
أنت لا تريد أن ترى نهاية ذلك المشهد
أنت لا تريد أن تعرف إجابات كل تلك الأسئلة التي تدور برأسك..
هل ستجف دموعها التي تنهمر من عينيها الحمراوتين كالجمر حتى تكاد تزيد من استعار نيران الانفجار، أم أنها ستظل تجري بالدموع دون انقطاع ؟
هل ستظل كلماتها المنتحبة تتردد في أذنيك للأبد، مفجرة غضبا لم تعهده من قبل، أم  أنها ستكون مجرد ذكرى تقصها على وليدها حين يكبر إذا كتب الله له النجاة ؟
ها هي هناك .. مازالت تجري نحو النيران و كلماتها تتردد بلا توقف ..
و من جديد و في غضون لحظات، يبدو و كأن دماغك قرر مرة أخرى التحكم بزمام اﻷمور رغما عنك..
ها هو يخفض تدريجيا صوت العرض ..
ها هو يحاول جاهداً و في غريزية مطلقة أن يدفعك بعيداً عن المشهد برمته ..
اﻵن فقط يمكنك تنشق بعض الهواء بينما وجدت نفسك مرتميا بجانب سيارتك على حافة الرصيف وسط مجموعة من الغرباء ممن يحاولون مساعدتك بينما يصرخون:  " إسعاف .. إسعاف .. حد يكلم الإسعاف .."
ها هو المشهد داخل عقلك يصبح أكثر وضوحا شيئاً فشيئاً .. أو هكذا توهمت !
فالمشهد اﻵن لم يعد أكثر وضوحاً، بل أكثر إيلاماً من تلك الشظايا التي بدأت تشعر بوخزاتها في كل أنحاء جسدك ..
المشهد اﻵن لم يعد إلا أكثر بعداً عن وطنك الذي ألفت فيه السلام و الأمن و التسامح ..
المشهد اﻵن لم يعد إلا أكثر قسوة من قلوب هؤلاء الذين ظننت أنهم استنفذوا كل مخزون البشرية من القسوة و العنف و الكراهية بعد أن فقدوا السلطة، و ضاع منهم حلم الخلافة.
ما أود منك أن تتيقن منه هنا هو أن العرض التالي بالتأكيد هو رهن بقرارك أنت وحدك..
فإما أن تستسلم لجراحك تاركاً وطنك لخفافيش الظلام و تسقط مرة اخرى داخل ذلك الوعاء..
 أو أن يكون قرارك هو عدم الرضوخ لكل ذلك الإرهاب، و كل ذلك الرعب الذي يريدون أن يزرعوه داخل قلوب الجميع، و أن تؤمن أننا بوحدتنا، و تقبلنا لاختلافنا في رؤية مصلحة الوطن، و بنقدنا لعيوبنا دون مزايدة او تجريح، قادرون على هزيمة إرهابهم و تجاوز هذه الأوقات العصيبة من عمر الوطن لكي نمنح تلك الأم، و ملايين الأمهات الأخريات، فرصة أخرى لكي ترى وليدها الذي تركته في الروضة سالماً مرة أخرى، و لكي تعلمه كم هي مصر جديرة بحبنا لها، و كم هو مقدس ترابها الذي نحيا فوقه، و كم هو عظيم شعبها الذي طالما كان على قدر التحديات ليخرج من محنة بعد الأخرى أفضل تلاحماً، و أعمق وعياً، و أشد قوةً، و أكثر إيماناً بأن مصر حتماً .. ستنتصر.
حمى الله مصر و شعبها.

Saturday, October 15, 2016

مصر .. بين استقلال القرار و الاقتصاد المنهار !

إيهاب الشيمي

حين بدأت حرب التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد انقلاب الحوثيين و علي عبد الله صالح في اليمن انتشرت شائعات اشتراك مصر برياً فيها كالنار في الهشيم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، و على كراسي مقاهي المحروسة، بل و على مقاعد وسائل المواصلات.
 
 و بدأ الإخوان و من يمولهم و من يسير خلفهم لمصلحة يرجوها، و الليبراليين الذين يرون في النظام السعودي كل أركان الرجعية و انتهاك حقوق الإنسان، و اليساريين الذين لا هم لهم سوى المعارضة دون طرح الحلول، و القوميين الذين يرون في النظام السعودي خطراً داهماً على القومية و الهوية العربية، و مغيبي العقل من يرددون السخافات دون إدراك لحقائق الأمور، بدأ كل هؤلاء بالهجوم على القيادة السياسية في مصر، و كيف أنها ستدفع بفلذات أكبادنا إلى أتون الحرب البرية في اليمن مقابل الحصول على المليارات السعودية لتمويل اقتصادها المتداعي !

و لكن حين مرت الأسابيع تلو الأخرى دون أن يحدث ذلك و ظهر كذب ادعاءاتهم جميعاً، و أن دماء المصريين و أرواحهم لم تكن رخيصة لدى القيادة السياسية كما كانوا يروجون، بدأوا في الهجوم من زاوية أخرى تناقض تماماً موقفهم السابق !
 
فالقاهرة التي كانت تابعةً للسعودية و ستدفع بجنودها إلى مصارعهم في اليمن مقابل المال، تحولت فجأة " بقدرة قادر " لتصبح معارضةً للرياض، بمساندتها لبقاء الدولة السورية موحدة، و رفض دعم الفصائل المتشددة المسلحة التي تدعمها السعودية و الولايات المتحدة بحجة تصنيفها كمعارضة معتدلة، و أصبحت القاهرة كما يدعون خصماً للشعب السوري و ثورته !
 
و لم يخجل هؤلاء من ذلك التناقض في مواقفهم، و لم يعطوا تفسيراً لكيفية تحول ثوابتهم الليبرالية و القومية و اليسارية من معارضة النظام السعودي إلى مساندته فجأة لمجرد أن ذلك سيصب في مصلحة هجومهم على القيادة في مصر !

ثم أعاد كل هؤلاء الكرة، ليبدأوا هجوماً جديداً هذه المرة، و لكن من خلال إعادة الترويج للكذبة الأولى التي تروج لتبعية القاهرة و انصياعها لرغبات الرياض، بل و إهداء جزيرتي البحر الأحمر للعاهل السعودي مقابل المليارات و النفط السعودي الذي سيضخ الدماء في شرايين الاقتصاد المصري !

ثم ما لبث هؤلاء أن اتهموا القاهرة من جديد بالغباء السياسي و الدفع بالبلاد للانهيار بمعارضتها للنهج السعودي في معالجة الأزمة السورية، و كيف أنها بمساندتها للقرار الروسي بمجلس الأمن قد اضرت بمصالحنا مع الرياض، و هم من كانوا قد اتهموها سابقاً ببيع أرواح و دماء و أرض المصريين لصالحها !

و هكذا أصبحت مواقفنا من الرياض لدى هؤلاء سبباً للهجوم على القيادة السياسية في جميع الأحوال لخدمة أهداف من يريدون زعزعة الاستقرار و فقط في مصر دون رغبة حقيقية في النقد البناء أو النصح الرشيد ..
فحين تتوافق الآراء، فذلك تبعية و بحث رخيص عن المال و الدعم لا يليق بمصر ..
و حين تتباعد الرؤى و المصالح، فذلك إضرار بمصالح مصر الاقتصادية و الإقليمية و خيانة لحق الشعب السوري في الحرية !

و يبقى السؤال ..
 
لو أن الرجل القابض على مقاليد الأمور في القاهرة يبحث عن المال كما يدعي هؤلاء لدعم نظامه على حساب مصالح وطنه و شعبه، ألم يكن من الأسهل عليه أن يرسل سفناً محملة بالآلاف من الجنود إلى اليمن كما فعل مبارك أثناء حرب الخليج الأولى ليحصل على المليارات التي يحتاجها بشدة لسد العجز الهائل في موازنته ؟
 
لو أن الرجل كما يدعي هؤلاء يبحث عن المال، ألم يكن من الأسهل عليه دعم الموقف السعودي و الأمريكي في سوريا و لتذهب وحدة أراضيها إلى الجحيم و لتبقى شبه دولة يستبيح الجميع أراضيها لعقود طويلة قادمة كما هو الحال في العراق الآن ؟

لو أن الرجل يبحث عن المال، ألم يكن من الأسهل عليه التخلي عن البرلمان الذي انتخبه الشعب الليبي في طبرق ليؤيد حكومة السراج التي أتى بها الغرب ليحصل على كل ما يريد من النفط تحت حماية القوات البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي و حلف الأطلسي و ليذهب مستقبل مصر إلى الجحيم بعد أن يسيطر المتطرفون الإسلاميون على ليبيا بعد أن تم دمجهم في حكومة السراج ليعيدوا إنتاج المشهدين المصري و التونسي من جديد ؟

لو أن الرجل يبحث عن المال، أليس الأولى به أن يحوله لحساباته و حسابات معاونيه بدلاً من إنفاقه على مد و تطوير شبكات الطرق و إنشاء محطات الكهرباء و تطوير البنية التحتية و مكافحة فيروس سي و بناء الموانئ و شق الأنفاق تحت قناة السويس لتنمية سيناء، و أن ينأى بنفسه عن النقد و الهجوم و التساؤلات التي لا تتوقف حول جدوى هذه المشروعات بينما يمكنه أن يضخ كل ذلك لدعم السلع الأساسية و زيادة المرتبات ليستمتع بالاستماع إلى هتاف المواطنين بحياته كما كان يفعل سابقوه ؟
 
و السؤال الأهم .. لو أن الرجل يبحث عن المال كما تدعون، ألم يكن من الأسهل عليه أن يبتعد عن المغامرة بحياته و عن مواجهة الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي،  بأن يبقى وزيراً للدفاع في حكومة مرسي و يضمن تدفق الأموال لصالحه هو و المقربين منه مقابل ضمانه ولاء الجيش للمرشد و استيلاء داعش على سيناء ؟
 
نعم .. لا أنكر أن لدى الرجل تركة ضخمة من الفساد و المحسوبية و الخلل الشديد في منظومة العدالة الجتماعية، و أنه تأخر كثيراً في التعامل معها جميعاً مقابل التفكير في مشاريع ستؤتي ثمارها على المدى الطويل ..

و لا أنكر أني من أشد المنتقدين لخياراته بشأن من يتولون مهام الحكومة و من يعتمد عليهم من بقايا عهد مبارك ممن لن يقدموا الجديد لاجتياز التحديات الاقتصادية القائمة ..

و لا أنكر أنه لم ينجح حتى الآن في اختيار مقاربة إعلامية ناجحة لمخاطبة المشكلات القائمة بالفعل لدى رجل الشارع، و البعد عن النظرة الاستعلائية التقليدية للحكومة في مصر التي تحتفظ لنفسها بكل المعلومات و تبقي الجميع في الظلام بحجة الحفاظ على الأمن القومي، و هو ما أفقده الكثير مما كان يحظى به من ثقة و دعم ..

لكني مع ذلك، لا أشك مطلقاً في ولاء الرجل لمصر و رغبته في خلق مستقبل أفضل للجميع، و الاحتفاظ باستقلال القرار الوطني بعيداً عن أي حسابات إقليمية أو ارتباطات بجماعات ضغط داخلية، أو أي دعم مالي أو اقتصادي قد يظن البعض أنه يمكن من خلاله شراء مواقفنا !
 
أما أنتم .. يا من ترددون و فقط ما يروج له هؤلاء من شائعات دون أن تتوقفوا لحظة لفهم ما يدور في الكواليس، أو لرؤية التناقض في مواقفهم السياسية و الأيديولوجية ..
 

أتدرون ما مشكلتكم ؟

مشكلتكم .. أنكم لا تدركون أن علاقات الشراكة و الدعم بين الدول تحكمها مصالحها المشتركة و ثوابتها التاريخية التي لا تتضمن التبعية المطلقة أو العداء الأبدي !
 

مشكلتكم .. أنكم لا تدركون قيمة هذا الوطن العظيم ..

أو دعوني أكون أكثر صراحة، أو وقاحةً إذا رأيتموها كذلك، لأقول لكم :
مشكلتكم الكبرى أنكم و ببساطة .. مجرد حفنة من الأغبياء !

Wednesday, October 5, 2016

أكتوبر .. النصر الذي يكرهونه !


إيهاب الشيمي

رابط المقال على روزاليوسف المصرية

"نصر أكتوبر !!!
إنت بتصدق الحاجات دي برضه ؟ 
دي حاجات السادات ضحك عليكم بيها و خان سوريا عشان يعرف يبيع البلد للأمريكان يا ابني"
ربما يتملكك الآن غضب شديد من قراءة هذه العبارة و حينها أستطيع أن أتخيل أنك لم تسمع هذه الكلمات من قبل ، و قد تكون أسوا حالاً كمن أتعسهم الحظ مثلي، منذ سنوات مضت و حتى الآن، بلقاء الكثيرين ممن يروجون لهذه الادعاءات و الافتراءات التي تشوه نصر الشعب المصري العظيم في أكتوبر، بل و تنفيه تماماً في بعض الأحيان.

و لن أجهد عقلك في تخيل هيئة من سمعتهم يرددون هذه العبارة، أو التكهن بجنسياتهم، أو استنتاج انتماءاتهم السياسية، و الدينية, و الطائفية، فالقائمة تطول و الأساليب  متعددة، و لكنك ستجد الأمر أكثر سهولة حين تتبين الهدف الذي يوحدهم جميعاً، و هو دائماً قتل كل ما يمكن أن يشعر معه أبناء هذا الوطن بعزتهم و كرامتهم و قدرتهم على تحقيق المستحيل رغم كل المصاعب و المعوقات و التحديات، و قتل الإيمان بقيم الانتماء و البذل و العطاء من أجل مصر و شعبها العظيم.

و لن يمكنك بالتأكيد مواجهة أية صعوبة في معرفة من يحتل رأس القائمة، و هو العدو الأول "إسرائيل" و من خلفها "الولايات المتحدة الأمريكية"، و اللتان روجتا منذ نهاية الحرب و حتى الآن لأكذوبة أن عملية "يوم كيبور"،كما يسمونها، انتهت بلا منتصر أو خاسر، بدليل وجود القوات الإسرائيلية غرب القناة في الدفرسوار مقابل وجود القوات المصرية شرقها، و أن قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار هو ما حسم الأمور و جنب المصريين ويلات الرد الإسرائيلي. و هنا عزيز القارئ يمكنك بسهولة اسناد مهمة الرد على تلك الأكاذيب إلى لجنة "أجرانات" التي شكلها الكنيست لتقصي الحقائق عن الحرب، و التي اعترفت بالخسائر الفادحة على المستويين السياسي و العسكري، و حملت رئيسة الوزراء "جولدا مائير"، و وزير الدفاع "موشي ديان"، و رئيس الأركان "ديفيد إليعازر" كامل المسئولية عما أسموه في التقرير "الزلزال" الذي هز إسرائيل اعتماداً على شهادات كبار الضباط و القادة العسكريين و أجهزة المخابرات الإسرائيلية، و أعضاء لجان الدفاع و الأمن بالكنيست. و هو ما يمكن تاكيده بتصريحات كيسينجر نفسه من أن الولايات المتحدة هي من عمدت إلى إصدار قرار وقف إطلاق النار لتجنب فضيحة كبرى تدمر سمعة صناعة السلاح الأمريكية إذا قامت مصر بالقضاء على الدبابات الأمريكية التي نجح "شارون" بالعبور بها إلى الغرب في الدفرسوار.

و دعني اقترح عليك بعضاً من الأسماء الأخرى الموجودة بالقائمة، و ليكن أولها "الاتحاد السوفييتي" !! ... نعم "الاتحاد السوفييتي" و أعلم انك قد تجد بعض الصعوبة في تفهم ما دفعني للزج بإسمه بينما من المفترض أن يكون من المروجين للنصر المصري و حقيقة انتصار السلاح الروسي على نظيره الأمريكي، و لكن الحقيقة أن أجهزة المخابرات الروسية، و سفيرهم في القاهرة في الفترة من 1970 و حتى 1974، قد رفعوا عدة تقارير تهدف للتغطية على فشلهم في توقع تحركات الرئيس "السادات"، الذي أقصى رجالهم المقربين في مراكز القوى، ثم طرد المستشارين العسكريين قبل الحرب مباشرة، رداً على تجاهل السوفييت لمطاب المصريين بالمزيد من السلاح و قطع الغيار، و تعامل موسكو مع مصر كمجرد ورقة تتلاعب بها في حربها الباردة مع الولايات المتحدة.

و لتجنب غضب القيادة في موسكو قام السفير و أجهزة المخابرات الروسية في القاهرة بطرح نظرية أن "السادات" قد اتفق سراً مع الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل لرسم خطة هذه الحرب "المزيفة" لكي يمكن للسادات الحصول على الدعم و التمويل الأمريكي اللازم لإعادة بناء الاقتصاد المصري من خلال ما سيتلو هذه الحرب من عملية طويلة للسلام، و في المقابل يمكن لأمريكا قلب موازين القوى في المنطقة بتحويل مصر، و هي الحليف التاريخي للسوفييت، إلى حليف لها و البدء في ترسيخ دعائم وجود الكيان الصهيوني في المنطقة. و استغل السفير و أجهزة الاستخبارات الروسية في إقناع الجميع بنظريتهم المزعومة غضب القيادة في موسكو من طرد "السادات" للمستشارين السوفييت، و رغبة "الكرملين" الدفينة أن تخسر مصر الحرب، أو لا تحقق أهدافها منها على الأقل، لكي تكون عبرة لغيرها من الدول التي تتحدى الإرادة الروسية و تخرج عن سياق لعبة الحرب الباردة.

و يفترض بك عزيزي القارئ لكي تصدق هذه "الخزعبلات" أن توافق على فكرة أن إسرائيل اشتركت مع "السادات" في هذه الحرب "المزيفة" كما يدعي السوفييت، و وافقت على التخلي بكل بساطة عن سيناء و ثرواتها و عن خليج العقبة و خليج السويس بكل ما يمثلانه من أمن قومي و ثروة نفطية،!! كما أنها ضحت و بصدر رحب بمليارات الدولارات التي أنفقتها لتحظى بأقوى خطوط التحصينات الدفاعية في التاريخ و التي أقامتها على خط بارليف بطول القناة، و أنها وافقت على تدمير أكثر من 300 طائرة تحمل خيرة طياريها الذين طالما تباهت بأنهم ذراعها الطولى، و أن تتقبل فكرة أن جولدا مائير زجت بأكثر من عشرة آلاف من خيرة جنودها إلى الهلاك ممن انتهى بهم الأمر بين قتيل و جريح، فضلاً عن تدمير أكثر من 1000 دبابة إسرائيلية، و تدمير الفكرة الأسطورية التي زرعها الصهاينة في نفوس و عقول اليهود و العرب و الغرب لعقود طويلة من أن الجيش الإسرائيلي جيش لا يقهر.

و دعنا ننتقل إلى اقتراحي التالي في القائمة، و هو للأسف الكثير من العرب الذين رفضوا حقيقة أن الهدف من حرب أكتوبر لم يكن ان تقوم مصر نيابة عنهم بتحقيق اسطورة "إلقاء إسرائيل في البحر" كما ظل قادتهم يروجون لهم لعقود، و رفض هؤلاء القادة لاستراتيجية "السادات" التي قامت على استغلال الحرب كبداية  لتحريك المياه الر اكدة في العملية السياسية في الشرق الأوسط، و فرض أمر واقع على الأرض يمنح العرب مركز القوة الذي ينشدونه اثناء محادثات السلام لاسترداد أراضيهم و عودة إسرائيل لخطوط ما قبل يونيو 1967 و تنفيذ قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن.

و لم يستطع هؤلاء تجاوز صدمة حديث "السادات" عن عملية السلام بعد عشرة أيام فقط من الحرب في خطاب النصر الذي ألقاه في مجل الشعب المصري يوم السادس عشر من أكتوبر 1973، و الذي انقسم بين شرحه لتحديات قرار الحرب و تفاصيل النصر، و بين رؤيته لعملية السلام التي فتح هذا النصر الباب لها على مصراعيه.
و في هذا الإطار بدأ هؤلاء في الترويج لفكرة "خيانة السادات" لحليفه "حافظ الأسد" و تخليه عن دعمه و الاكتفاء بما حققه على الجبهة المصرية، و هو ما أدى في النهاية برأيهم لفشل الهجوم السوري في الجولان و استعادة اسرائيل لمواقعها هناك.

و للرد على هؤلاء عزيزي القارئ، فيجب ان تعرف أن هضبة الجولان هي مكان مرتفع يمكن لمن يسيطر عليه أن يكشف بالكامل الجانب الغربي المتمثل في وادي نهر الأردن الذي يمر من خلاله نهر الأردن الفاصل بين العمق الإسرائيلي و سوريا، بل و رؤية العمق الإسرائيلي بالكامل، بينما يمكنك في الجهة الشرقية منها كشف العمق السوري وصولاً إلى دمشق على بعد ما يقرب من 40 كيلومتراً فقط.

و في يومي السادس و السابع من أكتوبر تمكنت القوات السورية و بنجاح من اجتياح الخطوط الدفاعية الإسرائيلية و النقاط الحصينة و السيطرة على الهضبة بالكامل، و تمكنت من كشف الوادي بالكامل تحتها، و كشف الكباري التي تنتشر فوق نهر الأردن ، و التي تمر مباشرة إلى داخل العمق الإسرائيلي، و هو ما اعتبره "ديفيد اليعازر" و "جولدا مائير" الخطر الأكبر ليس على فرصهم في كسب الحرب و حسب، و لكن في خسارة وجود دولة "إسرائيل" بالكامل.

و لم يكن على السوريين،بعد أن صاروا في مركز القوة، سوى التحرك نحو كباري نهر الأردن و السيطرة عليها و تهديد العمق الإسرائيلي، أو تدميرها على أقل تقدير لمنع الاحتياطيات الاسرائيلية من عبور الكباري مرة اخرى إلى الجولان، و لكن المفاجأة الكبرى أن السوريين فضلوا البقاء في مواقعهم فوق الهضبة و عدم الاشتباك أسفل الوادي.

و هنا استغل "اليعازر" الفرصة و دفع بكل ثقله نحو الجبهة السورية للحفاظ على كيان "إسرائيل" و كثف من غارات سلاح الجو على المواقع السورية، و استطاع دفع احتياطياته عبر كباري نهر الأردن، التي لم يدمرها السوريون، لتحتل الجولان مرة اخرى و تكبد السوريين خسائر فادحة، و هو ما دعا الرئيس "السادات" لمخالفة نصائح قادته و الأمر بالاستجابة لطلب "حافظ الأسد" بتخفيف الضغط على السوريين من خلال تقدم الدبابات المصرية إلى عمق سيناء في اتجاه الاحتياطيات المدرعة الاسرائيلية، و هو ما جعل القوات المصرية تبتعد عن مجال حماية صواريخ الدفاع الجوي المصرية لها و سمح للطائرات الاسرائيلية بتدمير ما يزيد على الف دبابة مصرية أثناء سعي المصريين لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية، و هو ما سمح أيضاً بالتالي للدبابات الاسرائيلية باستغلال الارتباك الحادث للقيام بعملية عبور خاطفة إلى غرب القناة في الدفرسوار، تكمنوا خلالها من تدمير بطاريات الصواريخ المصرية التي تحمي قواتنا في الشرق، ليبدأ بعدها حصار قوات الجيش الثالث في السويس.

و هكذا أصبحت التضحية بثلث المدرعات المصرية دون غطاء جوي في سيناء و تبدل مراكز القوى على الجبهة المصرية من أجل تخفيف الضغط على السوريين، ثم القبول بوقف إطلاق النار لإجبار إسرائيل على الجلوس إلى مائدة المفاوضات و الانسحاب الكامل خيانة للسوريين و لقضية الصراع العربي الإسرائيلي في نظر هؤلاء.

و يمكنك عزيزي القارئ إضافة اسماء اخرى للقائمة من أدعياء "الشرعية المزعومة"، و من يوالونهم من المرتزقة و المأجورين من أصحاب المصالح و منفذي خطط استعادة الخلافة، الذين أنكروا من قبل على المصريين حقهم في الفرح بنصرهم في أكتوبر ليقوموا بعده بشهور قليلة بعملية دنيئة في أبريل 1974 قتلوا خلالها العشرات في الكلية الفنية العسكرية اثناء محاولتهم الاستيلاء على أسلحة تمكنهم من تنفيذ عملية اغتيال "السادات" و الاستيلاء على الحكم، كرد لجميله بإطلاق سراحهم من السجون ليواجهوا المد اليساري.

كما يمكنك، و للأسف الشديد، هذه الأيام، و عبر متابعتك لشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة السذج و فاقدي البصيرة، ممن لم يستطيعوا التفرقة بين كراهيتهم لأشخاص ينتمون للمؤسسة العسكرية، و بين حقيقة أن أكتوبر هو نصر المصريين جميعاً و ليس الجيش فقط.

ما أود أن أقوله لكل من تحتويه هذه القائمة المقيتة، هو أن نصر أكتوبر الذي تكرهونه كان انتصاراً معنوياً و سياسياً و عسكرياً و استراتيجياً بكل ما تعنيه هذه المصطلحات من معاني..

لقد انتصرنا في أول حرب، بالمعنى الحقيقي للكلمة، يخوضها العرب ضد إسرائيل في القرن العشرين و قضينا على أسطورة الجيش الذي لا يقهر التي طالما روج لها العدو ..

لقد انتصرنا على أصعب مانع مائي في العالم، و على أعلى سد ترابي في تاريخ الحروب الحديثة، و على أقوى خط دفاعي يحتاج بشهادة الخبراء العسكريين لقنابل نووية لتدميره ..

لقد انتصرنا على الولايات المتحدة بما تمثله من قوة عظمى متقدمة علينا في الكم و الكيف و التكنولوجيا و الإمكانيات ..

لقد انتصرنا على الاتحاد السوفييتي الذي حرمنا السلاح و انفرد بأسراره لمستشاريه، و بث اليأس في نفوسنا من إمكانية تحقيق أي انتصار، و جعلنا مجرد ورقة في لعبة الحرب الباردة ..

و الأهم من ذلك كله أننا انتصرنا على مخاوفنا من الفشل، و تغلبنا على افتقادنا للثقة بأنفسنا، و استعدنا من جديد الإيمان بوطننا و أمتنا و شعبنا و قيادتنا.

و هكذا عزيز القارئ .. أيها المصري الفخور بعروبته، لا أريد منك في النهاية إلا أن تكف عن الالتفات لدعاوى الحاقدين، و أن تزداد فخاراً و عزة بانتمائك لهذا الوطن، و أن ترفع في يوم انتصارك رأسك عالياً أمام الجميع لأنك ببساطة .. مصري.