Saturday, September 3, 2016

مصر .. بين إدارة الفقر و تنمية الموارد !




 إيهاب الشيمي

لا يستطيع أحد ممن يقرأون هذه السطور أن ينكر أن معظم الأحاديث الخاصة بين أفراد الأسرة في البيوت المصرية، أو بين الأصدقاء على المقاهي، أو بين العمال في فترات الراحة في المصانع، بل و بين من جمعهم القدر على غير ميعاد دون سابق معرفة في وسائل المواصلات تدور الآن عن ارتفاع أسعار السلع و الخدمات يوماً بعد الآخر و كأن هناك سباقاً محموماً فيما بينها للوصول لقمة الجبل التي لا يستطيع أحد من هؤلاء حين يصل إليها أن يجد في جيوبه ما يمكن أن يكفيه للحصول عليها !

 و لن أخفيكم سراً حين أقول أن تلك الأحاديث لا تدور في فلك الطبقات الفقيرة و الأكثر فقراً ممن دأبت الحكومات المتعاقبة على وصفهم بمحدوي الدخل الذين يجب أن يحظوا بالقدر الأوفر من الرعاية و الدعم، بل إن الأمر تخطى هؤلاء ليطال الطبقات المتوسطة و المرتفعة الدخل نسبياً ليهدد جودة الحياة التي اعتادوا عليها أو التي حرصوا على أن يوفروها لأبنائهم من جودة التعليم و العلاج و الغذاء.

و لن أخوض هنا في تفاصيل المعاناة النفسية و المالية التي يعانيها كل فرد من هؤلاء، فالتفاصيل ليست بالأمر المهم طالما ظلت الخطوط العريضة و تأثيراتها و تبعاتها تقترب من التطابق لديهم جميعاً، و الأمر بكل همومه يطال الجميع و منهم كاتب هذه السطور. و لكن ما يهمني هنا هو تلك التفصيلة الثابتة في كل هذه الأحاديث، و التي تتمثل في استغلال كل من يريد العبث باستقرار مصر ممن ينتمون للإخوان المسلمين تنظيمياً أو أيديولوجياً، أو يعارضون ثورة الثلاثين من يونيو سياسياً، أو كارهي المؤسسة العسكرية المصرية، و بالطبع المتعاطفين مع نظامي مبارك و مرسي لهذا الاحتقان و السخط الشعبي.

و يمكنك عزيزي القارئ أن ترى علامات ذلك الاستغلال من خلال عدة جمل نمطية يكررها كل هؤلاء مثل: " شفت السيسي عمل إيه في البلد ؟ الناس خلاص مش لاقية تاكل " ..  و " الجيش خلاص خربها !" .. و " ما كانش عاجبكم أيام مرسي لما كان الدولار بستة جنيه ! اشربوا بقى دولار السيسي أبو 12 جنيه " .. و أيضاً " فين أيام مبارك لما كانت العشرين جنيه بتكفي الواحد أسبوع !"

لا أستطيع أن أمنع نفسي من الابتسام بخبث هنا، فأنا أعلم أن الكثيرين ممن ينتمون لهؤلاء قد امتنعوا الآن عن استكمال قراءة مقالي هذا .. و لكني سأكتفي بك وحدك عزيزي القارئ لأطلعك على بعض الخطوط العريضة لأسباب ما تمر به البلاد الآن !
فأسباب ارتفاع الأسعار يمكن حصرها في رأيي المتواضع في ثلاثة أسباب رئيسية :
.. جشع التجار و غياب الرقابة الحكومية
.. التقليص التدريجي لدعم الوقود و الطاقة و زيادة الرسوم على الواردات
.. انخفاض قيمة العملة المحلية و تراجع احتياطي النقد الأجنبي

و لن أخوض في تفاصيل النقطة الأولى لأنها ببساطة لا تخفى عليك، فأنت غالباً تعرف هؤلاء التجار شخصياً، كما أنك تطالع وجوه رئيس و أعضاء الحكومة يومياً على شاشات التليفزيون و في صدر صفحات الجرائد و تبتسم في سخرية كلما استمعت لقراراتهم حول تشديد االرقابة و استحداث العقوبات بالتنسيق مع الغرف التجارية المختلفة، تلك القرارات التي تعلم جيداً أن مصيرها هو أدراج أرشيف الوزارة لتعلوها الأتربة حتى يلتهمها حريق مجهول الأسباب في النهاية !

و لكني سأركز هنا على النقطتين الأخرتين و سأبدأ بتأثير الدعم على ارتفاع السعار و غلاء المعيشة ..
فلو أنك ممن تجاوزوا الثلاثين من العمر فسيمكنك بسهولة أن تسترجع تلك الصورة المثيرة للسخرية التي كنا نشاهدها على شاشة التليفزيون الرسمي في عيد العمال، حين كان يصرخ أحد القابعين في الصفوف الخلفية هاتفاً: " المنحة يا ريس" .. ثم يرد آخر من الجهة المقابلة: " العلاوة يا ريس" و هنا يبتسم ذلك الأخير موجهاً كلامه لرئيس الحكومة قائلاً: " عايزينك تزود العلاوة حبتين السنة دي .. قول للحكومة تفك الكيس شوية !"  لينفجر الجميع في الضحك ثم يتعالى التصفيق و الهتاف بحياة الرئيس !
ذلك المشهد الذي يبدو في ظاهره انحياز الرئيس للطبقة الكادحة و محدودي الدخل، بينما في الحقيقة يبطن في طياته أسباب الواقع الأليم الذي نعيشه الان جميعاً !

فنظام مبارك خدع الجميع ببقاء الأسعار عند مستويات ثابتة تقريباً، أو دعني أكون أكثر تحديداً بقولي أنه أبقاها عند مستويات تمكنه من تجنب الغضب الشعبي لأكبر فترة ممكنة.
فلقد اعتمد مبارك على الزيادة المستمرة للأجور عاماً بعد الاخر، و الإعلان عن وظائف حكومية لا حاجة لها سنوياً، و توفير مخصصات هائلة لدعم مشتقات الوقود من الغاز و المازوت و البنزين و كذلك دعم الكهرباء و هو ما مثل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة.
و ما زاد الطين بلة، أن ما تكلفته الدولة هنا لم يتم توجيهه إلى مستحقيه، بل استفاد منه أباطرة صناعة الحديد و الإسمنت و السيراميك الذين حصلوا على الوقود و الطاقة بالسعر المدعوم بينما باعوا منتجاتهم بالأسعار العالمية ليحتفظوا بالفارق في خزائنهم، و ليزيد نفوذهم، و يزيد بالتالي نفوذ و سطوة الحزب الحاكم الذي مثلوا رموزه و قياداته العليا !

و هكذا يمكنك بسهولة عزيزي القارئ تبين الحقيقة المؤلمة، و الإجابة عن السؤال الأكثر إثارة للحيرة بين الجميع: " هو مبارك كان مدورها إزاي ؟!" .. فالرجل لم يفعل شيئاً سوى توجيه معظم بنود النفقات في الموازنة العامة نحو تخدير الشعب و ضمان تجنب سخطه و غضبه و ذلك بالعمل على الزيادة الدورية للأجور، و خلق فرص عمل وهمية لا تساهم بأي شكل في زيادة الانتاجية، و العمل كذلك على زيادة الدعم الذي يلتهمه في النهاية رجاله المقربين أو من يشبهونهم من "حيتان السوق" كما يحب البعض أن يطلق عليهم، ممن أدمنوا التحايل على القانون لتمرير الدعم لصالحهم كما حدث مؤخراً في قضية صوامع القمح، و هو ما يفعله مئات غيرهم في سلع و مواد أخرى ، بدايةً من المواد التموينية، و نهايةً بلبن الأطفال الذي يستولي عليه موزعي الأدوية بالسعر المدعم ليبيعوه بأضعاف ذلك السعر في الصيدليات الأهلية !

و يمكنك أيضاً أن تكتشف كيف أن عشرات المليارات المهدرة كان يمكنها أن تنشئ بنية تحتية ضخمة تشمل محطات لتوليد الكهرباء، و شبكات طرق، و موانئ ضخمة، تسهم في فتح آفاق جديدة للاستثمار في مصر، و تعمل على خلق وظائف و فرص عمل حقيقية للجميع تضاعف من الناتج القومي، تجذب المزيد من المستثمرين الرئيسيين من أطراف العالم، و تزيد من موارد العملة الصعبة، و ترفع بالتالي من قيمة احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي .. و لكنه للأسف ما لم يحدث على الإطلاق، و هو ما نحاول الآن أن نتداركه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه !

و كنتيجة لكل ذلك الفساد، و تلك الإدارة الفوضوية لموارد و اقتصاد البلاد، و غياب بنية تحتية حقيقية تسمح بإنشاء قاعدة صناعية تتيح لنا التصدير و الاحتفاظ بقيمة مقبولة و عادلة للعملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، ظلت مصر رهينة الاعتماد على السياحة و قناة السويس كمصدرين أساسيين للنقد الأجنبي، بالإضافة بالطبع لتحويلات المصريين العاملين بالخارج. و أصبح من السهل على أية قوة خارجية تريد العبث باستقرار مصر الاقتصادي و الاجتماعي أن تصل لمبتغاها بتمويل تنظيمات إرهابية و مؤسسات سياسية و مجتمعية تنفذ مخططاتها، بل و افتعال حوادث و اتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر تقوض من قدرتها الاقتصادية و التنافسية.

و لكي أبسط لك الأمور، فقيمة العملة الوطنية و قوتها و ثباتها تعتمد بشكل أساسي على الطلب على هذه العملة، أو بمعنى آخر على المنتجات و الخدمات التي توفرها الدولة التي تتعامل بهذه العملة للأسواق العالمية، فالأمر يشبه تماماً السلعة المعروضة في الأسواق، فإذا كان الطلب عليها ثابتاً و متزايداً، احتفظت بقيمتها النسبية أمام السلع الأخرى، و إذا لم يكن لها حاجة، تدهورت قيمتها بشكل متسارع. و طالما لا نستطيع لأسباب عدة أن نقدم للعالم ما يحتاجه، فلا تنتظر في المقابل إلا أن تتراجع قيمة عملتك المحلية.

و تبسيطاً للأمور أيضاً، فدعنا نفترض أن احتياطي النقد الأجنبي موضوع بصندوق مقسم لجزئين رئيسيين، جزء لا يمكن المساس به و هو الخاص بسداد أقساط الديون الخارجية المستحقة للدائنين، و جزء آخر يتم استخدامه لسد الطلب على النقد الأجنبي سواء من جانب الحكومة لتوفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الأساسية، أو للبنوك العاملة في مصر التي تقوم بدورها بتوفيره للمستثمرين و المستوردين في صورة ضمانات أو تحويلات تمكنهم من إتمام صفقاتهم التجارية و الصناعية اللازمة لدفع عجلة الاقتصاد، و بالطبع للأفراد العاديين الذين يحتاجون للنقد الأجنبي أثناء سفرهم خارج البلاد للعمل أو للسياحة أو حتى لأداء شعائرهم الدينية.

و تخيل معي عزيزي القارئ أن ذلك الصندوق لا يتم تزويده بأي مبالغ تعويضاً عن تلك التي تتناقص تدريجياً من الجزء الأول المخصص لأقساط الديون الخارجية، كما أنه و في إطار غياب مناخ إستثماري حقيقي نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطوط عريضة له، و فشل محافظي البنك المركزي في وضع سياسات تضمن مصالح المستثمرين، و تحفز الآخرين على الدخول في السوق المصرية، فإن  تراجع الصادرات و ما يرافقها من تراجع الدخل السياحي، و تراجع حركة الاقتصاد العالمية و بالتالي حجم الحركة في قناة السويس، تعمل جميعاً على أن يتناقص الجزء الآخر بسرعة شديدة دون أمل قريب في التعويض، خاصةً في ظل توجيه جزء كبير منه لسلع استهلاكية مثل الهواتف المحمولة و السيارات الفارهة و الأجهزة الاليكترونية التي مازال المصريون يصرون على اقتناء الأحدث منها، و ليذهب الاحتياطي النقدي إلى الجحيم !

و يمكنك أيضاً هنا استنتاج سبب تجاوز فارق السعر بين السعر الرسمي و غير الرسمي للدولار لأكثر من 50%، فالبنك المركزي سيضطر حتماً أن يعوض تناقص الجزء الأول من الجزء الثاني من الصندوق، و مع تناقص المتوافر بالجزء الثاني بشكل متسارع، فلن يمكن للبنك المركزي إعطاء القدر الكافي من العملة الأجنبية للبنوك المحلية، و بالتالي لا يمكن للمستفيدين من الجزء الثاني من الصندوق الحصول على احتياجاتهم لاستمرار أعمالهم، و هو ما سيدفعهم للبحث عن النقد الأجنبي في " السوق السوداء"، و التي يستغل تجارها الأمر لفرض ما يريدون من فارق في السعر.

و هكذا يمكنك أيضاً عزيزي القارئ أن تتوقع أن الأمر في النهاية سيصل بنا إلى فراغ الصندوق تماماً لنجد أنفسنا عاجزين عن سداد التزاماتنا الدولية، و عاجزين أيضاً عن استيراد السلع الأساسية و مستلزمات الإنتاج لينهار كل شئ !

و بالتالي أصبح من الحتمي على الحكومة البحث عن مصدر يعوض و بشكل سريع ذلك التناقص الكارثي في احتياطيات النقد الأجنبي، و للأسف فإن ذلك الحل لم يكن سوى العودة للاقتراض من صندوق النقد  الدولي و المؤسسات المالية الإقليمية مثل البنك الإفريقي، أو من خلال طرح سندات خزانة دولارية متوسطة الأجل.
و لن أخوض في جدلية صلاحية ذلك الحل من عدمه، أو في حقيقة فرض صندوق النقد الدولي شروطاً لضمان قدرة الحكومة على السداد للدول الأعضاء من عدمه أيضاً، فالأمر لن يقدم أو يؤخر طالما انتهت المفاوضات و تقرر الحصول على القرض ..

و لن أدعي أيضاً كوني خبيراً استراتيجياً إقتصادياً كأولئك الذين يطالعونا على شاشات الفضائيات، و لكني سأوجز هنا ما اتفق عليه معظم الخبراء في هذا الشأن، فالحكومة مطالبة بتنفيذ الإجراءات الاقتصادية التالية لضمان قدرتها على سداد القرض لصندوق النقد الدولي، و بالتالي موافقة مجلسه التنفيذي على منحها ذلك القرض:
•  خفض فاتورة أجور موظفي الحكومة إلى 7,5% من الناتج المحلي وذلك من خلال التطبيق الصحيح لقانون الخدمة المدنية
•  زيادة مساهمة ضريبة الشركات والمبيعات إلى 6,7% من الناتج المحلي بحلول عام 2018، وذلك من خلال تطبيق قانون القيمة المضافة
•  خفض دعم الطاقة من 6,6% إلى 3,3% من خلال :
زيادة متوسط تعريفة الكهرباء
تفعيل قانون الكهرباء والطاقة بحلول عام 2018
تحقيق فائض في الطاقة الكهربائية قدره 1000 ميجاوات خلال 3 سنوات.
زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الطاقة المتجددة إلى 1500 ميجاوات نهاية 2018
•  تخفيض تعريفة المرور لجذب الناقلات العملاقة و الاستفادة من تطوير المجرى الملاحي لقناة السويس
•  شراء الذهب  لتعظيم موارد البنك المركزي لمواجهة عدم استقرار الدولار

و لكن ما أود أن أؤكد عليه هنا، هو أن ذلك القرض لن يكون سوى دين جديد نضعه فوق أكتاف الأجيال القادمة، و أن كل تلك الإجراءات الاقتصادية لن تكون سوى حزمة جديدة من الأعباء على كاهل الأجيال الحالية، ما لم تلتزم الحكومة و من قبلها الرئيس الذي قام باختيارها و البرلمان الذي منحها الثقة بفرض إجراءات إصلاحية إدارية و تشريعية و تنفيذية تستهدف الفساد داخل أروقة الحكومة بشكل أساسي، جنباً إلى جنب مع الإجراءات الاقتصادية التقشفية و إعادة هيكلة الدعم، فلا يمكن أن يكون الشعب دائماً هو ضحية محاولات انقاذ الاقتصاد.
و لا بد أن تشمل هذه الإجراءات ما يلي:
•  أن تلعب القيادة السياسية دورا حاسما فى مكافحة الفساد، وضمان اتخاذ إجراءات مناسبة عند الحاجة
•  تعزيز الشفافية واعتماد معايير دولية فى الشفافية الضريبية والمالية.
•  تعزيز سيادة القانون والملاحقة القانونية الفعالة، وتعيين مؤسسات متخصصة لمواجهة الفساد مع إطار فعال لمكافحة غسل الأموال للحد من عائدات الفساد.
•  تنظيم وتبسيط اختصاصات الموظفين العموميين و الحد من سلطاتهم التقديرية التي تمكنهم من تجاوز القانون و طلب الرشى و تعطيل تدفق الاستثمارات.
•  وضع إطار مؤسسى لمنع الاحتكار.
•  وضع حوافر مناسبة للسلوك الجيد و ضمان أجور وإجراءات فعالة تضمن عدم مساواة العاطل بالباطل، و تحفز الجميع على الأداء من أجل مصلحة الوطن.

و طالما التزمت الحكومة و الرئيس و البرلمان بكافة جوانب الإصلاح الاقتصادي و التشريعي و التنفيذي و ليس فقط بفرض المزيد من الضرائب و تقليص الدعم، و فرض المزيد من القيود الحمقاء على التعامل في النقد الأجنبي، فلن يكون لدي من خيار سوى تأييدهم جميعاً .. و حتى يتحقق ذلك الأمر فسأبقى في جانب المنتقدين طالما ظل القائمين على الأمور لا يملكون من الخبرات سوى تلك التي تعمل على أدارة الفقر، بدلاً من الواجب توافرها و التي تعلم كيفية استغلال الإمكانيات المحدودة حالياً لتنمية الموارد اللامحدودة لهذا الوطن العظيم من أجل مستقبل أفضل لكل المصريين.

Saturday, July 23, 2016

شرعية الثورة .. بين يوليو و يونيو !



بقلم: إيهاب الشيمي

" اجتازت مصر فترة عصبية في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرهم إما جاهل أو خائن أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم"

بهذه الكلمات التي ألقاها أنور السادات على مسامع الشعب المصري دخلت مصر حقبة جديدة في تاريخها الحديث بدأت يوم الثالث و العشرين من يوليو عام 1952

حقبة الاستقلال التام عن أي سلطة احتلال أو أي سلطة حاكمة تسلم بالتبعية لها و تقبل باستقلال منقوص مقابل بقائها على كرسي العرش على رأس حكومات كرتونية تتداول السلطة فيما بينها بالتناوب بناءاً على أوامر القصر، و برلمان صوري يتحكم به الإقطاعيون.

و لكي تعرف عزيزي القارئ كيف كان استقلال مصر منقوصاً، و كيف كانت أرضها و سماءها و جيشها مسخرين جميعاً لخدمة الامبراطورية البريطانية، فعليك أن تعرف أن مصر كان يتم إدارتها طبقاً لمعاهدة 1936 مع الانجليز، و التي كان من ضمن بنودها ما يلي:

- انتقال القوات العسكرية البريطانية من المدن المصرية إلى منطقة قناة السويس وبقاء الجنود البريطانيين بلا قيد أو شرط.
- تحديد عدد القوات البريطانية  في مصر بحيث لا يزيد عن 10 آلاف جندي و400 طيار مع الموظفين اللازمين لأعمالهم الإدارية والفنية وذلك وقت السلم فقط، أما حالة الحرب فلبريطانيا العظمى الحق في الزيادة دون الرجوع للحكومة المصرية .
- تقوم مصر ببناء الثكنات وفقا لأحدث النظم حتى ينتقل إليها الجنود البريطانيين.
- تبقى القوات البريطانية في الإسكندرية.
- تظل القوات البريطانية الجوية في معسكرها في منطقة القنال ومن حقها التحليق في السماء المصرية
- في حالة الحرب تلتزم الحكومة المصرية بتقديم كل التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية وللبريطانيين حق استخدام مواني مصر ومطاراتها وطرق المواصلات بها بلا قيد أو شرط.
- بعد مرور 20 عام من التنفيذ للمعاهدة يبحث الطرفان فيما إذا كان وجود القوات البريطانية ضروريا بناءاً على قدرة الجيش المصري على تأمين حرية الملاحة في قناة السويس وسلامتها فإذا قام خلاف بينهما فيتم اللجوء لعصبة الأمم.
- حرية مصر في عقد المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية بشرط إلا تتعارض مع أحكام هذه المعاهدة و مصالح بريطانيا العظمى.

أعلم أن الكثيرين لا يعلمون شيئاً عن تلك المعاهدة، و أعلم أيضاً أن كثيرين غيرهم، ممن أدمنوا تشويه كفاح هذا الشعب العظيم، يصرون على أن ثورة يوليو لم تجلب سوى الفقر و تراجع الدخل القومي و تراكم الديون متناسين في ذلك، عمداً أو جهلاً أو انسياقاً وراء أبواق الاستعمار و الإمبريالية العالمية، غياب دخل قناة السويس نتيجة سيطرة فرنسا و بريطانيا عليها قبل التأميم، و إغلاقها أمام الملاحة لفترات طويلة في أعقاب التأميم نتيجة للعدوان الثلاثي ثم العدوان الإسرائيلي المدعوم من القوى الغربية، و كذلك تجاهلهم عمداً للحصار الاقتصادي الغربي لمصر و الذي استمر لما بعد إبرام معاهدة السلام بعد قيام يوليو بما يزيد على عقدين من الزمن، و أخيراً انعدام عائدات البترول في سيناء و خليج السويس و العقبة للأسباب ذاتها !

أعلم جيداً أيضاً ان الكثيرين ممن لا يرون من الوطن سوى عيوبه و من كفاح الشعب سوى سقطات بعض من حادوا عن طريقه القويم، يتجاهلون عمداً أن المصريين حققوا  في عهد عبد الناصر معدلات نمو اقتصاديٍ غير مسبوقة وغير ملحوقة حتى الآن ببناء السد العالي و أكثر من 1200 مصنع للصناعات الثقيلة و التحويلية، و إنشاء المدارس و الجامعات، و مراكز الأبحاث، كما توسعوا زراعياً خارج الوادي الضيق بشكل غير مسبوق و حققوا أعلى معدلات لإنتاج المحاصيل الزراعية في أراضي الوادي القديمة، كما أسهموا بشكل فاعل في أوسع عملية للحراك الاجتماعى فى مصر عبر تاريخها من خلال إتاحة مجانية التعليم و تكافؤ الفرص بين الأغنياء والفقراء. و دعني أفاجئك عزيزي القارئ حين أقول لك أن ذلك تم بتكلفة تجاوزت ما قيمته تريليون و نصف دولار أمريكي بتقديرات البنك الدولي حالياً، و بقيمة أصول ثابتة للقطاع العام تجاوزت ما قيمه نصف تريليون دولار أمريكي طبقاً لنفس التقديرات !

و ضمن نفس السياق، فإن من يجهلون قيمة يوليو، و يحقدون على إنجاز الشعب المصري فيها ليحصروه في صورة انقلاب عسكري، يتجاهلون أن حجم ديون مصر بالرغم من كل تلك الظروف المضادة لإقامة اقتصاد وطني مستقل، و كل تلك الأموال التي تم إنفاقها لبناء تلك البنية الاقتصادية التحتية العملاقة، لم تتجاوز يوم وفاة عبد الناصر  المليار و ربع المليار دولار فقط في صورة ديون قصيرة الأمد ليست استهلاكية أو لسداد عجز في الموازنة و لكن لمشروعات انتاجية يتم تسديد الدين من عوائدها.

لن أسترسل أكثر من ذلك في بيان حقيقة إسهام ثورة يوليو في بناء مصر الحديثة المستقلة ذات الثقل الإقليمي و الدولي، و كيف أنها أشعلت شرارة ثورات الحرية في العالم أجمع لتشمل إفريقيا، و أمريكا الجنوبية، و آسيا، فالمجال هنا لا يتسع لذلك، و لكني أريد أن ألقي الضوء على من يناقضون أنفسهم، و يدعون الانتماء لثورات شعبية عظيمة تلت يوليو في يناير 2011 و يونيو 2013 ممن دفعتهم مصالحهم الآنية، و توازناتهم السياسية لادعاء فساد ‫‏يوليو و الترويج لأكذوبة شرعية ‫‏الملك !

و لا أدري كيف لمن خرج في يناير ضد فساد نظام مبارك و تبعيته السياسية للقوى الغربية الكبرى على حساب مصالح الوطن العليا، و استئثار حاشيته و حزبه بموارد البلاد، أن يهاجم يوليو و يصفها بالمغامرة التي قام منفذوها باقتسام كعكة مصر،بينما قامت لنفس الأسباب التي قامت من أجلها يناير مع اختلاف التفاصيل.

كيف لهؤلاء أن ينكروا معاناة مصر و استعباد شعبها و استباحة أراضيها و ثرواتها لصالح أسرة محمد علي و الانجليز ؟!

كيف لهم ان تعمى بصائرهم فلا يروا من يوليو سوى فساد عامر و مراكز القوى، و لا من أكتوبر سوى التبعية لأمريكا، و لا من يناير سوى تآمر الإخوان على الوطن  !

إن من ينكرون حتمية قيام ثورة يوليو و إسقاط حكم الأسرة العلوية بحجة فساد بعض من قاموا بثورة يوليو من الضباط الأحرار أو من انضموا لهم فيما بعد، هم كمن ينفي حتمية ثورة يناير و ينزع عنها غطاء الشرعية و ثوب النقاء لمجرد أن الإخوان المسلمين و بعض جماعات المصالح تآمروا عليها لصالح سادتهم و حلفائهم  في الخارج لتنفيذ مخطط الفوضى الشاملة.

و كلاهما لا يقل سفاهةً عمن يصف يونيو بالانقلاب ضد الديمقراطية، ليحصر الشرعية في صندوق الانتخاب، و يتجاهل أن ذلك الصندوق ما هو إلا مجرد أداة للعمل من أجل الشعب و ليس ضده، و أن قدسيته تسقط بخيانة من تولى الحكم لأمانة الحفاظ على وحدة الوطن و ضمان العدل و المساواة بين كل أبنائه !

لم يبق لي في النهاية سوى أن أذكر الجميع هنا، أنه رضينا أم أبينا، فإنه بدايةً بعرابي و انتهاءاً بالسيسي، فإن حركات التحرر الوطني قادها رجال من الجيش المصري، و هو شئ لا يعيب تلك المؤسسة المصرية العريقة، بقدر ما يعيب و بشدة التيارات المدنية التي لا تتقن حتى يومنا هذا سوى الحديث و الحديث فقط دون طرح حلول حقيقية، أو كيانات سياسية فاعلة يمكنها منح الفرصة للمشاركة السياسية الفاعلة و حرية الاختيار للمواطن المصري في كافة ربوع الوطن بعيداً عن الاتفاقات السرية في سراي الحكم، أو المصالح الشخصية لقادة و رؤساء الأحزاب الذين لا يتقنون سوى اختيار أجود أنواع التبغ التي  يدخنونها في صالونات الأحزاب، و فنادق القاهرة الفارهة !

‫‏إن من ينكرون حتمية الثورة و يتجاهلون الحراك الوطني المصري عليهم أن يدركوا أن الثورة لم تبدأ في يناير و لم تنته في يونيو، فالحراك الوطني بدأه عرابي، و استمر مع ناصر، مروراً بمصطفى كامل و سعد زغلول .. فكلما فسد الحاكم انتفضت الأمة، و سينجب الوادي دوماً من يثور من أجل مصر !

عاشت مصر حرة مستقلة.

Tuesday, May 17, 2016

الطاقة .. التحدي الأعظم أمام مصر المستقبل


إيهاب الشيمي
شعرت اليوم بفخر شديد أنه و بالرغم من كل السلبيات التي ننتقدها في أداء الحكومة و بقايا ممارسات حقبة ما قبل الثورة التي تطل برأسها من حين لآخر، فإنه مازال هناك من يستمع لصوت العقل  في مصر التي يظن الكثيرين في أحيانِِ كثيرة أنه لم يعد هناك بها أحد من العقلاء ..
هذا المقال كتبته أثناء  المؤتمر الاقتصادي و أثبت الرئيس اليوم أني كنت على صواب في كل ما ذهبت إليه فيه.

 "أطبخي يا جارية .. كلف يا سيدي"

مقولة شهيرة يتداولها المصريون دائماً كلما ظهرت الحاجة لتنفيذ أمر معين دون وجود الموارد اللازمة ذلك، او هو ما ينطبق تماماً على الوضع الراهن في مصر، و تطلعاتنا جميعاً للنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال مشهدين، يتطلب الأول خطط قصيرة و متوسطة الأمد تنفذها الحكومة، بينما يجب في الثاني البدء فوراً في مشاريع تنمية مستدامة تنجح مصر في تسويقها من خلال "مؤتمر دعم و تنمية الاقتصاد المصري" في شرم الشيخ.

الشئ المثير للسخرية هنا هو أن الحكومة في المشهد الأول تقوم بدور "الجارية" التي تطلب سن القوانين و تضع شروط رفع الدعم لتنفيذ الخطط الطموحة لسيدها المتمثل في رئيس الجمهورية بينما تقوم في المشهد الثاني بدور "السيد" الذي يطالبه الجميع من مستثمرين و صناديق تنمية دولية و إقليمية و حكومات صديقة بتوفير كل العوامل التي تضمن تذليل كافة العقبات لهم و نجاح "الطبخة" كما يريد الجميع.

و حين نتكلم عن المكونات اللازمة لنجاح "الطبخة"  فلست أجد في كل مكونات الوصفة التي يزخر بها جدول المؤتمر، أهم من تلك المكونات التي تتعلق بمشاريع توليد الطاقة، فبالرغم من وجود مشاريع في قطاعات الزراعة و السياحة و الصناعة و النقل و الإسكان، إلا أنني أجد أن كل تلك القطاعات لن تحقق النجاح المطلوب سوى بوجود منظومة متكاملة للطاقة تستطيع في البداية تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الاستهلاك المتزايدة، ثم ترتقي لتحقق فائضاً يمكنه تعويض أي نقص ينتج عن أي أعمال صيانة أو فشل في أحدى المحطات، و وصولاً في النهاية لتوفير الطاقة اللازمة لكل تلك المشاريع التي نسوق لها في المؤتمر الاقتصادي، و التي سوف تتطلب في حال التعاقد عليها قدراً هائلاً من الطاقة الكهربية و الوقود لضمان استمرارها دون عائق.

و لا يخفى على أحد أن قطاع الطاقة واجه تحديات مزعجة بلغت ذروتها في الصيف الماضي  و أدت إلى الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي على مستوى الجمهورية، و أدت لخسائر اقتصادية كبيرة, نتيجة للارتفاع الشديد في الطلب و الذي بلغ 28 الف ميجاوات مقارنة بقدرة توليد لا تتجاوز 22 ألف ميجاوات من كافة المحطات الحرارية و الكهرومائية المتواجدة في مصر.
و لكن الشئ الأكثر إزعاجا، هو أن الجزء الأكبر من الكهرباء التي يتم توليدها يتم ابتلاعه في أغراض استهلاكية أو منزلية لا علاقة لها بزيادة أو دعم الاقتصاد الوطني،  و هو ما يفسر انخفاض كفاءة الطاقة مقارنة بالناتج المحلي و التي تبلغ 26,000 وحدة حرارية لكل دولار من إجمالي الناتج المحلي, و هو ما يساوي أربعة أو خمسة أضعاف الوضع في الدول الأوروبية.
و ما يزيد الطين بلة، هو أن الطلب سيتزايد سنوياً طبقاً للمعدلات المعلنة من الجهات الرسمية بقيمة تقارب الخمسة آلاف ميجاوات، و هو ما يعني أننا مطالبون بتوفير استثمارات في مجالات الطاقة بقيمة ستة إلى عشرة مليارات جنيه سنوياً لتفادي حدوث انهيار كارثي يتبعه فشل كل المشاريع التي نسعى للحصول عليها الآن.

و قد يرى البعض أني متشائم أو أن الصورة قاتمة بدرجة لا يمكن معها الهروب من الزجاجة التي نصارع للخروج من عنقها منذ عقود، و لكني لست هنا لأحبط الجميع، بل و لا أرى الأمر بهذه الماساوية التي قد تكون تسربت إلى نفوس البعض هنا، فهناك أسباب كثيرة تدعو للتفاؤل, فمصر طبقاً للدراسات التي أجرتها العديد من المؤسسات و المنظمات الدولية المتخصصة، تمتلك أعلى قدرة على توليد طاقة الرياح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و التي من الممكن أن تبلغ في حال قررنا البدء في استغلالها توليد ما يقرب من 30 ألف ميجاوات و هو ما يزيد عن إجمالي ما نولده من جميع المحطات العاملة حالياً.
كما أن أشعة الشمس المباشرة و نسبة سطوعها في مصر تبلغ أربعة أضعاف نسبة ما تحصل عليه ألمانيا من سطوع الشمس سنوياً، و قد بلغت القدرة التي تم توليدها هناك من الطاقة الشمسية 38 ألف ميجاوات خلال العام الماضي فقط أي ما يزيد بمرة و نصف ما ولدناه نحن من كافة محطات الطاقة في مصر خلال نفس السنة.

يمكنك أيضاً عزيزي القارئ ان تتذكر معي محطة الضبعة النووية، و التي ستضم مفاعلين نويين قدرة كل منهما 1600 ميجاوات و ستقوم بتوفير 3200 ميجاوات بحلول عام 2020، ثم سيتبع ذلك إنشاء ثلاث محطات اخرى ليبلغ عدد المفاعلات الكلي ثمانية مفاعلات بقدرة تتجاوز 15 الف ميجاوات و هو ما يزيد على نصف ما ننتجه حالياً.
أستطيع الآن رؤية تلك الابتسامة الخفيفة على وجهك بعد أن قرأت أسباب تفاؤلي، و كيف أننا يمكن ان نصل إلى 100 الف ميجاوات من الطاقة خلال عشر سنوات فقط، و لكن كل ذلك مرهون بنجاح الحكومة في التالي:
أولاً: استغلال المؤتمر الاقتصادي في جذب مستثمرين و مؤسسات دولية لبناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية و طاقة الرياح و الطاقة النووية الآمنة لنبتعد عن الوقوع من جديد في قبضة شركات البترول العالمية، و لنوجه الغاز و مشتقات البترول للقطاعات الصناعية و قطاع النقل بدلاً من استهلاكه بصورة سيئة في محطات الكهرباء.
ثانياً: إصدار التشريعات اللازمة التي تمنح المستثمرين الذين سيقومون ببناء مشاريع توليد الطاقة، حقوق بيع الطاقة الكهربية المتولدة من محطاتهم للحكومة و القطاع الخاص، و هو ما سيكون له أثر إيجابي في توفير أكثر من  خمسين إلى مائة مليار دولار تحتاجها الحكومة لبناء هذه المحطات حتى عام 2025.

يبقى لي في النهاية أن أنصحك عزيزي القارئ أن تركز على ما يهم مصر و ما هو لازم فعلاً لبناء مستقبلها، و ان تتجاهل من فقدوا الهوية الوطنية و لم تعد أبصارهم و قلوبهم ترى من مصر سوى جماعتهم و مرشدهم و مشروعهم الإقصائي و شرعيتهم المزعومة، والذين كانوا يتمنون و بشدة أن يجد السيسي نفسه وحيداً في قاعة المؤتمر دون أن يلبي دعوته أحد ممن دعاهم، و ليفقد بالتالي الشرعية التي يدعون أحقيتهم وحدهم في امتلاكها، و ليمكنهم الترويج لأكذوبتهم، التي لا يصدقها سواهم، أن الرجل يدير نظاما معزولاً، و يفتقد الرؤية و الهدف، و كأن شرعية السيسي و صواب اختيار المصريين في الإطاحة بهم مرهنان بنجاح المؤتمر من عدمه، متناسين بذلك كيف أن مرسيهم ظل عاماً كاملاً غير مهتم سوى بتعديل القوانين و إصدار الإعلانات الدستورية، التي لا تقدم شئ لمستقبل مصر سوى سيطرة جماعته و من هم وراءها على مقدرات مصر و شعبها.

سنثبت لأنفسنا أولاً قبل هؤلاء أننا اتخذنا القرار الأكثر صواباً في تاريخ هذه الأمة العظيمة، و ستنجح مصر و أبناءها من خلال المؤتمر الإقتصادي أو سواه في هزيمة كل التحديات كما فعلت طوال تاريخها، لترتقي للمرتبة التي تستحقها وسط دول العالم، و على هؤلاء ان يختاروا بين الانضمام لمسيرة التنمية و البناء، أو أن يظلوا عائقاً سيتم حتماً تحطيمه في طريقنا لتحقيق حلم "مصر المستقبل".

رابط المقال على روزاليوسف المصرية

Saturday, May 7, 2016

الازدواجية .. مصيبة أمة !

إيهاب الشيمي



السادسة صباحاً في القاهرة..

أحد أيام الأسبوع الأخير من شهر إبريل، و مازالت برودة الجو تجبر الجميع على احترامها بالرغم من مرور موعد رحيلها منذ فترة طويلة، بينما الأفق يبدو من بعيد ملبداً بالكثير من الشوائب و الضباب اللذان ينبئان بيوم حار، في تناقض غريب لم يعتد عليه المصريون في مثل هذا الوقت من العام، و الذي لا ينازعه سوى التناقض الرهيب بين خلو الطريق من شاغليه تقريباً في هذه الساعة، و بين الازدحام الشديد الذي سيعصف بكل شبر منه خلال الدقائق التالية !

 

خلال أقل من ساعة قطعت الرحلة من ضاحية الهرم التي أسكن بها وصولاً إلى لتجمع الخامس حيث مقر عملي، و اقتربت بسيارتي من مرآب (جراج) المبنى الذي أعمل به .. و توقفت للحظات حتى يمكن لأحد الكلاب المدربة تفحص جوانب سيارتي قبل أن أستطيع الدخول لأستمع لصوت شجار كسر حاجز الصمت الذي يلف المكان.

كان الصوت واضحاً جداً لدرجة تمكني من تمييز العديد من الألفاظ التي لم أتخيل يوماً أن أستمع إليها في مكان " أكل عيش " .. حين وصلت لمكان الشجار، وجدته بين اثنين من عمال النظافة المكلفين بالعناية بالمكان قبل وصول الموظفين، و حاولت جاهداً بالسلوك المصري المعهود أن أخفف حدة التوتر بينهما دون جدوى، بينما تطاير من حولي رذاذ أفواههم المعطر باقذع الألفاظ و كل منهما يحاول إلقاء اللوم على الآخر بالتقصير.

 

وسط لهيب المعركة انطلق فجأة صوت ملائكي لأحد الأدعية الدينية و كأنه يعلن نهاية الشجار، و لم أستطع سوى أن أقف متسمراً  في مكاني من شدة الدهشة بينما يخرج أحدهم هاتفه المحمول من جيبه و هو مازال يردد نغمة الدعاء ليرد بصوت هادئ قائلاً : " سلام عليكم .. انت رحت فين امبارح بعد صلاة العشا يا حاج أحمد "

 

انسحبت قدماي دون أن أشعر من المكان و توجهتا بي إلى بهو المصعد في طريقي إلى مكتبي، و ظللت طوال المسافة من هناك و حتى ألقيت بجسدي على مقعدي، أحاول تفهم تلك الازدواجية الغريبة في شخصية ذلك الرجل التي اجتمعت فيها العصبية و الشجار و الاستماتة في التنصل من مسئولية التقصير مع كل تلك الرقة التي تعكسها نغمة الدعاء و كل ذلك الهدوء في أسلوب الرد على الهاتف، بل و كل تلك الروحانية التي تعكسها حقيقة  أن الرجل من المواظبين على صلاة العشاء !

 

لم أستطع طوال ذلك اليوم أن امنع عقلي من عرض شريط طويل داخل رأسي لأحداث كثيرة عايشتها منذ زمن طويل و حتى اليوم، و لم يكن عنوان ذلك الشريط سوى .. "الإزدواجية " !

 

بدأ الشريط منذ طفولتي حين كنت أتابع أحد المقربين من عائلتنا، و الذي أنعم الله عليه بالعلم و سلامة المنطق، و لكنه في الوقت ذاته لم يستطع التغلب على ذلك الموروث الشرقي القبيح الذي يفضل أن يهبنا الله الذكور عن أن يهبنا الإناث، ليصر الرجل على الاستمرار في الانجاب على مدى عشرين عاماً دون أن يرزقه الله بمولود ذكر، و كأن شخصيتان مختلفتان تماماً تسكنان جسد الرجل !

 

و استمر الشريط ليعرض لي كيف كانت أمي تتباهى بأبيها و أعمامها الذين حصلوا على شهادات البكالوريا و الشهادات العليا من كلية التجارة و الحقوق في بدايات القرن الماضي ليشغل بعضهم مناصب مرموقة كضباط في الحرس الملكي و محامين يشار إليهم بالبنان في مهنتهم و مساعدين لوزير المالية، بينما ظلت هي في المقابل و في ازدواجية غريبة تصر على أن " كليات القمة " هي السبيل الوحيد لتحصل على مكان متميز في المجتمع، و أن أكون أنا و أخي بين خيارين لا ثالث لهما .. كلية الهندسة أو كلية الطب !

 

ثم انتقل بي عقلي في مشهد آخر للجامعة، حين مارسنا جميعاً تلك الازدواجية الشهيرة التي نصبنا فيها ذلك الشاب، ذو العلاقات المتعددة مع فتيات الجامعة، أيقونة يتطلع إليها الجميع، و يتباهى هو نفسه بذاته و بما يفعله كلما سنحت له الفرصة لذلك، بينما نرمق بنظرة دونية كل الفتيات اللاتي يرافقنه و نصفهن بقلة الحياء و الانحلال بل و العهر في بعض الأحيان، و كأن الشاب فقط هو من له الحق في ممارسة حرية مصادقة الجنس الاخر !

 

و لم يستطع عقلي بالتأكيد إغفال مشهد الازدواجية التي تمليها الخسة و المصلحة الشخصية، و المكاسب الآنية على حساب مصلحة الوطن، فأخذني في جولة سريعة مر بها على جماعة الإخوان المسلمين الذين طالما تغنوا بأناشيد تحرير القدس، و تفاخروا بعلاقتهم باغتيال الرئيس السادات لخيانته – كما يدعون – لأمته و دينه بعقد اتفاق سلام مع إسرائيل، بينما كان ممثلهم مرسي في الاتحادية يؤكد في أول بياناته على احترامه لتلك الاتفاقية، بل و وصل الأمر به أن وصف شيمون بيريز بالصديق العزيز في إحدى رسائله إليه فور توليه السلطة !

بل و تعدى الأمر ذلك ليشمل وصفهم جيش مصر العظيم بالكفر و الخيانة و وصمه بالردة عن الإسلام و لما يقوم به من تطهير بؤر الإرهاب في سيناء لحماية أمن مصر القومي، بينما يغضون النظر عن استهداف خليفتهم أردوغان لقرى الأكراد داخل تركيا، و لمدن الأكراد في شمال سوريا و العراق و قتله للمدنيين الأبرياء، لا لشئ إلا لتسوية حساباته السياسية مع الأحزاب الكردية في البرلمان التركي .. ذلك البرلمان الذي يسعى لنزع كل صلاحياته ليمنحها لنفسه و يحول تركيا إلى نظام رئاسي تحت سيطرته هو فقط !

 

و ها هم من هللوا لمذيع أو صحفي أو إعلامي بعينه، و نصبوه إلها للنزاهة و الوطنية في مرحلة معينة من مراحل المد و الجزر الثوريين طوال السنوات الأربع الماضية، يعودون الآن ليصموا نفس الرجل بالخيانة و العمالة و كونه أداة لتنفيذ مخططات استعمارية و رأسمالية يفترضون سعيها للانقضاض على مقدرات الوطن و رغبتها في تدمير قيادته التي يلتف الشعب حولها !

 

بل و ها هم الصحفيين أنفسهم يمارسون نفس الازدواجية الغريبة، فبينما عكفوا لعقود على كشف أحداث و مواقف احتمى خلالها بعض نواب الشعب خلف حصانتهم البرلمانية ليخرقوا كل ما يمكنهم خرقه من قوانين، جاء نقيبهم الحالي ليمنح من خرق القانون حق اللجوء إلى مقر نقابة الصحفيين بالقاهرة، بل و يرفض تنفيذ رجال الشرطة لأمر النيابة العامة بحجة حصانة الصحافة التي ضمنها الدستور، بينما تناسى أن تلك الحصانة مرهونة باحترام أحكام القضاء الذي طالب هو نفسه به في عام 2011 حين صدر حكم حل مجلس النقابة، ليتمكن هو من ترشيح نفسه نقيباً لها !

 

و من السهولة بمكان الآن لك عزيزي القارئ أن تستنتج محتوى المزيد من مشاهد الازدواجية التي عرضها عقلي المزعج داخل رأسي طوال ذلك اليوم ..

 

فها هو مشهد بعض شيوخ الأزهر و هم يصرون على عدم إمكانية تكفير داعش بالرغم من جرائمهم و وحشيتهم و تكفيرهم لعموم الأمة، لأن الدين الإسلامي وضع ضوابط صارمة لتقرير خروج مسلم من الملة و استحقاقه إقامة الحد عليه، بينما نجد نفس الشيوخ و في ازدواجية غريبة يصرحون أن منكر الحجاب و هو عالم بفرضيته كافر كافر كافر !

 

و ها هو مشهد آخر لمن ينادون بحرية المعتقد و حرية الرأي و حرية الفكر ممن يرون عدم فرضية الحجاب، ينظمون و في إزدواجية غريبة، مظاهرات لخلع الحجاب و كأنهم يمنحون أنفسهم حق عدم الإيمان بفرضيته، و ينفون في الوقت ذاته عن غيرهم الحق في الإيمان به !

 

ثم عرج بي عقلي على رفاق الدرب الثوري الذين جمعتني بهم آمال و أحلام يناير، و خرجنا سوياً من أجل مستقبل أفضل لوطن علمنا أنه أعظم بكثير مما صوره لنا نظام مبارك، و من أجل غد علمنا أنه يمكن أن يكون أكثر إشراقاً لو تم إزاحة تلك الغمامة من القمع و كبت الحريات و الفساد و المحسوبية.

 

و لم تكن الازدواجية في ذلك المشهد إلا ازدواجية الحرية و الاستبداد و المرتبطة بحقيقة أن رفاقي و إن لم و لن يساورني شك في وطنيتهم و نقائهم، إلا أنهم و بالرغم من خروجهم من أجل إعلا قيم المساواة و حرية الرأي و عدم الإقصاء، إلا أنهم مارسوا كل ما يناقض ذلك من افتراض رجاحة منطقهم على كل ما سواه، و رغبتهم في إقصاء كل من هو دونهم من الجماعات السياسية الأخرى، و الاحزاب القائمة و الوليدة،  بل و إقصاء من هم ليسوا مسيسين من الأساس بحجة أن كل هؤلاء لم يشاركوا في معركة التغيير، و بالتالي لا يستحقون تمثيل الشعب، حتى وصل ببعضهم الأمر في الثلاثين من يونيو أن رفض وجود من وصفوهم بالفلول وسط حشود الثائرين على فاشية الإخوان و عمالتهم، و كأن الوطن قد تم احتكاره لمن ثار في يناير فقط !

 

و لم يستطع عقلي أيضاً إلا أن يمر على نوع آخر من الازدواجية التي يعاني منها الكثيرون الآن و بدرجة كبيرة، حتى وصل الأمر بهم من شدة التشويش و التناقض أن أصبحت هذه الازدواجية سلوكاً و إدراكاً و وعياً لا يخدم شيئاً سوى الوقوف بعجلة تقدم الوطن وسط  صحراء التخوين و العمالة.

 

فعلى الرغم من تأكيد الملايين، ممن انضموا لحركة المد الثوري في يونيو، بين كل لحظة و أخرى أن ضباط و أفراد الشرطة هم من نسيج الشعب المصري و أنه علينا مساندتهم في حربهم الضروس ضد الإرهاب، إلا أن هؤلاء في الوقت ذاته يمارسون نفس الازدواجية الغريبة التي سبقها إليهم شباب ثورة يناير، فبدأوا بمنح العصمة لكل من ينتمي لأجهزة الأمن و مهاجمة كل من ينتقد أدائهم من أجل الإصلاح، ليساووه بمن يشوههم من أجل تدمير الوطن، و وصموا بالخيانة كل من حاول الإشارة للبقع الضئيلة من الانتهاكات و الفساد التي تشوب الثوب الأبيض لتضحيات رجال الأمن، مستبقين بذلك أي تحليل منطقي أو أي تحقيق رسمي، بل و متناقضين مع أنفسهم حين أكدوا أن أفراد الأمن من نسيج هذا الشعب، و هو ما يحتمل بالتبعية إمكانية أن يحيد بعضهم عن الصواب، و ضرورة عقابه إذا ثبت ذلك، حتى لا يشوه فساده تضحيات الغالبية من الرجال المخلصين الذين وهبوا و يهبون أرواحهم يومياً للوطن.

    

و لن أستطيع هنا أن أستبعد تناول الإشقاء في الخليج لمسألة الثورات العربية، فهم يساندون و بقوة المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد الدموي، بينما يملأ كل منهم حساباتهم على صفحات التواصل الاجتماعي بصور المقارنة بين حال المدن العربية قبل و بعد الثورة مقرونة بكل أنواع اللعنات و مفردات السباب بحق ثورات الربيع العربي !

و ذلك التناقض الغريب بين التأكيد على أن جيش الفتح المناوئ لنظام الاسد هو أحد فصائل المعارضة المعتدلة، بينما يضم تحالفه جبهة نصرة أهل الشام التابعة لتنظيم القاعدة، و التي تقصف طائرات التحالف العربي قواعده و معسكراته في اليمن باعتباره تنظيماً إرهابياً !

 

و ها هو مشهد آخر تقوم أنت ببطولته عزيزي القارئ و أنت تلعن الواسطة و المحسوبية التي اقتطعت من حقوقك المشروعة لصالح آخرين، بينما تبحث و أنت في طريقك لتلك المصلحة الحكومية عمن يمكن أن يساعدك في تخطي دور مواطنين آخرين لتحصل على مميزات إضافية دون وجه حق !

 

مازال عقلي يعرض الكثير من المشاهد، و لكني لم أعد أقوى على المتابعة، فيقيني أن تقدم هذا الوطن لن يتأتى ببحثي عن تناقضات و ازدواجية الآخرين، بل بأن أبدأ في القضاء عليهما داخل نفسي أولاً ..

و حين تنجح أنت في ذلك عزيزي القارئ، فاعلم أن آخرون سينجحون كذلك، و أن مصر، بل و أمتنا العربية بأسرها، ستكون أكثر فخراً بأبناءها.

 

رابط المقال الأصلي على روزاليوسف المصرية بتاريخ مايو 2015