بقلم : إيهاب الشيمي
كما هي عادتي .. عدت إليك من جديد عزيزي القارئ كلما جد ما
يستوجب ذلك في ذلك الجزء البائس من العالم !
ولا أعتقد أنك وكل من في العالم أجمع لا تشكون أن هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل
على إيران هو لتحييد الخطر الإيراني على وجود إسرائيل وعلى أمن المنطقة، خصوصاً
بعد اقتراب طهران من امتلاك القدرة على تصنيع رؤؤس نووية، والأخطر هو امتلاكها
لبرنامج صواريخ باليستية تمكنها من إيصال تلك الرؤوس النووية إلى معظم عواصم الشرق
الأوسط !
و دعني أستميحك عذراً لأخبرك .. أنك ساذج .. وكل ما يحدث لا
علاقة له بإيران فقط !
فما يحدث لا يؤكد سوى قناعتي الدائمة أن كل ما حدث ويحدث في
الشرق الأوسط على يد القوى الإمبريالية ، سواء من خلالها مباشرةً أو من خلال
عملائها، منذ بدايات القرن الماضي وحتى اغتيال خامنئي هذا الأسبوع، لا يستهدف إلا
تدمير كل المقومات التي تمنح العرب، فرصة النمو الاقتصادي والتفوق العسكري
والاكتفاء الذاتي من الموارد اللامحدودة التي تمتلكها شعوبهم!
ولطالما سعت تلك القوى الامبريالية دائماً لخلق كيانات
سياسية وقومية ودينية تبدو في ظاهرها مجرد حركات تحررية ضد سلطة الحكومات والأنظمة
المختلفة القائمة في بلدان الشرق الأوسط، بل وقد تظهر أحياناً ( كنوع من
زيادة جرعة الإقناع وتقمص الشخصية التي يفترض بهم تمثيلها ) وكأنها تعمل ضد
القوى الإمبريالية ذاتها، بينما هم في واقع الأمر لا يخدمون إلا أهدافاً أخرى
تتمثل في تدمير السيادة وتفتيت النسيج الوطني والجغرافي إلى كيانات ضعيفة هشة تقوم
على أسس عرقية وعقائدية وأيديولوجية متنافرة، بما يتيح سهولة السيطرة عليها بداعي
توفير الحماية أو تأمين توارث السلطة، أو ازدهار الشراكة الاقتصادية، وهو ما يعني
في نهاية الأمر عرقلة تكاملها نحو قيام كيان أكبر يملك مقومات النمو الاقتصادي
والتفوق العسكري والاكتفاء الذاتي من الموارد اللامحدودة التي تمتلكها شعوب
المنطقة !
فالقوى الاستعمارية لم تمنح الصهاينة موطئ قدم في فلسطين
لقناعتها بمظلومية اليهود التاريخية وأحقيتهم في أرض الميعاد !
وهي لم تدعم الثورة الإسلامية عام 1979 في إيران "عشان
خاطر عيون" الشعب الإيراني الذي سئم فساد حكم اسرة بهلوي أو من أجل قناعتهم
بصواب مذهب ولاية الفقيه أو صلاح وزهد الإمام الخوميني الذي وصل طهران على متن
طائرة أير فرانس قادماً رأساً من باريس!
وهي لا تعد أردوغان حليفاً استراتيجيا وتدعمه عسكرياً
وسياسياً لأنها " يا عيني على نياتها" ولا تدري حجم فساد حزب
العدالة والتنمية برئاسته في تركيا، أو تجهل تفاصيل دعمه مادياً واستخباراتياً
وعسكرياً ولوجيستياً للجماعات والمنظمات الإرهابية في سوريا ومصر وليبيا ودول
الخليج، أو تجهل تعاون أنقرة مع موسكو لبيع النفط الروسي وتجاوز العقوبات التي
تفرضها تلك القوى على روسيا !
فما أنا مقتنع به تماماً هو أن إسرائيل كانت دائماً هي الحل
الأمثل الذي يضمن استنزاف موارد العرب في حروب لا نهاية لها، وهي أيضاً من تضمن
"بصيغتها العقائدية اليهودية" تعاطف شعوب العالم المسيحية
معها لأنها الأرض التي سيعود إليها المسيح المخلص وهي التي ستشهد
معركة نهاية التاريخ!
كما أن قناعتي هي أن الثورة الإسلامية كانت هي الحل الأمثل
لتفتيت النسيج القائم بناءً على أساس مذهبي سني و شيعي يتناحر فيه الطرفان دون
هوادة ويدمر كل منهما الآخر اجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وبشرياً كما حدث في حرب
الخليج الأولى بين العراق وإيران، وكما حدث في لبنان والعراق وسوريا واليمن بدلاً
من توحد الجميع ضد إسرائيل، وهي تضمن كذلك هرولة الجميع إلى كنف القوى الاستعمارية
طلباً للحماية و ردعاً لأطماع إيران في الامتداد غرباً في الخليج والشام وشمال
إفريقيا!
كما أن حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا، بطموحات قادته
في إعادة وهم قيام الإمبراطوربة العثمانية من جديد، يضمن لتلك القوى الاستعمارية
عدم صعود نجم العرب من جديد واستمرار الصراع بين القوى السنية العربية الكبرى
المتمثلة في مصر والسعودية وبين تركيا تحت قيادة أردوغان الساعي لإحياء مجد
العثمانيين ولو على حساب تدمير المنطقة كما نعرفها الآن، وهو ما دفعه لدعم داعش في
سوريا والعراق وليبيا ومصر وحماس في غزة، والنهضة في تونس والحرية والعدالة في مصر
وغيرها من التنظيمات والأحزاب التي عاثت في المنطقة فساداً !
و قد تتوقف هنا يا صديقي لتقول لي : "و إيه الجديد في
اللي انت بتقوله دة يا عم شيمي ؟ و فين الزيتونة في الحرب اللي دايرة دلوقتي؟
"
وهنا أقول لك ..
أرجو منك أن تنظر للصورة الكاملة كما أراها .. ليس لأقنعك
بمنطقي، ولكن لترى المشهد من زاوية جديدة !
فلقد أعلن الرئيس ترامب شن الضربات على إيران لتحييد خطرها
الوجودي على إسرائيل والمنطقة، ولكن الأيام الأولى شهدت ضربات لم تستهدف بشكل
أساسي البرنامج الصاروخي أو منصات الإطلاق المعرف مكانها تحديداً وبدقة، وهو ما
مكن طهران من الاستمرار في إطلاق عمليات "الوعد الصادق" ولكن ضد الجميع
هذه المرة، في إسرائيل وقطر والسعودية والكويت والإمارات والبحرين بلآلاف الصواريخ
والمسيرات حتى الآن!
والأغرب أن الرئيس ترامب أعلن منذ يومين أنه ليس قلقاً من
ارتفاع أسعار النفط في حال إغلاق مضيق هرمز، وهو أمر كرر في أكثر من مناسبة أنه لن
يسمح بحدوثه، وهو من يسعى منذ دخوله عالم السياسة إلى خفض أسعار الطاقة من أجل
مصلحة الشركات الأمريكية!
ومنذ عدة أشهر حينما تشدق ترامب بالاتفاق مع الحوثيين على
وقف الهجمات الحوثية على السفن وناقلات النفط في باب المندب لم تخفض شركات التأمين
الأمريكية والبريطانية من رسومها على السفن المارة بالمضيق وقناة السويس ..
وأود أن أنبهك هنا أيضاً إلى أنه رغم الأخبار بشأن إغلاق
مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، إلا أن البحرية الإيرانية لا يمكنها ذلك وسط تواجد
الأسطول الخامس الأمريكي في المنطقة، كما أن الناقلة الوحيدة التي تم استهدافها هي
ناقلة محظورة أصلاً بواسطة الولايات المتحدة لقيامها بنقل شحنات نفطية إيرانية
للخارج، وعلى الرغم من ذلك ركزت شبكات الأخبار العالمية والأمريكية تحديداً على
استهداف تلك الناقلة ورفعت شركات التأمين من رسومها بشدة لتزيد مخاوف شركات الشحن
والناقلات الأمنية والمالية و لتتوقف حركة المضيق تقريباً دون تهديد حقيقي !
وكما يمكنك أن تستنج بناءً على ما سبق، لا تستطيع دول
الخليج تصدير نفطها عبر المضيق الآن، وتدريجياً ستضطر لوقف الانتاج نهائياً، فلا
يمكن لمنشآت التخزين استيعاب كل تلك الكميات المكدسة من النفط، وحتى في حال المرور
فإن تكلفة النفط سترتفع بشكل غير مسبوق بسبب رسوم التأمين مقارنة بمثيلاتها
الواردة من النفط الأمريكي أو ذلك المفترض انتاجه من فنزويلا لصالح الولايات
المتحدة، أو ذلك الوارد من روسيا إلى تركيا بسعر زهيد والذي تقوم تركيا ببيعه مرة
أخرى بعد تكريره إلى أوروبا بأقل من السعر العالمي ولكن بعد تحقيقها أرباح ضخمة.
وحتى بوجود خط الانابيب السعودي وصولا الى البحر الاحمر او
ذلك العراقي عبر تركيا إلى البحر المتوسط فلن تستطيع تلك الخطوط تعويض الفارق في
كميات النفط التي يتم نقلها عبر البحر.
كما أن شحنات الغاز المسال القطرية والإماراتية ستتوقف
أيضاً و لن تستطيع الوصول إلى أوروبا، أو ستصل بتكلفة تقارب ضعف مثيلاتها القادمة
من روسيا عبر خطوط الأنابيب أو تلك الواردة من الولايات المتحدة، كما أن ضخ الغاز
من إيران إلى العراق سيتوقف كلياً مما سيضغط بشدة على البنية التحتية العراقية
خاصةً في ظل توقف ضخ البترول العراقي عبر مضيق هرمز.
وأود أن ألفت انتباهك بشدة هنا عزيزي القارئ إلى قرار
الحكومة الإسرائيلية بوقف ضخ الغاز المسال إلى مصر والأردن من حقول غاز
المتوسط فور بدء العمليات ضد إيران، رغم عدم تعرض المنشآت او حقول
الغاز الاسرائيلية لأي هجوم، في خطوة ستؤثر بشدة على كفاءة شبكات الكهرباء
والامدادات ليس فيهما وحدهما ولكن في أوروبا أيضاً حيث تقوم معامل التكرير في مصر
بإعادة تصدير الغاز لأوروبا بعد الحصول على ما يكفي الاستهلاك المحلي!
و بذلك يمكنك عزيزي القارئ أن تدرك أن الأمر لا يتعلق
بإيران، فهي كغيرها تكتشف حقيقة انتهاء دورها في المسرحية الامبريالية بعد أن
أصبحت عبئاً ثقيلاً على خطط ترامب الاستثمارية للمنطقة وأمن إسرائيل، بل إن الأمر
تخطى ما هو أبعد من ذلك بكثير ..
فالأمر يتعلق برغبة ترامب في إنهاء سيطرة دول الخليج و أوبك
على سوق النفط والغاز العالميين وفتح الأسواق أمام الشركات الأمريكية لاحتكار
السوق في أوروبا والهند، خاصةً بعد اتفاقه الأخير مع الهند بوقف استيردها للنفط
الإيراني واستبداله بالنفط الأمريكي مع تضمين الاتفاق لبنود تشمل كميات من النفط
الفنزويلي الذي استولى عليه ترامب مؤخرا!
الأمر يتعلق كذلك وبشدة برغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في
الضغط على اقتصادات كل الدول التي تمثل تهديداً استراتيجيا لإسرائيل وعلى رأسها
مصر والسعودية بل ومحاولة استدراجهما بشكل أو بآخر للانخراط في الصراع بشكل فعلي
ومباشر وذلك ينطبق كذلك على العراق بعد أن ضمن تحييد خطر سوريا التي أصبحت بمثابة
"جار عزيز" لإسرائيل في ظل حكومتها الجديدة برئاسة الشرع حليف تركيا!
الخلاصة ..
لن تستطيعوا تصدير النفط ..
لن تستطيعوا تصدير الغاز ..
سيصبح نفطكم وغازكم أعلى سعراً من النفط والغاز الأمريكيين
..
لن تستطيعوا تشغيل شبكاتكم الكهربائية وبنيتكم التحتية إلا
بتكاليف باهظة تزيد من انهيار اقتصاداتكم ..
لن تستطيعوا الاستفادة اقتصادياً من الممرات المائية في
الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس ..
انهيار إيران سينشر الفوضى في المنطقة وستحتاجون المزيد من
حمايتنا .. ولكن مقابل الكثير من الشروط ..
إيران ستنضم إلى القائمة التي تشمل سوريا والعراق وليبيا
والفلسطينيين في غزة والضفة.. وسنتفرغ حالياً لبقية الأسماء وعلى رأسهم مصر
والسعودية، وسيأتي الدور على تركيا في وقت لاحق !
الصين لن تتدخل فعلياً لأن لديها مخزوناً استرتيجياً يضم
أكثر من مليار برميل وهو أكثر مرتين ونصف من مخزون الولايات المتحدة الاستراتيجي
الذي يبلغ 400 مليون برميل، كما أنها تستورد النفط الروسي الرخيص في إطار الشراكة
الاستراتيجية مع روسيا !
روسيا لن تحرك ساكناً لأن نفطها وغازها الآن سيصبحون خياراً
مناسباً لأوروبا حتى مع حقيقة مرورهما عبر الوسطاء، وستكونون مجرد ورقة تفاوض في
صراع النفوذ بين روسيا مع أوروبا والنيتو في أوكرانيا والقطب الشمالي والبحر
الأسود !
أنتم وحدكم .. في مواجهة الإمبريالية العالمية !
