Friday, November 27, 2015

داعش .. أصول التشدد و غموض التمدد !


بسبب عدم تطبيق الشريعة في العالم الإسلامي، فإنه لم يعد إسلاميًا، وعاد إلى الجاهلية، ولكي يعود الإسلام، فالمسلمون بحاجة لإقامة "دولة إسلامية حقيقية" مع تطبيق الشريعة الإسلامية، وتخليص العالم الإسلامي من أي تأثيرات لغير المسلمين، مثل مفاهيم "الاشتراكية" أو "القومية" !


هذا ما كتبه "سيد قطب" أحد الاباء الروحيين لتنظيم "الإخوان المسلمين" و مؤسس التيار القطبي، و ما آمن به تلاميذه و مريديه و من بينهم "محفوظ عزام"  محاميه الشخصي و منفذ وصيته و آخر من رأى "سيد قطب" قبل إعدامه ...


عفواً .. نسيت أن أخبرك عزيزي القارئ أن "محفوظ عزام" هو كذلك خال "أيمن الظواهري" الذي إمتلأ دماغه منذ صغره بكلمات "سيد قطب" و جعل فتاواه مبرراً لاعتناق فكرة "ردة المجتمع"، و هو  الأمر الذي لا يعطي فقط للجهاديين "ثغرة شرعية لقتل مسلمين آخرين"، لكنه جعله "أمرًا واجب التنفيذ شرعاً لأنهم و حكوماتهم و قادتهم عدلوا عن تنفيذ الشريعة.


و هكذا أصبح "الظواهري" أحد مؤسسي تنظيم الجهاد و جناحه العسكري في مصر في نهاية السبعينيات، بل و كان ضمن المعتقلين في قضية اغتيال "السادات"، حيث حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات لحيازته أسلحة و انضمامه لتنظيم محظور.


عقب الإفراج عنه في عام 1985 توجه "الظواهري" للسعودية و منها لباكستان ثم لأفغانستان حيث انضم للمجاهدين ضد السوفييت، و أسس فرعاً لتنظيم الجهاد هناك، و كان ضمن قادة المجاهدين العرب الذين اجتمعوا في صيف 1988 لتوحيد فصائل الجهاد تحت قيادة موحدة تم تسميتها بمجموعة "القاعدة" بزعامة "اسامة بن لادن"، و التي أصبحت القيادة العسكرية الرسمية للفصائل الإسلامية التي هدفها رفع كلمة الله و البحث عن الأماكن التي يمكن الانتصار فيها لدينه خارج افغانستان بعد انسحاب السوفييت.


و عقب الانسحاب السوفييتي من أفغانستان عاد "بن لادن" للسعودية، ثم تم نفيه و سحب الجنسية منه عقب هجومه على "آل سعود" لسماحهم بوجود القوات الأمريكية "الكافرة" في "الأراضي المقدسة" أثناء حرب الخليج ضد "صدام حسين"، و اجتمع شمل "الظواهري" و "بن لادن" من جديد في السودان التي منحتهما ملاذاً آمنا في ضيافة "حسن الترابي".


شكل استيلاء "طالبان" على السلطة في أفغانستان فرصة لعودة "بن لادن" و "الظواهري" إليها من جديد ليبدأوا في تنفيذ عمليات نوعية ضد المصالح الغربية و الأمريكية تحديداً، حيث  تم تفجير ثكنات الجيش الأمريكي في السعودية في 1996، و تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي في 1998، و نهاية بالحدث الأكثر تأثيراً و هو تفجير برجي التجارة في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 و هو ما عاد بالنفع على أمريكا على عكس ما يبدو، حيث برر احتلال أمريكا لأفغانستان و مكنها من وضع قدميها في وسط آسيا لتكون شوكة في ظهر الصين و روسيا، و شريكة لدول حوض بحر قزوين في ثرواتها النفطية.


و تحت ستار "الحرب على الإرهاب" غزت الولايات المتحدة و حلفائها العراق في 2003، حيث أعلنت "جماعة التوحيد و الجهاد" بقيادة "ابو مصعب الزرقاوي" مبايعتها "أسامة بن لادن" و تشكيل "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" و هو ما تراجعوا عنه لاحقاً عقب مقتل "الزرقاوي" في 2006 ليعلنوا انضمامهم لما يسمى "مجلس شورى المجاهدين" و الذي أعلن في نفس العام قيام "دولة العراق الإسلامية" تحت زعامة "أبو عمر البغدادي" الذي تم اغتياله في إحدى عمليات الجيش الأمريكي في أبريل 2010 ليتم اختيار "أبو بكر البغدادي" خليفة له.


و في أعقاب اندلاع الثورة السورية ، و تحديداً في نهايات عام 2011، تم الإعلان عن تشكيل ما يسمى "جبهة النصرة لأهل الشام" كتنظيم إسلامي مسلح مناهض لنظام "الأسد"، لينضم بذلك إلى الفصائل المسلحة التي تقاتل جنباً إلى جنب مع "الجيش الحر"، و التي يمكنها الحصول على الدعم المالي و العسكري و اللوجيستي من التحالف الخليجي الغربي ضد نظام "الأسد". و فيما لا يمكن ان أعتبره صدفة، و في ابريل 2013 و بعد ثلاثة أشهر فقط من أول بيان رسمي لتنظيم "جبهة النصرة" في سوريا، أعلن "أبو بكر البغدادي" من العراق قيام "الدولة الإسلامية في العراق و الشام" و المعروفة اختصاراً بإسم ... "داعش" !


و هكذا انضمت "الدولة الإسلامية في العراق و الشام" كفصيل إسلامي مسلح للمشهد الدموي في سوريا، و هو ما دفع "جبهة النصرة" أن تعلن في المقابل مبايعتها لزعيم "القاعدة" "أيمن الظواهري" لتنفي أي صلة لها بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق و الشام" و ممارساته الشاذة، و هي المفاجأة المدوية التي شعر معها التحالف الدولي الداعم للمعارضة السورية ضد الأسد بحجم الخديعة التي تعرض لها!


و لكن الشئ اللافت هنا عزيز القارئ، أنه و بالرغم من قتال "داعش" لكتائب "جبهة النصرة" و "الجيش الحر" في إطار سعيها للإستيلاء على كل ما يمكن من حقول النفط و المدن و المواقع الاستراتيجية في سوريا، إلا أن "جبهة النصرة" كانت دائماً ما تنسحب دون قتال من العديد من المدن و حقول النفط الكبرى التي استولت عليها بصعوبة من قوات الأسد، لتتركها لقمة سائغة لمقاتلي "داعش"، و هو ما ساعد "داعش" على التركيز على الجبهة العراقية و الاستيلاء على الموصل و إعلان قيام الخلافة الإسلامية و إزالة الحدود بين العراق و سوريا منذ ثمانية أشهر فقط  و تحديداً في يونيو 2014، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول حقيقة ولاء "جبهة النصرة" !


و هكذا عزيز القارئ .. يمكنك مما سبق أن تتوصل لجذور و أصول التشدد الذي يميز "داعش" و أخواتها، و الذي يعود في النهاية لكتابات و تعاليم الإخواني "سيد قطب" في ستينيات القرن الماضي ، كما يمكنك أن تتأكد أن كل تلك المسميات لكل تلك الفصائل و التنظيمات التي تملأ صفحات الجرائد، و شاشات الفضائيات، ما هي إلا أقنعة متعددة لوجه واحد يسعى صاحبه لإعادة رسم خريطة المنطقة لإقامة "دولة الخلافة" المزعومة التي يظنون أنها ستعيد للإسلام مجده و قوته على حساب دماء و أرواح المسلمين أنفسهم ممن سيقومون بتكفيرهم و ادعاء ردتهم كما هو الحال في طرح التيار القطبي للحل.


ما تبقى هنا فقط هو أن الفت انتباهك إلى أن المساحة الزمنية التي استغرقتها هذه التنظيمات لطرح أفكار مؤسسيها و انتشارها، و لكي تظهر للعلن و تنتشر في عدة دول، و تشكل خطراً على السلام و الأمن الدوليين و حتى ظهور "داعش"، هي ما يزيد على نصف قرن منذ ستينيات القرن الماضي، و حتى يومنا هذا.


و هذا تماما ما يثير الكثير من الأسئلة حول كيفية استطاعة "داعش" في خلال ثمانية أشهر فقط، منذ استيلائها على الموصل في العراق في يوينو الماضي، أن تزيد عدد مقاتليها من أربعة آلاف فقط إلى خمسين الفاً في سوريا وحدها، بالإضافة إلى ثلاثين ألفاً في العراق، بينما تذكر التقديرات الأولية أن العدد قد يصل إلى عشرة آلاف في ليبيا منذ إعلان قيام التنظيم في ولاية برقة أوائل العام الحالي !


.. كيف يمكن لتنظيم ظل منذ غزو العراق في 2003 مجرد فصيل يتصارع على قيادة المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي و قوات الحكومة الشيعية التابعة له في بغداد، أن يتمدد بصورة أقرب ما تكون لامتداد الموجة الانفجارية لقنبلة نووية، مدمراً في وجهه كل ما يقابله ؟


.. كيف يمكن لتنظيم أن ينشر مقاتليه بكل تلك الأسلحة الثقيلة التي يملكونها على أراضي ثلاث دول هي سوريا، و العراق، و ليبيا، دون أن ترصد كل تلك التحركات أجهزة الأقمار الصناعية العسكرية، أو طائرات التجسس، أو حتى أعين أعرابي على ظهر ناقته في إحدى صحاري هذه الدول ؟!


.. كيف يمكن لتنظيم أن يدفع يوميا نفقات ما يقارب المئة ألف من المقاتلين، و مصروفات تشغيل معداتهم و إصلاحها، و إمدادها بالوقود، و تسليحها بالذخائر؟!


.. كيف يمكن لتنظيم أن يحصل على الآلاف من سيارات الدفع الرباعي الجديدة كلياً ليمكنه تسيير دوريات أمنية في المناطق التي يسيطر عليها، و كيف تصل هذه السيارات من أقصى الشرق في اليابان إلى مناطق الصراع دون أن يتم رصد تحركها و معرفة سفن شحنها، و موانئ تصديرها و وصولها؟!


.. كيف يمكن لتنظيم أن يستولي على حقول نفط في ثلاث دول، ثم لا يستطيع أحد رصد خطوط الأنابيب و ناقلات النفط، و شاحنات الوقود التي يبيع من خلالها ما استولى عليه، بل و معرفة من يشتري منه نفطه و يدعم اقتصاده و يساعد على انتشاره؟!


.. و الأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن أصدق أن الطائرات الأمريكية لا يمكنها طوال ثمانية أشهر توجيه ضربات للتنظيم سوى في كوباني و بعض المناطق المحدودة بينما الحقيقة أن التنظيم يسيطر على مساحات في سوريا و العراق توازي مساحة بريطانيا، إن لم تكن تزيد؟


هل علينا أن نصدق أن "داعش" تمتلك ما امتلكه عبد المنعم إبراهيم في فيلم "سر طاقية الإخفاء" حتى يمكنها فعل كل شئ دون أن يلحظها أحد، أم أنها تمتلك "الفانوس السحري" الذي حقق لإسماعيل ياسين كل ما يريده دون عناء ؟!


الصورة لا تحتاج لإيضاح يا سادة، فالمؤامرة واضحة، و الهدف منها أوضح، و ليس علينا سوى أن نقرر لأنفسنا ما هو الأصلح لنا ضد هؤلاء دون انتظار وصاية من يدعمونهم من خلف الستار.


حمى الله مصر و أهلها .. و سدد على طريق الحق خطى جيشها العظيم.