Friday, November 20, 2015

أمريكا و التمويل .. في الشام و أرض النيل

رابط المقال في روزاليوسف المصرية بتاريخ سبتمبر 2014



إيهاب الشيمي
 " هي داعش في سوريا و العراق، بتجيب فلوس تصرف على الكلام دة كله منين يا مولانا، و مين اللي بيديها الفلوس دي، و مصر إيه دخلها في الكلام  دة ؟!

لا أريدك أن تخجل من الجهر بكل هذه الأسئلة، بل إني أريدك أن تضيف إليها أيضاً: " و مين اللي بيساعد الميليشيات الإخوانية و الجهادية اللي عندنا في سيناء و هناك في ليبيا و عايز مصر تخرب زي البلاد اللي حوالينا؟"

سأذكر لك هنا بعض الأحداث و الحقائق التي ستمكنك من استخلاص الإجابات على هذه التساؤلات بنفسك، و دعني أبدأ القصة في يوليو 2013 في مرحلة ما قبل فض اعتصامي  رابعة و النهضة المسلحين بأسبوعين تقريباً، فحينها و وسط كل تلك الأجواء المشحونة بالتوتر و الخوف على وحدة البلاد، و الغضب من بجاحة التدخل السافر للولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي في الشأن الداخلي في مصر، و ترويجهما لأكذوبة الانقلاب العسكري على حكم الجماعة المشئومة، لم ينتبه الكثير من المصريين، بل و المراقبين و المحللين السياسيين، لخبر ترشيح الولايات المتحدة للسيد "روبرت فورد" كسفير لها لدى القاهرة. و كعادة وسائل الإعلام المصرية التي تتميز عادة بنظرة ضحلة في تناولها للكثير من الأمور، فلقد هلل معظمها للخبر بدعوى أنه اعتراف ضمني من الولايات المتحدة بشرعية ما حدث في يونيو، و إقرار برغبتها في التعاطي مع الحكومة القائمة بتمثيل دبلوماسي كامل!

و بقدر تفاؤل و تهليل  الكثيرين لذلك الخبر، بقدر ما أصابني بالكثير من الإنزعاج لما يحمله كما رأيت من فأل سئ، و بلغ بي حجم القلق أن بدأت تمر بعقلي صوراً من نسج خيالي للدمار المروع و هو يملأ شوارع القاهرة وسط أصوات طلقات الرصاص و دوي الانفجارات، و صراخ النساء و الأطفال، و جثث الضحايا الممزوجة بالدماء و الأشلاء المتناثرة هنا و هناك !

و لن أستغرب منك قولك أني قد بالغت قليلاً في هذه التخيلات لما يمكن أن يحدث في مصر، و لكن حين تقرأ السطور التالية عن تاريخ السيد "فورد" فستغفر لي مبالغتي، فالسيد "روبرت فورد" هو أحد الدبلوماسيين الذين ارتبط اسمهم في السياسة الأمريكية بما يعرف "بخيار السلفادور"، و هو خيار تستخدمه الولايات المتحدة في بلدان و مناطق بعينها، عن طريق جهود استخباراتية و عمليات سرية، لتمويل و تدريب عناصر متشددة للقيام بعمليات إرهاب و قتل جماعي دون رحمة بهدف زعزعة الاستقرار و الثقة و بث الرعب في نفوس مناصري تلك الأنظمة، و سقوطها في النهاية إما بانتصار الميلشيات المدعومة من واشنطن، أو بالتدخل الدولي بحجة انقاذ المدنيين من المذابح و الحرب الأهلية، ثم تنصيب حكومة عميلة لواشنطن في نهاية الأمر تحت عباءة الانتخابات الديمقراطية التي غالباً ما ترجح كفتها أموال واشنطن و مصالح النخب السياسية و الاقتصادية في تلك الدولة معها.  و هذا الخيار نفذته واشنطن ببراعة و سرية في أمريكا الجنوبية و تحديداً في السلفادور، كما نفذته في نيكارجوا حين دعمت ثوار الكونترا ضد حكومة الساندينيستا من خلال سفيرها في هندوراس السيد "جون نيجروبونتي" ما بين عامي 1981 و 1985، و هو ما نتج عنه مصرع أكثر من 50 الفاً من المدنيين في نيكاراجوا، و أكثر من 75 الفاً غيرهم في السلفادور.

و قد تجد عزيز القارئ صعوبةً بالغة في إمكانية ربط ما حدث منذ ثلاثين عاماً في النصف الغربي من الكرة الأرضية و ما يحدث الآن في الشرق الأسط، خاصةً مع انتهاء حقبة الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفييتي، و لكن دعني أفاجئك بأنه بعد عشرين عاماً و تحديداً في عام 2004 عادت الولايات المتحدة لتعيين نفس الرجل و هو السيد "نيجروبونتي" كسفير لها في بغداد، ليبدا في تنفيذ نفس الخطة بنشر القتل الجماعي و الارهاب و تمويل الجماعات التي تنفذ ذلك سرا عن طريق التنسيق معها بواسطة الرجل الثاني في السفارة الذي لم يكن سوى السيد "روبرت فورد"، و الذي كان أيضاً ممثل الولايات المتحدة في "النجف الأشرف" معقل جيش المهدي الشيعي و صاحب أكثر العمليات دموية و تشدداً في العراق عقب سقوط نظام "صدام حسين"، ثم انتقل بعدها ليمثلها في القاءات السرية مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، و ميليشيات البشمركة الكردية، و غيرها من التنظيمات المسلحة للعشائر السنية.

و بعد أن تم التأكد من وضع أسس "خيار السلفادور" في العراق وبدأ بالفعل سقوط آلاف الضحايا، تم تعيين السيد "فورد" في عام 2006 كسفير للولايات المتحدة الأمريكية في الجزائرليبدأ وضع حجر الأساس لسلفادور جديدة هناك، و بالفعل ظهر نفس النموذج في الجزائر بالإعلان عن قيام "تنظيم القاعدة في المغرب العربي" عقب تولي "فورد" للمنصب بفترة وجيزة. و قام التنظيم في البداية بعمليات محدودة ضد مصالح أمريكية للتغطية على علاقته بها، ثم نقل عملياته بالكامل إلى مناطق الصحراء الحدودية بين مالي و الجزائر و هي المنطقة التي تزود الولايات المتحدة بأكثر من 60% من البترول عالي الجودة، بحيث يمكن لقوات أمريكية فرنسية التدخل و السيطرة على المنطقة و حقولها النفطية فيما بعد بدعوى مكافحة الإرهاب، و هو ما بدات بوادره تلوح في الأفق حالياً.

و حين تأكدت الولايات المتحدة من نجاح إطلاق "خيار السلفادور" في الجزائر، تم الانتقال للحلقة التالية من المسلسل الدموي بالإعلان عن ترشيح "فورد" سفيرا للولايات المتحدة لدى دمشق في يناير 2011، و قبل شهرين فقط من انطلاق الثورة السورية في الجنوب في "درعا"، و هي الثورة التي نعلم جميعاً أنها تخلت عن السلمية التي ميزت الثورة المصرية، ليعلن الثوار عن قيام "الجيش السوري الحر" الذي انضم له منشقون عن الجيش السوري، و تنظيم القاعدة في سوريا فيما بعد متمثلاً في "جبهة النصرة"، ليتحول الصراع إلى "سلفادور" أخرى كما حدث في العراق قبلها. و بدأ بالفعل انتشار عمليات القتل الجماعي و القصف العشوائي دون تمييز لمن يقوم بها، وسط تنسيق كامل بين الولايات المتحدة و أجهزة المخابرات التركية مع الفصائل المؤججة للصراع، و وسط فبركة إعلامية لوسائل الإعلام و على رأسها البي بي سي و الجزيرة ليتم إيهام الجميع أن المجرم الوحيد هو نظام بشار الأسد الدموي، و ليس الجماعات الممولة من الولايات المتحدة و حلفائها، و بذلك يسهل اتهام النظام  وحده بارتكاب كل الفظائع لتبرير إسقاطه و تدمير بنيته التحتية و من بينها الجيش السوري، و يتم بالتوازي مع ذلك تمويل تلك الجماعات و إمدادها بالسلاح بدعوى دعم الثورة و الحريات، بينما تقوم هذه الجماعات فعلياً بذبح المدنيين المؤيدين للنظام أو الرافضين لوجودها، بل و تقوم بقتال معارضي النظام أنفسهم بدعوى علمانيتهم و خطرهم على المشروع الإسلامي الذين يرونه الخيار الأمثل للحكم بعد سقوط بشار الأسد، و هو ما أدى لارتفاع عدد الضحايا في سوريا لما يزيد على 150 ألفاً بالإضافة لمئات الآلاف من الجرحى و المشردين في نجاح غير مسبوق لخيار السلفادور.

و عقب إسقاط الشعب لمصري لغير المأسوف عليه "مرسي" و من يمثلهم من جماعة الظلام و الاتجار بالدين، وجدت الولايات المتحدة الفرصة السانحة و الظروف المثالية لتطبيق "خيار السالفادور" في أكثر البلدان تحدياً لإمكانية نجاحه .. مصر، فبدأت بمساندة الإخوان المسلمين سياسياً و إنسانياً بدعوى تمثيلهم للشرعية، وطورت جهودها بالتنسيق مع تنظيم القاعدة بقيادة محمد الظواهري، و الجماعات التكفيرية و الجهادية في سيناء و الصحراء الغربية و شرق ليبيا، و تسليحها و تمويلها لتكون نواة لما يشبه الجيش الحر في سوريا و بدأ صراع مسلح مع الجيش المصري يسقط خلاله الملايين من الضحايا و لتسقط معهم وحدة مصر و استقلالها، ليمكن بالتالي للولايات المتحدة السيطرة على أهم ممر مائي لنقل البترول في المنطقة و المتمثل في قناة السويس تحت ستار حماية الملاحة فيه، و كذلك لكي تتخلص من أكبر خطر على خطتها و المتمثل في الجيش المصري و عقيدته التابتة كجيش وطني موحد.

و لا أظنك ستجد الكثير من الصعوبة لاستنتاج اسم الرجل الذي سيقود تنفيذ تلك الخطة ببراعة و دقة، و هو ما أعلنته الولايات المتحدة بالفعل بترشيحها للرجل المناسب و هو "روبرت فورد" للمنصب، و هو ما لم يتم قبوله، لتتعرض مصر بعدها لأشد هجوم على ثورة يونيو من الولايات المتحدة و أوروبا.

يمكنك الآن عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلاتك حول هوية من يمول "داعش" و مثيلاتها و يزودهم بالمعلومات اللازمة لتنفيذ خططهم، و لكن لكي تكتمل لديك الصورة فدعني ألقي عليها المزيد من الضوء لأوضح لك أن حقل "العمر"  النفطي الأكبر في سوريا يقع في المنطقة التي قاتلت فيها القاعدة ممثلة في "جبهة النصرة" قوات النظام السوري و قوات المعارضة الوطنية في الجيش الحر، لتفاجئ الجميع فيما بعد ذلك بعدة أشهر بتسليمها الحقل طواعيةً و بدون قتال لتنظيم "داعش"، و هو ما يمكنك أن تفهمه الآن بعد أن عرفت علاقة "القاعدة"  و "داعش" في العراق و سوريا و الجزائر و مصر بالولايات المتحدة.
 

دعني أيضاً أوضح لك أن "داعش" تبيع النفط الذي استولت على حقوله في وسط العراق عن طريق بيعه للحكومة الكردية في الشمال بأقل من ربع ثمنه، بينما تقوم ببيع الجزء الآخر عن طريق صهاريج و خط أنابيب يمتد عبر الحدود الدولية وصولاً إلى ميناء جيهان التركي و لصالح شركات تركية و بتنسيق سري مع حكومة "أردوجان" لتشتري البرميل بعشرين دولاراً فقط، و تبيعه لشركة "إكسون موبيل" الأمريكية بأربعين دولاراً، حيث تبيعه الأخيرة في السوق العالمية بسعر يتجاوز 120 دولاراً للبرميل وسط صمت الحكومة الأمريكية و خداعها للعالم بدعوتها مجلس الأمن لتجريم بيع النفط العراقي عن طريق "داعش"، و بذلك تستطيع أيضاً عزيزي القارئ أن تدرك سر هجوم "داعش" على وسط و شمال العراق حيث حقول النفط و ليس على بغداد حيث الحكومة العميلة الخائنة كما يقولون.

و سأترك لك هنا نشوة الفرحة باستنتاج من الذي يمول نفس الميليشيات في ليبيا، و من الذي يغض الطرف عن تهريب البترول الليبي، و لمن تذهب عمولات بيعه، و لماذا غضبت الولايات المتحدة و أوروبا حين قصفت طائرات مجهولة الميليشيات التابعة للقاعدة و الاسلاميين في طرابلس.

بقي لي في النهاية  "عشان أريح ضميري"، أن أهمس في أذنك بمعلومة أخيرة و صغيرة، و هي أن شركة "إكسون موبيل" التي تشتري بترول "داعش" تديرها و أسستها عائلة "روكفلر" الأمريكية العريقة، و التي ترتبط بعلاقات مالية و اقتصادية قوية مع النظام الحاكم في قطر منذ بداية ضخ النفط فيها في أربعينيات القرن الماضي، و تدير استثمارات العائلة الحاكمة هناك منذ عقود.