Thursday, June 29, 2017

يونيو .. ضرورات المرحلة و نقطة اللاعودة !



إيهاب الشيمي:

على مدى ثلاثة أعوام و نصف منذ قيام الثورة في يناير 2011 و حتى يونيو 2014، لم تمر مصر و شعبها بكل هذا الجدل حول هوية من يستحق أن يقبض على عصا قيادة الوطن وسط كل تلك السماوات الملبدة بالغيوم القاتمة التي لم تمثل صواعقها التي تضرب بين الفينة و الأخرى خطراً عليها، بقدر ما مثله خطر جبال الريبة و الشك و الخوف و انعدام الثقة التي تختفي خلف تلك الغيوم، و التي تهدد بسقوط الجميع في هاوية سحيقة حال الارتطام بها و تحولها من مجرد مخاوف في أذهانهم إلى حقيقة واقعة تعود بالجميع إلى حقبة ما قبل الخامس و العشرين من يناير !

و حين أذكر مصر و شعبها، فأنا لا أستثني منه أحدا، فالكل حينها كان مشمولاً بحالة الجدل و الانقسام في الرأي الذي وصل في بعض الأحيان لاتهام البعض للآخر إما بخيانة الثورة، أو في المقابل بخيانة الوطن.

كانت يونيو هي تلك اللحظة الفارقة و الخطوة الكبيرة التي لا بد أن يخطوها الشعب المصري على طريق استكماله لثورته الحقيقية في يناير حين قال كلمته لأول مرة في تاريخه دون وصاية من زعامة أو قصر أو جيش  !

كانت يونيو هي تلك اللحظة في التاريخ التي قرر فيها المصريون جميعاً أن يزيحوا من سمائهم كل تلك الغيوم، و أن يستعيدوا وعيهم الذي تم تغييبه على يد العديد من المنتفعين بذلك التغييب على اختلاف أهدافهم و تنوع رعاتهم و مموليهم !

كانت يونيو هي تلك اللحظة التي اتخذ فيها الشعب، كل الشعب، القرار بأن يستعيد وطنه الذي يعرفه، و أن يمسك من جديد بمقاليد الأمور التي استلبها منه بعد الثورة بقايا نظام مبارك ..

ذلك النظام الذي قد يظن البعض أنه يضم مبارك و أسرته و حاشيته المقربة فقط، بينما كان في الواقع منظومة متكاملة من المؤيدين له، و المستفيدين من فساده، و المستفيدين من قمعه، بل و دعني أؤكد أنه كان يشمل أيضاً المستفيدين من معارضته ليس لصالح الوطن و لكن لصالحهم هم فقط !

و يمكنك هنا اقتراح من تراه مناسباً ليشغل أحد مقاعد المستفيدين، و دعني أساعدك لأقترح عليك أعضاء الحكومات المتعاقبة، و رموز الحزب الوطني، و أباطرة الصناعة، و ملياديرات الأعمال، و حيتان الاستيلاء على أراضي الدولة، و الدعاة و الشيوخ و الدراويش الذين امتلأت الأسواق باسطوانات مواعظهم، و ازدحمت الفضائيات بأحاديثهم ليضمنوا بقاء الشعب مغيباً و بقاء عقله مغطى بملاءات الخرافة و البدع و التفسير الخاطئ و المسيس للنصوص ..

و القائمة هنا تمتد أيضاً لتشمل قادة الجماعات الأصولية المتشددة و الإخوان المسلمين الذين تم السماح لهم بممارسة أنشطتهم من داخل زنازينهم الفارهة، ليضموا المزيد من الأتباع و يقوموا بالاستيلاء على كل المنابر، بل و يتمتعوا بالحرية الكاملة دون رقيب في إدارة المليارات من الدولارات في أنشطة تجارية و صناعية تضمن تمويل منظماتهم، ناهيك عن السماح لأتباعهم، و منهم مرسي نفسه، بالفوز بمقاعد في مجلس الشعب في عدة دورات ليظهروا بمظهر المعارضة السياسية الوطنية مقابل الالتزام بعدم المساس باستقرار النظام !

و دعني أضيف لقائمتك هنا أيضاً عديد الصحفيين و الإعلاميين و المحللين السياسيين الذين كنت أصر طوال فترة حكم مبارك و في الأيام الأولى للثورة على عدم مصداقيتهم بينما كنت أنت و معظم المتابعين لهم تعدونهم من المعارضين الناقدين للنظام الذين لا هم لهم إلا صالح الوطن، بينما تكشفت فيما بعد و عبر ست سنوات من توالي سقوط الأقنعة، عديد الحقائق و الأحداث التي أثبتت كيف أنهم لا يتبعون إلا مصالحهم الشخصية، و لا يتفوهون إلا بما يريده من يدفع أكثر !

و لن أتنصل هنا من قناعتي منذ قيام الثورة في يناير، أن من سمح لكل أولئك أن يحيدوا بالثورة عن مسارها، و أن يستغلوا غضبة الشعب المصري ضد القمع و الفساد و الأحادية و الاحتكار في يناير، و من أدى بالأمور إلى أن تصل لنقطة الانفجار في يونيو لم يكن سوى الإدارة التي جانبها الصواب من جانب قادة المجلس العسكري الذي تولى السلطة في أعقاب الثورة ..
تلك القيادة التي و إن لم أشك لحظة واحدة في وطنيتها و عدم تفريطها في ذرة تراب واحدة من أرض مصر، إلا أنها فرطت في حقوق الشعب المصري حين التزمت الصمت تجاه فساد مبارك و حاشيته لثلاثة عقود متتالية، و فرطت مرةً أخرى في حقوق الشعب المصري بقبولها لتراجع مستوى منظومة تسليح الجيش المصري و انحسارها لتبقى محدودة في إطار ما تقدمه الولايات المتحدة على سبيل المعونة التي تمنحها حين الرضا و تمنعها حين يتطلب الأمر الرضوخ لتوازنات سياسية و إقليمية فرضتها تبعية نظام مبارك الكاملة لواشنطن و إن روج إعلامه بغير ذلك .. !
تلك القيادة التي سمحت بجنوح سفينة الثورة على شاطئ المؤامرات  حين تخاذلت في مواجهة من قفزوا على ثورة الشعب و أطلقت دون مبرر واضح سراح قادتهم بعد مرور أيام قلائل من تنحي مبارك ليجد من قاموا بالثورة ضد النظام بأكمله أنفسهم محاطين بمن كانوا جزءاً أصيلاً من المستفيدين من ذلك النظام أمثال الملياردير حسن مالك و رفيقه خيرت الشاطر الذين خرجا من السجن ليدخلوا ميدان التحرير و يعتلوا منصة الثوار وسط دهشة الجميع و في حراسة الشرطة العسكرية و بدعم من المجلس العسكري وكأنهم هم من ثار من أجل حقوق الشعب، بينما هم أبعد ما يكونون عن ذلك ..
و استمر التخاذل ليشمل السماح بأن يتولى المستشار البشري، وهو من عرف عنه انتمائه لفكر الإخوان، رئاسة لجنة تعديل الدستور، بل و أن يتم السماح لميليشيات الإخوان و السلفيين بالسيطرة على مشهد الاستفتاء فيكفرون من يعارض التعديل و يقومون بدور الكهنة الذين ينزهون المجلس عن الخطأ و يحكمون على من يعارضه بالخروج من عباءة الإسلام !
و استمر فيما بعد ليشمل التصديق على قانون انتخاب معيب و الدعوة لانتخابات برلمانية في ظل بيئة حزبية منقوصة يعلم الجميع أنها لن تفرز سوى برلمان يسيطر عليه الإخوان و من والاهم، ثم الدعوة لانتخابات رئاسية نعلم  جميعاً ما آلت إليه !

قد تجد نفسك و قد قررت ألا تكمل قراءة هذه السطور، بل و دعني أكون أكثر وضوحاً لأقول لك أنك بدأت جدياً في الشعور أن من كتب هذه السطور هو مجرد عميل آخر من مرتزقة التمويل المحرضين على الجيش و الكارهين لكل ما هو عسكري ..

و دعني أؤكد لك أنك على خطأ .. فمن كتب هذه السطور فقد صداقة و ود نصف رفاقه لأنه قرر النزول في يونيو للإطاحة بمن يرون أنه، بالرغم من كل ما يمثله من فاشية و ولاء لجماعته، كان رئيساً منتخباً ديمقراطياً، بينما فقدت معظم النصف الباقي في يونيو 2014 حين قررت اختيار السيسي لقيادة المرحلة الحالية عن قناعة لا يشوبها شك أنه الرجل الأنسب للمرحلة الأخطر من تاريخ مصر .. مرحلة تمثل الفارق بين الاستمرار كدولة ذات سيادة و تراب وطني موحد أو التحول إلى حالة من السيولة السياسية و العسكرية و الاجتماعية !

و لن أبالغ حين أقول أن حالتي أنا و رفاقي كانت في حقيقة الأمر حال كل بيت و كل أسرة و كل حارة في مصر .. ففي زاوية من المشهد الوطني، انقسم من هم على شاكلتي ممن يرون أن يونيو هي استمرار للمد الثوري الذي بدأ في يناير، بين اختيار صباحي و هو من قدم نفسه كمرشح للثورة بكل ما تعنيه من مبادئ الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية و رفض ضمني للعودة لحكم ذوي الخلفية عسكرية ، و بين السيسي و هو من استجاب لنداءاتهم في يونيو لإنقاذ سفينة الوطن من الغرق في غيابة بئر فاشية الحكم الديني، بالرغم من كل التحفظات على انتماء الرجل لمجلس طالما هتفوا ليرفع يده عن الحكم و مازالوا يطالبون بمحاسبته على الانتهاكات التي سجلت في عهده حتى تسليمه مقاليد الأمور لغير المأسوف على عزله.

بينما وجدنا في زاوية اخرى من المشهد المحتدم، اليساريون و القوميون و الاشتراكيون من أصحاب الصخب المعتاد و ادعاءات امتلاك الحقيقة المطلقة و هم بدورهم منقسمون بين اختيار صباحي المرشح اليساري التوجه، القومي النزعة، و بين السيسي الذي يرون أنه يمثل إعادة لنموذج أيقونة عبد الناصر الخالدة التي يمكنها التواصل مع الشعب و شحذ الهمم و إعادة هيبة الدولة و استعادة دورها الإقليمي و الدولي دون تبعية أو استكانة.

 
إلا أن من كانوا يشغلون المساحة الأكبر من المشهد بعد يونيو، و من صنعوا الفارق الحقيقي، كانوا أولئك المصريين البسطاء الذين لا يعنيهم من الأمر سوى أن هناك من أعاد لهم وطنهم الذي يعرفونه، و من خاطبهم بلغتهم التي اعتادوها، لا سيما و أن الرجل يرتدي الزي العسكري الذي طالما ارتبط في الوجدان المصري بالعزة و الكرامة الوطنية.

و لكن ما يعنيني حقيقةً في مشهد يونيو،  هم أولئك الذين لا تستطيع أن تلحظ لهم وجوداً لقلة عددهم و انحسار الأضواء عنهم بل و ترفعهم عن إثارة الصخب ليلتفت إليهم الجميع !
أولئك الذين أؤمن أنهم الأكثر صواباً، و الأكثر قدرة على تحليل الأمور و اتخاذ القرار الذي لا يصب إلا في إناء المصلحة العليا للوطن، و لا ينتقص بأي حال من حظوظ الثورة على المدى الطويل في بسط مبادئها رغماً عن الجميع.

هؤلاء الذين لم يعنيهم التقيد بشعارات جوفاء، أو التبعية لأيقونات واهية، أو الانتماء لأيديولوجيات جامدة، حتى و إن كان ذلك احياناً على حساب تراجع مؤقت للمسيرة الثورية، ليقينهم أنه و إن كانت الثورة في لحظة ما هي الوسيلة المثلى للتغيير، فهي ليست هدفاً بحد ذاتها.

هؤلاء ممن يظن المتابع الضحل لهم أنهم غير ثابتين على مبادئهم، فلقد رآهم يخرجون في يناير للمطالبة بالعيش و الحرية و العدالة الاجتماعية و مطالبين للجيش بمساندتهم، ثم رآهم بعدها و هم يطالبون بتنحي المجلس العسكري و إقامة الدولة المدنية و إرساء دعائم دولة القانون بدلاً من دولة البطش و الطوارئ، ثم رآهم في النهاية يخرجون بدهم من نفس الجيش على من قد يبدو رئيساً مدنياً منتخباً، بينما كان خروجهم ضد التفاف الإخوان على مبادئ الثورة و خيانتهم لثقة الملايين ممن أئتمنوهم على وطن لم يروه إلا لبنة ضمن أخريات في مشروع إعادة بناء الخلافة المزعوم.

هذه القلة التي لم تحيد عن مطلبها و هدفها في رؤية وطن موحد قوي ينعم فيه الجميع بالحرية و المساواة و الكرامة، و لكن الأهم أن يكون كل ذلك أولاً تحت راية واحدة و فوق تراب وطني موحد، و هو الهدف الذي يتطلب على المدى القصير وجود قيادة تمتلك الحد الأدنى لتحقيق ذلك ..
قيادة مدعومةَ بتاييد شعبي حقيقي ..
قيادة تمتلك الرؤية الاستراتيجية و القدرة على تحقيق التوازن الإقليمي و التواصل مع كافة القوى الكبرى لدعم مكانة مصر السياسية و الدبلوماسية و دعم القدرة العسكرية للجيش المصري للتعامل مع التهديدات الإقليمية ..
قيادة  تمتلك الحد الأدنى اللازم للتحكم في موارد و أجهزة الدولة دون إبطاء لإصلاح البنية التحتية التي تضمن عدم انهيار منظومة الاقتصاد بالكامل و تضمن بقاء ما يمكن البناء عليه لإصلاح تلك المنظومة ..
و أخيراً .. قيادة تمتلك القدر الكافي من الصرامة اللازمة لكبح جماح من سولت لهم أنفسهم استباحة الدماء و الأعراض و الملكيات العامة و الخاصة لكي لا نقع من جديد في فخ التخاذل و التوازنات فيضيع كل شيئ مرة أخرى!

قد يتوهم البعض أني، و من يوافقونني الرأي، نعطي بذلك الضوء الأخضر لمن تولى مقاليد الحكم ليفعل ما يشاء و أن يعود بالأمور لما قبل يناير، و لكني أؤكد لهؤلاء أنه و بالرغم من تأييدي و دعمي و قناعتي بحتمية يونيو و اختياري لهذه القيادة في المرحلة الآنية، فأنا على ثقة أن المصريين، بل و الرئيس نفسه، صاروا يمتلكون الحد الكافي من اليقظة للحيلولة دون إعادة تأليه الحاكم، و أني و من يتوافقون مع رؤيتي للأمور و من بذلوا الجهد الذي يستطيعون في صمت طوال السنوات الماضية بأموالهم و دمائهم و حناجرهم و أقلامهم، مصرون على  مواصلة العمل على تنمية الوعي السياسي و الإجتماعي و الثقافي للأمة و تعريف الجميع بحقوقهم التي صوتوا لدستور يمنحهم إياها ..

و الأهم من ذلك كله .. هو ثقتي في أن من خرجوا في يونيو لن يقبلوا إلا أن تكون هي الضمان أن يناير ستظل و بلا شك نقطة اللا عودة لما قبلها من قبول للقمع تحت ستار حفظ الامن، أو كبت الحريات تحت مظلة حماية الأمن القومي، أو تخوين المعارضة بحجة الحفاظ على وحدة الكلمة.

حفظ الله مصر .. و سدد على طريق الخير خطى أبنائها.

Thursday, April 27, 2017

مصر .. بين حقيقة التهديدات و أوهام المعونات


إيهاب الشيمي

يدهشني دائماً رد فعل المصريين حيال الكثير من الأحداث و الأخبار التي تمس مصر و التي تطالعنا بها الصحف و شاشات الفضائيات يومياً  !


فهم يضعون دولةٍ ما في مصاف الأمم العظيمة و يتسابقون في سرد تاريخها الطويل في مساندة مصر في أوقات الشدة، و حاجتنا الملحة للإبقاء على علاقاتنا القوية معها لضمان أمن و استقرار المنطقة، بل و التاكيد على حتمية نجاح تلك العلاقة رغم كل التحديات بفضل حكمة رئيسها و حنكة ملكها بل و أصالة شعبها و وعيه بحجم مصر و قدرها و مكانتها !


و لا تكاد تمضي بضعة أسابيع حتى تجد نفس تلك الدولة  و قد اتخذت مكاناً حقيراً في قعر جدول الأمم مع قائمة طويلة من الأحداث التي تبرر حقارة تلك المكانة و كيف أننا لم نجد منها الدعم الكافي حين تطلب الأمر ذلك، و كيف أننا يجب علينا التفكير بجدية في مراجعة علاقاتنا بهذه الدولة، بل و إلقاء الضوء على العوامل التي ستعمل عاجلاً أو آجلاً على انهيار تلك العلاقة بسبب تعنت قيادتها و تهور أمرائها بل و جهل شعبها و عدم درايته بمكانة مصر العظيمة و دورها في استقرار المنطقة !


للأسف .. يعتقد الكثيرون هنا في مصر دائماً أن الدول الكبرى تدار بنفس طريقة إدارة أوطاننا، حيث تسير جميع المؤسسات خلف القيادة و يتم نظم أشعار العشق في الدول التي يزورنا قادتها و نلعن جميعاً آباء أولئك الذين يخالفوننا الرأي و السياسة و التوجه الاستراتيجي !


عفواً أيها السادة .. ليس معنى أن ترامب قد استقبل السيسي بالقبلات و الأحضان و المديح أن موقف الولايات المتحدة من مصر قد تغير بين ليلة و ضحاها، أو أن الإعلام الأمريكي سيبث برامج عن مكانة مصر العظيمة و تاريخها التليد في التحالف مع واشنطن طوال أربعة عقود سابقة !


إن من يظنهم الجميع فرقاء متصارعون على السلطة في واشنطن يجيدون ببساطة  توزيع الأدوار لتحقيق المصلحة العظمى لبلادهم أو دعوني أكون أكثر تحديداً لأقول مصلحة كياناتهم الكبرى المسيطرة على دوائر صناعة القرار الأمريكي و المتمثلة في اباطرة صناعة السلاح و النفط !


و اعتقادي الجازم هو أن استقبال ترامب المميز للسيسي منذ اسابيع قليلة كان المراد منه بالأساس تذكير القاهرة أنه مازال هناك عبر الاطلنطي حليف قديم يمكنها دائما العودة إليه حين تسوء الأمور عسكرياً و سياسياً و اقتصاديا ..


و لكن في المقابل، و في توزيع مثالي للأدوار، يقوم رجال الكونجرس من الحزبين الجمهوري و الديمقراطي على حد سواء بتذكير القاهرة أيضاً أن العصا جاهزة لمن عصى إرادة القوة العظمى الوحيدة على هذا الكوكب البائس !


فكما يمكن أن يتم ترجمة جهود الجيش المصري في سيناء كإضافة لا يمكن إنكارها لجهود المجتمع الدولي و مسعى الولايات المتحدة المزعوم لمكافحة الإرهاب، إلا أن تلك الجهود يمكن التعاطي معها في الوقت ذاته على أنها مجرد مجموعة من جرائم الحرب الممنهجة ضد المدنيين العزل من معارضي النظام، و يتم بالتالي اتخاذ ما ينتقيه رجال البيت الأبيض من سلة الإجراءات العقابية المعدة سلفاً ضد مصر حين يريدون قلب الطاولة و " شد أذني" السيسي و نظامه لو لم يعد إلى صوابه و يقف من جديد في طابور أذناب الولايات المتحدة !


و لكي يمكنك تفهم ماهية الصواب الذي من المفترض أن يعود إليه السيسي، فيمكنك أولاً وضع تأييد تدمير الجيش العربي السوري بحجة الإطاحة ببشار الأسد لتتحول سوريا من دولة أنهكتها الحرب الأهلية إلى مجرد ساحةٍ غير محددة الحدود أو الهوية للصراع على السلطة بين الجماعات السنية المتشددة، و الميليشات الشيعية الموالية لطهران، و الجيش الحر المدعوم من أردوغان، و قوات سوريا الديمقراطية الكردية التي تساندها و تمولها الولايات المتحدة الأمريكية !


و لن يقتصر الأمر بالطبع على مسايرة موقف واشنطن في سوريا وحدها، بل سيمتد ليشمل تخلى القاهرة كذلك عن الشرعية المتمثلة في مجلس النواب الليبي المنتخب في طبرق و التوقف عن مساندة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي يقف وحيداً في مواجهة داعش و القاعدة و ميليشيات الإخوان و قوات فجر ليبيا و كتائب بنغازي التي تتلقى دعماً مستتراً مما يسمى بحكومة الوفاق في طرابلس و التي يرأسها فايز السراج الذي أفرزته جلسات اتفاق الصخيرات ليرسخ لحماية مصالح أوروبا و الولايات المتحدة النفطية في شمال أفريقيا !


أما اليمن، فلا أعتقد ان الأمر يهم الإدارة الأمريكية بشكل مباشر، بقدر ما يهمها دعم حليفتها الرئيسية في الرياض و التي لم تستجب القاهرة لطلبها بدفع قوات الجيش المصري إلى أتون الحرب البرية في اليمن ليظل الأمر قاصراً بشكل أساسي على الضربات الجوية التي لا يمكنها حسم الأمور في ظل تدخل بري محدود و غير حاسم لبعض قوات مجلس التعاون الخليجي و تحديداً قوات الإمارات العربية المتحدة التي تحملت العبء الأكبر و قدمت العدد الأكبر من الشهداء في هذه الحرب بمساعدة رمزية من قوات الشرعية اليمنية الضعيفة التدريب و الخبرة، و بعض وحدات القوات المسلحة السودانية التي لا يسعى البشير من خلال مشاركتها إلا لنيل حظه من المساعدات الخليجية و خاصة القطرية منها التي لا تصب إلا في اتجاه زيادة التوتر بين القاهرة و الخرطوم و دعم نظام البشير الإخواني لبسط المزيد من نفوذه الذي لم يؤدي إلا لتقسيم السودان و انتشار الصراعات العرقية و الطائفية به !


ما أريد أن الفت نظر الجميع إليه أيضاً حتى لا يبالغوا في قلقهم حيال الأمر، و حيال تهديدات أعضاء لجنة المساعدات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي بتخفيض و مراجعة حجم المساعدات المقدمة لمصر بحجة الملف الضعيف لحقوق الإنسان و الحريات في مصر و مزاعم ارتكاب الجيش المصري لجرائم حرب في سيناء هو أن تلك المساعدات لا تخدم أحداً هنا سوى الولايات المتحدة فقط !


نعم .. قد تصيبك الدهشة، و لكن هذه هي الحقيقة المجردة، فالمساعدات الأمريكية التي التزمت واشنطن بتقديمها لمصر عند توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل كانت تبلغ مليارين و مائة مليون دولار امريكي في السبعينيات، منها مليار و ثلاثمائة مليون كمعونة عسكرية يتحملها دافعي الضرائب الأمريكيون بينما يذهب أكثر من نصفها لشراء معدات عسكرية أمريكية ينتفع من شرائها أباطرة شركات السلاح الأمريكية، بينما يتم توجيه معظم الباقي منها لتوريد قطع غيار و صيانة الأسلحة التي تشكل الأمريكية منها اكثر من 75% !


أما ما يتعلق بالثمانمائة و خمسين مليون دولار المتبقية، فيتم توجيهها لبرنامج المعونة الأمريكية الذي يخدم قطاعات اقتصادية بالأساس مع بعض الاهتمام بقطاعي الصحة و التعليم. و ما سيدهشك هنا أيضاً هو أن العقود المبرمة مع الجهات التي تنفذ مشروعات التنمية المرتبطة بالمعونة الامريكية يتم منحها لشركات أمريكية أيضاً لتقوم بتوريد أجهزة و معدات امريكية أو بتوفير مستشارين و فنيين امريكيين ليتم في النهاية إعادة أموال المعونة لمن قدموها لنا !


و دعني أفجر لك المفاجأة الأخيرة لأخبرك أن واشنطن قررت تخفيض المعونة الاقتصادية منذ عام 1998 بمقدار 40 مليون دولار سنوياً لتبلغ حاليا 250 مليون دولار فقط مقارنة بما تعتقد أنه 850 مليون دولار كما كان الحال في السبعينيات .. !
و حين تعلم أن الناتج القومي لمصر يبلغ أكثر من ثلاثة تريليونات جنيه أي ما يعادل 150 مليار دولار فإن تلك المعونة لا تتجاوز نسبتها اثنين من عشرة بالمائة من إجمالي الناتج القومي المصري !


خلاصة القول .. دعك من القلق حيال المعونات الوهمية، و لتحاول عوضاً عن ذلك اكتشاف ما هو وراء الستار و من هو المستفيد الحقيقي من الترحيب برئيسك في البيت الأبيض ثم عقد جلسات مشبوهة للكونجرس حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر و جرائم الحرب المزعومة في سيناء، بينما تنتهك حقوق الإنسان أمام العالم كله في الأراضي الفلسطينية و بورما و الصين و تركيا بل و في الولايات المتحدة نفسها يومياً دون أن يحرك أحداً ساكناً تجاه الأمر، و بينما يرتكب جنود البحرية الأمريكية و طيارو قاذفاتها الاستراتيجية العشرات من جرائم الحرب في أفغانستان و العراق و سوريا بشكل متكرر دون أن يلفت ذلك نظر نفس المؤسسات الدولية و المجالس التشريعية في الديمقراطيات الكبرى التي لا تتحرك سوى ضد من يهدد مصالح مموليها !

Monday, April 10, 2017

الخطاب الديني بين ضرورة التغيير و خطورة المحاذير


إيهاب الشيمي

رابط المقال على روزاليوسف المصرية

قبل أن تقرأ: "أعيد نشر هذه المقالة بعد ما حدث من مناقشةٍ و لن أقول مناوشةً أو صداماً بين شيخ الأزهر و رئيس جامعة القاهرة بالأمس خلال مؤتمر الأزهر لتجديد الفكر الديني و التي يمكنك متابعتها هنا  "

ترددت كثيراً قبل أن أقرر الكتابة عن مسألة " تجديد الخطاب الديني " التي شغلت مساحة كبيرة من صفحات الجرائد و البرامج الحوارية، ناهيك عن شبكات التواصل الاجتماعي التي ملأها الجميع صراخاً و عويلاً كثيرة دفاعاً عن مواقفه و من يؤيدونها ، بل و سباباً و هجوماً في أحيان كثيرة على من يعارضونه.


و لن أكون هنا طرفاً في الأمر الذي تحول في رأيي لصراع، و لن أكون منتمياً لأحد الجانبين، و لن أخوض بالتاكيد في أمور فقهية و دعوية، فقدري أدنى من أن أخوض فيما وهب له علماء حياتهم بأكملها، و لكني أريد فقط أن أوضح بعض النقاط التي غابت عمن خاضوا هذا النقاش و فقدوا بسبب ذلك الموضوعية المطلوبة في مثل هذه الأمور ..


أول هذه النقاط هو أنه و بالرغم من وجود الأزهر في القاهرة، و أن الدعوة لتجديد الخطاب الديني جاءت من جانب الرئيس السيسي، إلا أن ذلك لا يعني أن الإسلام يحمل الجنسية المصرية، أو أن المهمة مقصورة على علماء الفقه و الشريعة و الحديث و رجال الدعوة المصريين فقط، فحين يتجاوز تعداد المسلمين المليار و نصف المليار في ست و ثمانين دولة فلا يمكننا حصر تنقيح النصوص في الأزهر فقط، أو أن ننصب بحيري رمزاً و زعيماً لتيار التنوير و التجديد في العالم الإسلامي بأسره.


الأمر الثاني، و هو أن صحيح الدين ليس ما يصر البعض من رجال الدعوة و علماء الفقه و الشريعة و الحديث على حصره في نصوص يرفضون مناقشة صحتها و افتراض قدسيتها بل و عصمتها في بعض الأحيان .. بل إن صحيح الدين، كما أراه أنا، هو ما أوحى الله به إلى عبده و رسوله محمد (صلى الله عليه و سلم ) ليوافق الفطرة السليمة التي فطر الله الانسان عليها و التي لا تختلف أسسها و معاييرها مهما اختلف الزمان أو المكان أو اللسان أو الثقافة، و تعاليمه هي التي تؤكد قيم الحرية و المساواة و العدل و التكافل التي تشترك في احترامها كل الأنظمة السياسية و الاجتماعية، بل و كل العقائد حتى غير السماوية منها، بما لا يتعارض مع المنطق الراشد و العلم الثابت بالأدلة القطعية.


الأمر الثالث، و هو أن الدين ليس مجرد تعاليم و نصوص تخضع لإعمال عقل كل شخص على حدة دون أن يكون لديه الخلفية المرجعية اللازمة لفهم النصوص، و فهم المحتوى الذي نزلت في إطاره، و كذلك ارتباطها ببعضها البعض، و نسخ بعضها للآخر. و لو أن الأمر خاضع لتفسير كل منا للنص دون الحاجة لعلوم الحديث و الفقه و الشريعة و القياس و الاجتهاد، بحجة أن الدين علاقة بين العبد و ربه، فلا يمكننا حينها أن ننتقد ما ذهب إليه متطرفون أعملوا عقولهم و فسروا النصوص تبعاً لمنطقهم الخاص ليخرج علينا في النهاية جماعات مثل الإخوان المسلمين و القاعدة و داعش و أنصار بيت المقدس، بل و من هم دونهم ممن يخرجون أسبوعياً في مسيرات عين شمس و المطرية !


الأمر الأخير، و هو أن أعداء الأمة، الذين أصر على وجودهم و على استمرارهم في حياكة المؤامرات ضدها، يجيدون و بدقة فائقة و دهاء شديد تحديد ما يقوض وحدتنا و يدمر هويتنا بداية من تأجيج الصراع الطبقي، و مروراً بمحاولة الفصل بين الجيش و الشعب، و زرع الفتنة بين طوائف الشعب، و نهاية بما يحدث الآن من محاولة استغلال النقاش حول ضرورة تنقيح المراجع و مراجعة النصوص الدينية، للتشكيك في أهلية الأزهر، و المرور من خلال التشكيك في الفروع إلى الوصول في نهاية الأمر إلى التشكيك في الأصول و تدمير أي مرجعية يمكن من خلالها مواجهة محاولاتهم لتقسيم الأمة و زرع الفرقة.


إن التنقيح و المراجعة و تجديد تفسير النصوص بما يوافق التطور العلمي و اختلاف منطق الأشياء و تغير طبيعة التحديات هو شئ حتمي لا مناص من حدوثه مهما رفض صقور الأزهر ذلك و مهما أصر البعض على عصمة نصوص كتب الحديث و السيرة النبوية، فبالرغم من إيماني الراسخ أن الله أنزل دينه و بعث رسوله بما يصلح لكل زمان و مكان حتى قيام الساعة، إلا أن إيماني أيضاً هو أن تفسير النصوص يخضع لمنطق من قام بالتفسير لحظة قيامه بذلك، و هو ما يتغير بتقدم الزمن و تطور العلوم، فما كان مستحيلاً منطقياً منذ اربعة عشر قرناً، أصبح شديد المنطقية الآن مثل إمكانية الانتقال من طرف العالم إلى طرفه الآخر بين ليلة و ضحاها، أو إمكانية التواصل صوتاً و صورة مع شخص يبعد عنك آلاف الأميال، أو حقيقة اكتشاف أن الأرض كروية تحول قوى الجاذبية دون أن نسقط من على سطحها إلى الفضاء الواسع، أو أن يصيبنا الدوار نتيجة دورانها حول نفسها !


 و لكن ما علينا أن ندركه و نعيه هو أن ذلك التنقيح يجب أن يتم من خلال القنوات الصحيحة و من خلال من نثق في علمهم و نثق في إخلاصهم لدينهم و أوطانهم و ليس لجماعة بعينها، أو لقوى استعمارية تريد استغلال ما يفرقنا.


إن التجديد في الخطاب الديني، و مراجعة النصوص و تنقيحها ليس معياره الوحيد هو الرغبة في التغيير و مواكبة التطور، أو الإعجاب بمنطق من يدعو إليه دون معرفة دوافعه الحقيقية، بل هناك من المعايير ما يجب أن نضعه كذلك في الحسبان، حتى لا يحدث في النهاية ما حدث في دولنا خلال السنوات الأخيرة من جديد، حين كانت الرغبة في التغيير السياسي حتمية، فاندفع الكثيرون وراء من انقضوا على مسيرة التغيير دون معرفة دوافعهم و ولاءاتهم، فكانت النتيجة أن استبدلنا فساد الحزب الوطني بفاشية الإخوان المسلمين، و قمع و دكتاتورية بشار بفوضى اللادولة و وحشية داعش و جبهة النصرة.


حفظ الله مصر و شعبها و جنبها شر الفتن
.

Friday, March 3, 2017

أسئلة بلا إجابة .. لم تسألها النيابة !

إيهاب الشيمي
سيدي الرئيس، بعد التهنئة بالبراءة في القضية .. هل لي من إجابات على أسئلة عصية؟
...
لا بأس يا بني و لكن في عجالة .. فأنا من نشوة الفرح أشعر بالثمالة
...
كيف ترى حكمك في ثلاثة عقود؟ .. و ما الذي ادى بك لهذا السقوط؟
...
لقد ورثت عن أسلافي مسئولية عظيمة .. احتاجت لقيادة مثلي حكيمة
...
سيدي، أنا أبحث عن الموضوعية .. و لا أريد لحوارنا أن يشابه خطاب "الشرعية"
...
هذه هي الموضوعية بعينها يا صديقي .. و ما أقول هو واقع و أمر حقيقي
فأنا خلفت ناصر و السادت .. و لي مثلهما نصيبي من الإنجازات
و يكفيني أن كنت قائداً للنسور .. و فتحت للجيش باباً للعبور
...
و لكن كان هناك من القادة الكثيرين .. فكيف تنكر إسهاماتهم أجمعين؟
...
لولا غارات أبنائي على الغزاة .. لما تحقق في أكتوبر عبور القناة !
...
بما أنك ذكرت القناة بالتحديد .. فما رأيك في مشروعها الجديد؟
...
هي خطوة و قرار سديد .. شريطة الالتزام بالمواعيد
...
و لماذا لم تفكر أنت بالموضوع .. و تطلق مع نظامك شرارة المشروع؟
...
و كيف لي أن أفكر بازدواج الممر؟ .. فصعوبته تماثل صعود القمر!
و التنفيذ يحتاج للكثير من الأموال .. و الموازنة لا تحتمل يا "سيد الرجال"
...
و أين كانت زمرة مستشاريك؟ .. أم كانوا مجرد دجاجات و أنت الديك؟
...
قد كانوا ثلة من الفاشلين .. و بيني بينك .. "شوية طبالين" !
و لقد فضلت ان يكون رجالي المقربين .. من رجال الأعمال و المستثمرين
فهم بارعون في استغلال موارد البلاد .. و أجني من خلفهم الكثير من العمولات
...
و لماذا لم تفكر في أبناء النيل .. و قد أثبتوا بشهادات القناة  قدرتهم على التمويل؟
...
و كيف كان لي أن أعتمد على هؤلاء .. و قد أنفقوا حتى ليتنشقوا نسمة الهواء ؟
هم في نظري مجرد وجوها "تنحة" .. لا تكاد تراني إلا و هتفت من أجل " المنحة" !
...
و لماذا لم تقم بهيكلة الأجور .. فيصبح كل منهم في بيته مستور؟
...
أتريدني أن أقضي على المحسوبية ؟ .. و تهتز أركان نظامي كالراقصة اللولبية ؟!
لا مانع عندي أن يعانوا من الجوع .. مادام "العادلي" سيضمن لي منهم الخضوع
فانشغال الجميع بإطعام العيال .. سيضمن تفرغي لتوريث "الواد جمال"
...
و كيف ضمنت أن الشعب سيسكت .. و عن توريثه كالمتاع لأبنائك سيصمت؟
ألم تخش المعارضة السياسية .. من الأحزاب و التيارات الدينية؟
...
كل منهم كان له عندي نصيب .. فكيف يعارضون من هو لهم حبيب ؟
فهم إما مشغولون بتلقي أموال السفارات .. أو فرحون بما منحتهم في البرلمان و الوزارات
فلا تنخدع بنخبة "الإنقاذ" و أصحاب الذقون .. فكلهم يا صديقي بمطالب الشعب متاجرون
...
و ماذا إذن عن انتشار الفقر و المرض .. و عن العلم الذي في مدارسنا انقرض؟
...
كل ذلك إشاعات مغرضة .. فلم يثبت أن المبيدات أشياء ممرضة ؟
و لقد وفرت أفضل علاج لكل المواطنين .. و منحنا الأيزو و أخواتها لمستشفى "أم المصريين"
و لقد جربت العلاج على نفقة الدولة في "المانيا" .. و لم أجد فارق بينه و بين المستشفى المركزي في "المنيا"
فلا تنساق وراء من يطلقون هذه الأقاويل .. ففي عهدي كان يمكنك أن تشرب مباشرة من مياه النيل
...
دعني إذن أسألك عن البنية التحتية .. و الإهمال الذي أصابها في دولتك الفتية
...
يبدو أنك تتعمد تجاهل ما حدث في عهدي من فرق .. ألم أوفر لكم الانترنت بسرعة البرق؟
و تركت للشباب "الحبل على الغارب" .. فقاموا بتحميل الملفات من المشارق و المغارب؟
و اصبح لدى الجميع تويتر و فيسبوك و انستجرام .. و تبادل الشباب على الواتساب كلمات الغرام؟
...
أنا لا أتحدث عن وسائل الاتصال .. بل عن محطات طاقة و مخازن وقود و وسائل انتقال
فمحطات الكهرباء حالتها من السوء بالغة .. و مخازن الوقود باتت من البنزين فارغة
و صار انهيار الشبكة أمر محتوم .. و مسئوليتك عن ذلك الإهمال هو شئ محسوم
...
قد حدث الانهيار في عهد مرسي و السيسي .. فلا تسلني عن ولاية غيري يا عزيزي
و لو أنكم أبقيتم على نظامي و رجالي من حولي .. لاستطعت تدبير المطلوب من البنك الدولي
...
و كيف تقترض بدون خطة للإصلاح ؟.. ألم تر ما فعل أخوك عبد الفتاح ؟
...
أخي اتخذ الطريق الصعب .. و سينال حظه من الشتائم و السب
فكيف يستمر في تأييده من لا يجد المليم .. بعد أن اتخذ و عامر قرار التعويم ؟
...
أراك مازلت تفضل السحب على المكشوف .. و حين تقع الكارثة " نبقى نشوف" !
ألا يكفيك أن أغرقت مصر بالديون .. تتحملها الأجيال القادمة لسنوات و قرون؟
...
و ما دخلي أنا بقادم الأجيال .. "إحييني النهاردة و موتني بكرة" على رأي الأمثال
...
فما رأيك في الثورة يا سيدي .. و لا أعني "يونيو" و أنت تفهم مقصدي
فلست في حاجة للسؤال عن الثورة ضد الإخوان .. فلم يكن يرضى بحكمهم إلا غافل أو جبان
...
إذا كنت تقصد "يناير" المجيدة .. فعندي لها أوصافاً عديدة
فهي "مؤامرة" بالتاكيد .. و لا أجد مؤيدها إلا خائن أو مريد
و أيدي حماس و الإخوان فيها واضحة .. و لمن وراءهم من الأمريكان و الأتراك فاضحة
فهم من اندسوا يوم الثامن و العشرين .. و ألصقوا بالشرطة تهمة قتل المتظاهرين
أما عن الملايين من الشعب الغلبان .. فلقد أصدرت من أجلهم قرار "حل البرلمان"
و أقلت لهم حكومة "نظيف" .. و جئت بشفيق لعل لديه ما يضيف
و ضحيت بالعادلي الذي يسبح بحمدي .. و أتيت بديلاً عنه "بواحد اسمه وجدي"
...
عفوا، و لكني أجد صعوبة في الاستيعاب .. و عديد الأسئلة ليس لها عندي من جواب !
فكيف تسلل هؤلاء يا سيدي إلى البلاد .. و كيف انتشروا في كل المحافظات كالجراد ؟
و كيف بمن يفترض ان يحموا الأمة في الشدائد .. أن يتركوا مواقعهم لمتآمر و حاقد ؟
و كيف تسقط دولة بين ليلة و ضحاها .. في براثن جماعات زعمتم أن الأمن محاها ؟
أم أن العادلي و رفاقه متورطين .. و على نظامك تآمروا مع الخائنين؟
و لماذا حمى الجيش الثورة .. و كشف لنظامك كل عورة ؟
و أدى قادته لشهداءها التحية .. و أغدقوا على مصابيها العطايا السخية ؟
و لماذا أحالوك للمحاكمة .. و قد علموا أن الثورة مؤامرة محكمة ؟
و كيف وصفها السيسي بثورة الشعب الجسور .. حين تسلم السلطة من الرئيس منصور؟
و لماذا منحها شيخ القضاة المشروعية السياسية.. بعد أن منحك البراءة في الدعوى الجنائية ؟
أم أن كل هؤلاء مغيبين .. و أنت فقط من تعلم الحقيقة علم اليقين ؟
...
يا ولدي هذه أسئلة بها العقل يفيض .. و أنا كما ترى رجل كهل مريض
...
قد أغناني الله يا سيدي عن ردك و الجواب ..  حين قال "لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ"

رابط المقال على روزاليوسف المصرية

Saturday, February 18, 2017

الاقتصاد .. بين فوضى الإشاعات و حقائق المؤشرات !







إيهاب الشيمي 


بينما تمارس طقوس حياتك اليومية و تحاول جاهداً السيطرة على وحش الأسعار الذي يبدو أنه يمتلك دائماً من الأذرع عدداً يفوق ذلك الذي استطعت بكل ما أوتيت من قوة السيطرة عليه، تصطدم بأذنيك من آن لآخر بعض العبارات التي يطلقها فيما يبدو الكثير من الأشخاص الذين فرقتهم الطبقات الإجتماعية و نمط الحياة اليومية و القدر الذي تلقوه من التعليم، و جمعهم فقط التذمر من الارتفاع الرهيب في أسعار كل شئ تقريباً، إذا استثنينا الهواء الذي يتنفسونه بالطبع !

و يمكنني بالطبع هنا عزيز القارئ أن أذكرك ببعض تلك العبارات ..

فها هو احدهم يقول: " الله يرحم أيامك يا مبارك .. كانت الحاجة رخيصة و الدولار بأربعة جنيه و لتر البنزين بتسعين قرش " .. !

و ها هو آخر يندب حظ جماعته ليقول : " ما كانش عاجبكم الإخوان .. أهو الدولار كان بستة جنيه أيامهم و انتم دلوقتي فرحانين عشان نزل و بقى ب 16 جنيه .. منه لله اللي كان السبب " .. !

و دعوني ألفت انتباهكم هنا أنني استخدمت وصف " الارتفاع الرهيب" و ليس " الارتفاع اللامسبوق" لأن نسبة التضخم السنوي الآن، و بالرغم من كونها قد تعدت 29% ، إلا أنها مازالت أقل من أعلى معدل للتضخم السنوي تم تسجيله في مصر .

و دعوني أيضاً أذكر من يترحمون على أيام مبارك أن أعلى معدلات التضخم بلغ 30% و تم تسجيله في عام 1986 أثناء حكم مبارك و في ظل حكومة الدكتور عاطف صدقي التي استمرت بعدها في الحكم لمدة 10 سنوات ضمن نظام استمر حكمه لفترة تزيد على الثلاثة عقود !
ذلك النظام الذي خدع الجميع ببقاء الأسعار عند مستويات ثابتة تقريباً، أو دعني أكون أكثر تحديداً بقولي أنه أبقاها عند مستويات تمكنه من تجنب الغضب الشعبي لأكبر فترة ممكنة عن طريق توجيه معظم بنود النفقات في الموازنة العامة نحو تخدير الشعب و ضمان تجنب سخطه بالعمل على الزيادة الدورية للأجور، و خلق فرص عمل وهمية لا تساهم بأي شكل في زيادة الانتاجية، و العمل كذلك على زيادة دعم السلع التموينية و الوقود .. ذلك الدعم الذي كان يلتهمه في النهاية رجاله المقربون أو من يشبهونهم من "حيتان السوق" كما يحب البعض أن يطلق عليهم !

و يمكنك عزيزي القارئ أن تكتشف كيف أن عشرات المليارات من تلك التي تم إهدارها لتبقى راضياً عن حكومات ما قبل يناير و تظل غارقاً في حلم الحياة الرغدة السعيدة بينما تنهار الدولة من حولك، كان يمكنها أن تنشئ بنية تحتية ضخمة تشمل محطات لتوليد الكهرباء، و شبكات طرق، و موانئ ضخمة، تسهم في فتح آفاق جديدة للاستثمار في مصر، و تعمل على خلق وظائف و فرص عمل حقيقية للجميع تضاعف من الناتج القومي، و تجذب المزيد من المستثمرين الرئيسيين من أطراف العالم، و تزيد من موارد العملة الصعبة، و ترفع بالتالي من قيمة احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي .. و لكنه للأسف ما لم يحدث على الإطلاق، و هو ما نحاول الآن أن نتداركه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه !

و دعني أبتعد بك و من يقرأون مقالي هذا معك عن منطقة المقارنات و الشد و الجذب بين أنصار السيسي و فلول المخلوع و أتباع المعزول، فالحكم على أداء الاقتصاد المصري في النهاية ليس خاضعاً لما تقرأه من خرافات على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أو ما تسمعه من عبارات مثل تلك التي سقت لك بعضها هنا، و لا لتوجهاتك الشخصية و قناعاتك المشوهة و التأثيرات قصيرة المدى على الجميع و إن كانت قاسية و مؤلمة في بعض الأحيان، بل و لا يخضع كذلك لما يصدر من تصريحات رنانة من بعض المحسوبين على من يديرون شؤؤن البلاد، أو لبيانات الحكومة التي يمكن وصفها بالمتحيزة في كثير من الأحيان .. !

فمؤشرات أداء الاقتصاد مرهونة فقط  بتقييم المؤسسات الدولية و نسبة الإقبال على شراء "سندات الخزانة الدولية" و حجم " الاستثمار الأجنبي المباشر"، و بمدى ارتفاع "التصنيف الائتماني" للدولة، و هي مصطلحات و حقائق يعلم عنها من يدلون بدلوهم في الاقتصاد بنفس قدر ما يعلمونه عن قوانين "الفيزياء الكمية" و ماهية "المادة المضادة" و " من الذي قتل كينيدي" !!

و طالما قررت أن تكمل قراءة السطور التالية، فدعني أخبرك بما يمنحك الكثير من الثقة في تحسن هذه المؤشرات منذ القرارات الاقتصادية الأخيرة ..

فلقد استطاع الجنيه المصري خلال الشهر الحالي استعادة ما يقرب من 16% من قوته في مواجهة الدولار الأمريكي ليكسر حاجز الستة سنتات صعوداً بعدما ظل يتهاوى بشدة في اتجاه الخمسة سنتات فقط لمدة شهرين متتالين، و هو الصعود الذي أرى انه سيستمر حتى الوصول لحاجز الثمانية سنتات أو ما يعادل 12,5 جنيها للدولار كسعر حقيقي و عادل يضمن بقاء سعر تنافسي للسلع المصرية و المنتج السياحي المصري في الأسواق العالمية، و يحقق كذلك التوازن بين سعر النتجات المحلية و مثيلتها المستوردة لضمان استمرار قدرة المستثمرين و المنتجين المحليين على المنافسة  ..

كما استطاعت الحكومة المصرية بيع ما تزيد قيمته على مليار دولار من سندات الخزانة خلال الشهر الحالي فقط ..

و تم كذلك تلقي طلبات شراء بثلاثة أضعاف ما تم طرحه فعلياً من سندات اليوروبوند بقيمة أربعة مليارات دولار خلال شهر يناير الماضي ..

كما تم رفع التصنيف الائتماني لمصر من قبل مؤسسة ستاندرد أند بورز من سلبي إلى مستقر في شهر نوفمبر 2016 ..

و تم الإعلان كذلك عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج إلى البنوك المصرية لتتجاوز 11% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق لتبلغ القمية الإجمالية لها خلال الربع الأخير من عام 2016 فقط إلى 4,5 مليار دولار، و هو ما يعكس ثقة أبناء الوطن المغتربين أنفسهم في قدرة اقتصاد بلادهم على التعافي و قدرة القطاع المصرفي على توفير ما يريدونه من حساباتهم الدولارية حين يتطلب الأمر ذلك ..

و دعني عزيزي القارئ أخبرك بما يمنحك المزيد من الثقة في قدرة الاقتصاد على التعافي، و هو ما أكدته تقارير المؤسسات المصرفية و المالية الدولية مثل ميريل لينش و فايننشال تايمز و بلومبيرج حول استطاعة القطاع المصرفي في مصر خلال الشهر الماضي الاستجابة للكثير من الطلبات المتأخرة للمستثمرين الأجانب و المصريين على السواء أو ما يعرف باسم " الباك لوج" و تمكن هؤلاء الآن من الحصول على قدر كبير من متطلباتهم الدولارية و كذلك تحويل نسبة كبيرة من أرباحهم للشركات الأم بالخارج و هو ما كان متعذراً منذ ما يزيد على عام و نصف، و هو ما سيزيد بالتأكيد من فرص بقاء هؤلاء المستثمرين في مصر، بل و سيعمل على تشجيع الكثيرين ممن لم يقوموا بالاستثمار في مصر حتى الأن على التوجه إليها بعد التخلص من تلك القيود و التغلب على ذلك العجز.

و يمكنك بالطبع هنا إضافة الكثير من الأمور التي ستسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد و تحويل ما تم تحقيقه على المدى القصير إلى محركات دفع تسهم في استمار الصعود على المدى المتوسط و الطويل، مثل بدء الانتاج من حقول الغاز الطبيعي في المتوسط و التي ستحول مصر من مستورد للغاز إلى واحدة من أكبر المنتجين له في العالم، و كذلك بدء عمل محطات الكهرباء الجديدة في القاهرة و بني سويف و التي ستعمل كذلك على توفير فائض من الطاقة الكهربية يمكن بيعه للدول المجاورة، و يسهم بشكل كبير في دعم المشروعات الجديدة بمحور القناة .. و لن أنسى بالطبع رفع الكثير من الدول الأوروبية لحظر السفر و السياحة إلى مصر و هو ما بدأته أربعة دول اسكندنافية هذا الشهر و سيتبعها بالتأكيد في ذلك الكثير من الدول.

و بالرغم من كل تلك المؤشرات الجيدة، إلا أن النجاح الكامل و التعافي المطلوب للاقتصاد المصري يتطلب التزام الحكومة بالاستمرار في جهودها نحو مكافحة الفساد و إعادة هيكلة الدعم و لكن مع زيادة الضوابط الرقابية على الأسواق لتجنب الإضرار بالشرائح الأقل دخلاً، و الأكثر اهمية من ذلك هو إصدار تشريعات تضمن الشفافية الكاملة في كل ما يتعلق بمنح الامتيازات و الحوافز و الإعفاءات للمستثمرين المحليين و الأجانب، و تحويل التصريحات الرنانة حول تبسيط إجراءات الاستثمار إلى واقع ملموس بدلاً من كونها مجرد حبر على أوراق الصحف اليومية !

كما أن ذلك يتطلب منك أنت أن تدعم المنتجات المحلية و تكبح جماح شهوتك لشراء كل ما هو مستورد و كل ما هو غير أساسي و كل ما هو غير لازم، و هو ما بدأت بوادره تلوح في الأفق حيث انخفضت قيمة الواردات خلال الشهور الأولى من العام الحالي بنسبة تجاوزت 15% عن مثيلتها العام الماضي، و هو ما يستلزم في المقابل تطوير المنتجين المحليين لجودة ما يطرحونه في الأسواق. فدعمك للمنتج المحلي و إقبال الجميع عليه سيزيد من قدرة المستثمرين و المنتجين على زيادة الإنتاج ، و بالتالي تقليل سعر المنتج من خلال توزيع التكلفة على عدد أكبر من المنتجات، و هو ما سيزيد بالتأكيد من التنافسية مع المنتجات الأجنبية، بل و سيعمل على زيادة فرص التصدير كذلك.

و هكذا عزيزي القارئ يمكنك الآن الاختيار بين الاستمرار في التذمر و الاستمتاع باقاويل و عبارات من يشاركونك التذمر، أو أن تكون على مستوى المسؤولية الوطنية لتتحمل الآثار قصيرة المدى لعملية الإصلاح، و تثق في قدرة وطنك على التعافي و النهوض كقوة اقتصادية فاعلة و ضخمة في المنطقة بدلاً من البحث عن وطن بديل لأبنائك في أوروبا أو أمريكا أو حتى على ضفاف الخليج بينما يمكنهم المشاركة في صنع مستقبل مشرق لهم و لأحفادك على أرض هذا الوطن العظيم !

حفظ الله مصر.

Tuesday, January 31, 2017

الاتفاق النووي .. بين الطموحات الإيرانية و الخطط الأمريكية

إيهاب الشيمي

الخميس السادس من نوفمبر 2014 ..
قاعة الإيجاز الصحفي بالبيت الأبيض
جوش إرنست المتحدث باسم البيت الأبيض و أحد أعضاء الحلقة الصغرى المؤتمنين على الأسرار الكبرى للرئيس الأمريكي، يقف كعادته في القاعة ليجيب كالعادة على أسئلة الصحفيين ليؤكد أمراً في إجابة، و ينفي آخر في إجابة أخرى .. فجأة تعلو الدهشة وجه الرجل و يصيبه الارتباك، و لا يستطيع الإجابة على أحد الأسئلة التي لم يكن يتوقعها على الإطلاق ..
لم يكن السؤال سوى: " ما هو محتوى الرسالة التي أرسلها الرئيس أوباما إلى مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد خامنئي الشهر الماضي ؟" !! .. بعد لحظات من الصمت يتمالك الرجل زمام نفسه ليرد قائلاً : " موقعي لا يخولني أن أطلع على محتوى الرسائل التي يتبادلها الرئيس بصورة خاصة مع زعماء العالم" !
التاسعة مساء الثلاثاء العشرين من يناير 2015 ..
خطاب " حالة الاتحاد " بالكونجرس الأمريكي
باراك أوباما يدخل القاعة الكبرى وسط تصفيق حاد من أعضاء مجلسي الشيوخ و النواب الجمهوريين و الديمقراطيين على حد سواء ليتخذ مكانه على المنصة قائلاً:
"سأستخدم  صلاحياتي الدستورية و حق النقض  ضد اي عقوبات جديدة يفرضها الكونجرس على إيران اثناء عقد المفاوضات المتعلقة بملفها النووي .. نعم سأستخدم حق النقض لمنع العقوبات في حال فرضها لأنها تهدد مسار التقدم الذي تحققه المفاوضات". !
الإثنين الثاني من مارس 2015 ..
بضعة كيلومترات شمال بغداد
ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي تتقدم صوب محافظة صلاح الدين للهجوم على تكريت المعقل الحصين للغالبية السنية في العراق بدعوى تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بينما تعلن وكالة "فارس" الإيرانية الرسمية للأنباء في نفس الوقت عن وجود "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس على رأس قوات خاصة من الحرس الثوري لتقديم الدعم و المشورة للهجوم، في الوقت الذي غاب فيه خالد العبيدي وزير الدفاع العراقي تماماً عن المشهد، و لم تصدر بغداد أية بيانات تعليقاً على وجود قوات إيرانية على أراضيها !
مشاركة الجيش العراقي المزعومة تقتصر على عناصر من الفرقة الخامسة مشاة ميكانيكي المفترض أن تتواجد في محافظة ديالى و ليس صلاح الدين و التي ترفع آلياتها رايات الحسين و آل البيت و ليس رايات الجيش العراقي، بينما أعلن التحالف الدولي ضد داعش أنه ليس طرفاً في الصراع على تكريت، و أبدى قلقه من احتمال حدوث جرائم حرب ضد السكان السنة من قبل الميليشيات الشيعية في حال نجاحهم في دخول المدينة.
الأحد الثاني و العشرين من مارس 2015 ..
عشرات الآلاف يحتشدون في مؤتمر حاشد بمدينة مشهد الإيرانية بمناسبة العام الفارسي الجديد ..
فجأة يسود الصمت المكان حتى تكاد تسمع صوت أنفاسك بينما يصعد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي درجات المنبر ليعلن في لهجة تهديدية غاضبة و بصرامة شديدة أن بلاده لن تقبل أي اتفاق مع الدول الكبرى ما لم يتضمن إنهاءاً فوريا للعقوبات المفروضة على إيران دون الانتظار لتوقيع الاتفاق النهائي، و أن كرامة إيران تأبى فرض أية شروط تمنع استمرار برنامجها النووي، لتهتز فجأة أركان المدينة بهتاف الجميع: "الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر"
الأربعاء الخامس و العشرين من مارس 2015 ..
حكومة بغداد التي تجاهلت هجوم تكريت إعلامياً تماما في البداية بحجة انشغالها في التنسيق لهجوم أكبر على الموصل، تبدي اهتماماً مفاجئاً بتطورات الأحداث على الأرض هناك بعد أن فشل الهجوم في اختراق دفاعات المدينة، و تطلب مساعدة واشنطن لدعم الهجوم المشترك للقوات الإيرانية و العراقية و الميليشيات الشيعية ضد تكريت، و تعلن أن طهران شريك أساسي في الحرب على الإرهاب و استعادة العراق لوحدته و سلامة أراضيه !
خلال ساعات وجيزة يحدث في واشنطن ما قد يأخذ شهوراً في مسائل مشابهة ..  واشنطن تتلقى رسالة بغداد، و تدرس الطلب، و تقرر فوراً بدء ضربات جوية و عمليات دعم لوجيستي و استخباراتي لمساعدة المهاجمين، و تدمر أهدافاً لداعش بنسبة نجاح تفوق عشرات المرات ما فعلته خلال العشرة شهور الماضية مجتمعة في سوريا و العراق معاً لتفتح الطريق أمام من يزعمون أنها القوات العراقية لتدخل المدينة بصحبة الإيرانين و الميليشيات الشيعية و هم يهتفون: " لبيك يا حسين .. لبيك يا فاطمة " !
الخميس الثاني من أبريل 2015 ..
مئات الصحفيين يملأون أرجاء القاعة الرئيسية لمعهد "بوليتكنيك" بمدينة لوزان السويسرية بعد أن انتهت المهلة المحددة لطهران منذ يومين للتوصل لاتفاق إطار حول البرنامج النووي الإيراني .. و لكن بدلاً من أن ينخرط هؤلاء الصحفيين في البدء في تسجيل قائمة العقوبات، صدمت فيديريكا موغيريني الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي الجميع بإعلانها التوصل خلال 48 ساعة فقط ما فشلت فيه المحادثات المكوكية التي دامت ثمانية عشر شهراً، و ما قبلها من مفاوضات دامت أكثر من عشرة أعوام كاملة !!
.. فجأة و بعد أن اجتمع جون كيري وزير الخارجية الأمريكي مع محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني لمدة تسع ساعات قبل ذلك الإعلان، تحولت إيران من أحد أضلاع مثلث الشر في العالم إلى" دولة نووية سلمية " ، و أصبح على الجميع أن يصدقوا أن وزير خارجيتها و رئيسها و مرشدهم الأعلى ابتلعوا کل تصريحاتهم و مواقفهم المملوءة غطرسة و تحدياً و وقعوا على اتفاق يحرمهم من الاستمرار في برنامجهم النووي ..
.. فجأة تحولت المنشآت النووية التي طالما شكلت تهديداً للسلام العالمي إلى مجرد منشآت للأبحاث ..
.. فجأة تحولت الدول الكبرى من عدو لطهران إلى حليف سيمدها بالتكنولوجيا اللازمة لتشغيل المفاعلات و أجهزة الطرد المركزي التي تم الاتفاق على الإبقاء عليها بأعداد مخفضة لمدة عشر سنوات ..
.. فجأة وافقت إيران على السماح بتفتيش منشآتها في أي وقت و أي مكان و دون إشعار مسبق ..
.. فجأة قررت الدول الكبرى عدم ضم برنامج الصواريخ الإيرانية الباليستية العابرة للقارات و القادرة على حمل رؤوس نووية إلى مسودة الاتفاق النهائي ..
.. و لكن يبقى المشهد الأكثر مفاجأة .. رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يظهر على الهواء مباشرة على شاشات التليفزيون الرسمي الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمرة الأولى في التاريخ في بث مباشر من البيت الأبيض ليعلن سعادته بالاتفاق مع طهران و كونها شريك أساسي في استعادة الاستقرار بمطقة الشرق الأوسط، خاصة في اليمن و سوريا و العراق لتسمح السلطات بعدها في طهران لعشرات الآلاف بالخروج للاحتفال بتوقيع الاتفاق مع الولايات المتحدة التي لم تكن في نظرهم منذ أيام سوى " الشيطان الأعظم " !!
و هكذا عزيزي القارئ .. و من خلال ما سردته عليك من المشاهد السابقة، يمكنك التوصل لما أصر أنا على وجوده منذ فترة ليست بالوجيزة، و هو اتفاق أمريكي إيراني خفي على حساب العرب يمنح إدارة أوباما الفرصة لتحقيق انجازاً تستطيع به تجميل صورتها بعد أن ميزت الاخفاقات المتتالية فترة ولايتها في الداخل و الخارج، كما أنه يمنح الولايات المتحدة الفرصة الذهبية لاستكمال خطة تقسيم المنطقة و لكن باستخدام الأطماع الصفوية هذه المرة بعد أن فشلت خطة استخدام الجماعات الأصولية السنية حتى الآن.
ما لا يمكن إغفاله أيضاً هو الفائدة التي ستعود على طهران، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول نظام قمعي إستبدادي ذو توجهات توسعية في كل دول المنطقة إلى نظام يمکن الوثوق به و الاطمئنان إليه للالتزام ببنود هذا الاتفاق و التخلي عن أحلامه العدوانية التوسعية، و حلم الحصول على القنبلة النووية، بل ما أراه أن كل ذلك ما هو إلا استغلال حكام طهران لحاجة الولايات المتحدة لهم لتنفيذ أجندتها في المنطقة، مما سيمكنهم من المناورة و المراوغة في تنفيذ الاتفاقية النووية و استكمال البرنامج النووي العسكري سراً، بينما يستمتعون برفاهية رفع العقوبات و نمو الاقتصاد المنهار، و تخفيف النقمة الشعبية الداخلية، بل و نشر أذرعهم في مناطق جديدة.
يبقى لي في النهاية أن أعرض عليك المشهد الأكثر أهمية و الذي ستستطيع بكل سهول تفهم أسبابه و ردود أفعال الشخصيات الرئيسية فيه فيه بعد كل ما قرأت ..
فجر الخميس السادس و العشرين من مارس 2015 ..
المقاتلات السعودية تنطلق من قاعدة الملك خالد لتقصف معاقل الحوثيين المنقلبين على سلطة الرئيس الشرعي هادي منصور في اليمن بعد أن أداروا ظهورهم لكل الاتفاقيات التي وقعوها مع أطراف الصراع، و ضربوا بتهديدات الأمم المتحدة عرض الحائط و قرروا الهجوم على عدن و إعادة احتجاز أو قتل الرئيس منصور في ظل دعم عسكري و لوجيستي و سياسي من طهران.
الإمارات و قطر و البحرين و الكويت و مصر و المغرب و الأردن و السودان و باكستان يعلنون اشتراكهم في العملية تحت القيادة السعودية ضد حلفاء طهران، بينما الصدمة تسود أروقة صنع القرار الأمريكي بعد أن تحركت السعودية و حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط عسكرياً للمرة الأولى دون إعلامها بذلك، و يستشيط ملالي طهران غضباً فيطلقون اللعنات على الرياض و حلفائها، و يخرج عملائهم في العراق و لبنان و اليمن لاستنكار عملية "عاصفة الحزم "، بينما يعترض الرئيس العراقي على العملية و تتحفظ بغداد على البيان الختامي للقمة العربية.
فصول المسرحية ما زالت قيد الكتابة .. علينا فقط أن نقرر الاشتراك في كتابتها، أو الاكتفاء بمشاهدتها و البكاء لحظة إسدال الستار.