Monday, April 10, 2017

الخطاب الديني بين ضرورة التغيير و خطورة المحاذير


إيهاب الشيمي


ترددت كثيراً قبل أن أقرر الكتابة عن مسألة " تجديد الخطاب الديني " التي شغلت مساحة كبيرة من صفحات الجرائد و البرامج الحوارية، ناهيك عن شبكات التواصل الاجتماعي التي ملأها الجميع صراخاً و عويلاً كثيرة دفاعاً عن مواقفه و من يؤيدونها ، بل و سباباً و هجوماً في أحيان كثيرة على من يعارضونه.


و لن أكون هنا طرفاً في الأمر الذي تحول في رأيي لصراع، و لن أكون منتمياً لأحد الجانبين، و لن أخوض بالتاكيد في أمور فقهية و دعوية، فقدري أدنى من أن أخوض فيما وهب له علماء حياتهم بأكملها، و لكني أريد فقط أن أوضح بعض النقاط التي غابت عمن خاضوا هذا النقاش و فقدوا بسبب ذلك الموضوعية المطلوبة في مثل هذه الأمور ..


أول هذه النقاط هو أنه و بالرغم من وجود الأزهر في القاهرة، و أن الدعوة لتجديد الخطاب الديني جاءت من جانب الرئيس السيسي، إلا أن ذلك لا يعني أن الإسلام يحمل الجنسية المصرية، أو أن المهمة مقصورة على علماء الفقه و الشريعة و الحديث و رجال الدعوة المصريين فقط، فحين يتجاوز تعداد المسلمين المليار و نصف المليار في ست و ثمانين دولة فلا يمكننا حصر تنقيح النصوص في الأزهر فقط، أو أن ننصب بحيري رمزاً و زعيماً لتيار التنوير و التجديد في العالم الإسلامي بأسره.


الأمر الثاني، و هو أن صحيح الدين ليس ما يصر البعض من رجال الدعوة و علماء الفقه و الشريعة و الحديث على حصره في نصوص يرفضون مناقشة صحتها و افتراض قدسيتها بل و عصمتها في بعض الأحيان .. بل إن صحيح الدين، كما أراه أنا، هو ما أوحى الله به إلى عبده و رسوله محمد (صلى الله عليه و سلم ) ليوافق الفطرة السليمة التي فطر الله الانسان عليها و التي لا تختلف أسسها و معاييرها مهما اختلف الزمان أو المكان أو اللسان أو الثقافة، و تعاليمه هي التي تؤكد قيم الحرية و المساواة و العدل و التكافل التي تشترك في احترامها كل الأنظمة السياسية و الاجتماعية، بل و كل العقائد حتى غير السماوية منها، بما لا يتعارض مع المنطق الراشد و العلم الثابت بالأدلة القطعية.


الأمر الثالث، و هو أن الدين ليس مجرد تعاليم و نصوص تخضع لإعمال عقل كل شخص على حدة دون أن يكون لديه الخلفية المرجعية اللازمة لفهم النصوص، و فهم المحتوى الذي نزلت في إطاره، و كذلك ارتباطها ببعضها البعض، و نسخ بعضها للآخر. و لو أن الأمر خاضع لتفسير كل منا للنص دون الحاجة لعلوم الحديث و الفقه و الشريعة و القياس و الاجتهاد، بحجة أن الدين علاقة بين العبد و ربه، فلا يمكننا حينها أن ننتقد ما ذهب إليه متطرفون أعملوا عقولهم و فسروا النصوص تبعاً لمنطقهم الخاص ليخرج علينا في النهاية جماعات مثل الإخوان المسلمين و القاعدة و داعش و أنصار بيت المقدس، بل و من هم دونهم ممن يخرجون أسبوعياً في مسيرات عين شمس و المطرية !


الأمر الأخير، و هو أن أعداء الأمة، الذين أصر على وجودهم و على استمرارهم في حياكة المؤامرات ضدها، يجيدون و بدقة فائقة و دهاء شديد تحديد ما يقوض وحدتنا و يدمر هويتنا بداية من تأجيج الصراع الطبقي، و مروراً بمحاولة الفصل بين الجيش و الشعب، و زرع الفتنة بين طوائف الشعب، و نهاية بما يحدث الآن من محاولة استغلال النقاش حول ضرورة تنقيح المراجع و مراجعة النصوص الدينية، للتشكيك في أهلية الأزهر، و المرور من خلال التشكيك في الفروع إلى الوصول في نهاية الأمر إلى التشكيك في الأصول و تدمير أي مرجعية يمكن من خلالها مواجهة محاولاتهم لتقسيم الأمة و زرع الفرقة.


إن التنقيح و المراجعة و تجديد تفسير النصوص بما يوافق التطور العلمي و اختلاف منطق الأشياء و تغير طبيعة التحديات هو شئ حتمي لا مناص من حدوثه مهما رفض صقور الأزهر ذلك و مهما أصر البعض على عصمة نصوص كتب الحديث و السيرة النبوية، فبالرغم من إيماني الراسخ أن الله أنزل دينه و بعث رسوله بما يصلح لكل زمان و مكان حتى قيام الساعة، إلا أن إيماني أيضاً هو أن تفسير النصوص يخضع لمنطق من قام بالتفسير لحظة قيامه بذلك، و هو ما يتغير بتقدم الزمن و تطور العلوم، فما كان مستحيلاً منطقياً منذ اربعة عشر قرناً، أصبح شديد المنطقية الآن مثل إمكانية الانتقال من طرف العالم إلى طرفه الآخر بين ليلة و ضحاها، أو إمكانية التواصل صوتاً و صورة مع شخص يبعد عنك آلاف الأميال، أو حقيقة اكتشاف أن الأرض كروية تحول قوى الجاذبية دون أن نسقط من على سطحها إلى الفضاء الواسع، أو أن يصيبنا الدوار نتيجة دورانها حول نفسها !


 و لكن ما علينا أن ندركه و نعيه هو أن ذلك التنقيح يجب أن يتم من خلال القنوات الصحيحة و من خلال من نثق في علمهم و نثق في إخلاصهم لدينهم و أوطانهم و ليس لجماعة بعينها، أو لقوى استعمارية تريد استغلال ما يفرقنا.


إن التجديد في الخطاب الديني، و مراجعة النصوص و تنقيحها ليس معياره الوحيد هو الرغبة في التغيير و مواكبة التطور، أو الإعجاب بمنطق من يدعو إليه دون معرفة دوافعه الحقيقية، بل هناك من المعايير ما يجب أن نضعه كذلك في الحسبان، حتى لا يحدث في النهاية ما حدث في دولنا خلال السنوات الأربع الأخيرة من جديد، حين كانت الرغبة في التغيير السياسي حتمية، فاندفع الكثيرون وراء من انقضوا على مسيرة التغيير دون معرفة دوافعهم و ولاءاتهم، فكانت النتيجة أن استبدلنا فساد الحزب الوطني بفاشية الإخوان المسلمين، و قمع و دكتاتورية بشار بفوضى اللادولة و وحشية داعش و جبهة النصرة.


حفظ الله مصر و شعبها و جنبها شر الفتن
.