Thursday, June 29, 2017

يونيو .. ضرورات المرحلة و نقطة اللاعودة !



إيهاب الشيمي:

على مدى ثلاثة أعوام و نصف منذ قيام الثورة في يناير 2011 و حتى يونيو 2014، لم تمر مصر و شعبها بكل هذا الجدل حول هوية من يستحق أن يقبض على عصا قيادة الوطن وسط كل تلك السماوات الملبدة بالغيوم القاتمة التي لم تمثل صواعقها التي تضرب بين الفينة و الأخرى خطراً عليها، بقدر ما مثله خطر جبال الريبة و الشك و الخوف و انعدام الثقة التي تختفي خلف تلك الغيوم، و التي تهدد بسقوط الجميع في هاوية سحيقة حال الارتطام بها و تحولها من مجرد مخاوف في أذهانهم إلى حقيقة واقعة تعود بالجميع إلى حقبة ما قبل الخامس و العشرين من يناير !

و حين أذكر مصر و شعبها، فأنا لا أستثني منه أحدا، فالكل حينها كان مشمولاً بحالة الجدل و الانقسام في الرأي الذي وصل في بعض الأحيان لاتهام البعض للآخر إما بخيانة الثورة، أو في المقابل بخيانة الوطن.

كانت يونيو هي تلك اللحظة الفارقة و الخطوة الكبيرة التي لا بد أن يخطوها الشعب المصري على طريق استكماله لثورته الحقيقية في يناير حين قال كلمته لأول مرة في تاريخه دون وصاية من زعامة أو قصر أو جيش  !

كانت يونيو هي تلك اللحظة في التاريخ التي قرر فيها المصريون جميعاً أن يزيحوا من سمائهم كل تلك الغيوم، و أن يستعيدوا وعيهم الذي تم تغييبه على يد العديد من المنتفعين بذلك التغييب على اختلاف أهدافهم و تنوع رعاتهم و مموليهم !

كانت يونيو هي تلك اللحظة التي اتخذ فيها الشعب، كل الشعب، القرار بأن يستعيد وطنه الذي يعرفه، و أن يمسك من جديد بمقاليد الأمور التي استلبها منه بعد الثورة بقايا نظام مبارك ..

ذلك النظام الذي قد يظن البعض أنه يضم مبارك و أسرته و حاشيته المقربة فقط، بينما كان في الواقع منظومة متكاملة من المؤيدين له، و المستفيدين من فساده، و المستفيدين من قمعه، بل و دعني أؤكد أنه كان يشمل أيضاً المستفيدين من معارضته ليس لصالح الوطن و لكن لصالحهم هم فقط !

و يمكنك هنا اقتراح من تراه مناسباً ليشغل أحد مقاعد المستفيدين، و دعني أساعدك لأقترح عليك أعضاء الحكومات المتعاقبة، و رموز الحزب الوطني، و أباطرة الصناعة، و ملياديرات الأعمال، و حيتان الاستيلاء على أراضي الدولة، و الدعاة و الشيوخ و الدراويش الذين امتلأت الأسواق باسطوانات مواعظهم، و ازدحمت الفضائيات بأحاديثهم ليضمنوا بقاء الشعب مغيباً و بقاء عقله مغطى بملاءات الخرافة و البدع و التفسير الخاطئ و المسيس للنصوص ..

و القائمة هنا تمتد أيضاً لتشمل قادة الجماعات الأصولية المتشددة و الإخوان المسلمين الذين تم السماح لهم بممارسة أنشطتهم من داخل زنازينهم الفارهة، ليضموا المزيد من الأتباع و يقوموا بالاستيلاء على كل المنابر، بل و يتمتعوا بالحرية الكاملة دون رقيب في إدارة المليارات من الدولارات في أنشطة تجارية و صناعية تضمن تمويل منظماتهم، ناهيك عن السماح لأتباعهم، و منهم مرسي نفسه، بالفوز بمقاعد في مجلس الشعب في عدة دورات ليظهروا بمظهر المعارضة السياسية الوطنية مقابل الالتزام بعدم المساس باستقرار النظام !

و دعني أضيف لقائمتك هنا أيضاً عديد الصحفيين و الإعلاميين و المحللين السياسيين الذين كنت أصر طوال فترة حكم مبارك و في الأيام الأولى للثورة على عدم مصداقيتهم بينما كنت أنت و معظم المتابعين لهم تعدونهم من المعارضين الناقدين للنظام الذين لا هم لهم إلا صالح الوطن، بينما تكشفت فيما بعد و عبر ست سنوات من توالي سقوط الأقنعة، عديد الحقائق و الأحداث التي أثبتت كيف أنهم لا يتبعون إلا مصالحهم الشخصية، و لا يتفوهون إلا بما يريده من يدفع أكثر !

و لن أتنصل هنا من قناعتي منذ قيام الثورة في يناير، أن من سمح لكل أولئك أن يحيدوا بالثورة عن مسارها، و أن يستغلوا غضبة الشعب المصري ضد القمع و الفساد و الأحادية و الاحتكار في يناير، و من أدى بالأمور إلى أن تصل لنقطة الانفجار في يونيو لم يكن سوى الإدارة التي جانبها الصواب من جانب قادة المجلس العسكري الذي تولى السلطة في أعقاب الثورة ..
تلك القيادة التي و إن لم أشك لحظة واحدة في وطنيتها و عدم تفريطها في ذرة تراب واحدة من أرض مصر، إلا أنها فرطت في حقوق الشعب المصري حين التزمت الصمت تجاه فساد مبارك و حاشيته لثلاثة عقود متتالية، و فرطت مرةً أخرى في حقوق الشعب المصري بقبولها لتراجع مستوى منظومة تسليح الجيش المصري و انحسارها لتبقى محدودة في إطار ما تقدمه الولايات المتحدة على سبيل المعونة التي تمنحها حين الرضا و تمنعها حين يتطلب الأمر الرضوخ لتوازنات سياسية و إقليمية فرضتها تبعية نظام مبارك الكاملة لواشنطن و إن روج إعلامه بغير ذلك .. !
تلك القيادة التي سمحت بجنوح سفينة الثورة على شاطئ المؤامرات  حين تخاذلت في مواجهة من قفزوا على ثورة الشعب و أطلقت دون مبرر واضح سراح قادتهم بعد مرور أيام قلائل من تنحي مبارك ليجد من قاموا بالثورة ضد النظام بأكمله أنفسهم محاطين بمن كانوا جزءاً أصيلاً من المستفيدين من ذلك النظام أمثال الملياردير حسن مالك و رفيقه خيرت الشاطر الذين خرجا من السجن ليدخلوا ميدان التحرير و يعتلوا منصة الثوار وسط دهشة الجميع و في حراسة الشرطة العسكرية و بدعم من المجلس العسكري وكأنهم هم من ثار من أجل حقوق الشعب، بينما هم أبعد ما يكونون عن ذلك ..
و استمر التخاذل ليشمل السماح بأن يتولى المستشار البشري، وهو من عرف عنه انتمائه لفكر الإخوان، رئاسة لجنة تعديل الدستور، بل و أن يتم السماح لميليشيات الإخوان و السلفيين بالسيطرة على مشهد الاستفتاء فيكفرون من يعارض التعديل و يقومون بدور الكهنة الذين ينزهون المجلس عن الخطأ و يحكمون على من يعارضه بالخروج من عباءة الإسلام !
و استمر فيما بعد ليشمل التصديق على قانون انتخاب معيب و الدعوة لانتخابات برلمانية في ظل بيئة حزبية منقوصة يعلم الجميع أنها لن تفرز سوى برلمان يسيطر عليه الإخوان و من والاهم، ثم الدعوة لانتخابات رئاسية نعلم  جميعاً ما آلت إليه !

قد تجد نفسك و قد قررت ألا تكمل قراءة هذه السطور، بل و دعني أكون أكثر وضوحاً لأقول لك أنك بدأت جدياً في الشعور أن من كتب هذه السطور هو مجرد عميل آخر من مرتزقة التمويل المحرضين على الجيش و الكارهين لكل ما هو عسكري ..

و دعني أؤكد لك أنك على خطأ .. فمن كتب هذه السطور فقد صداقة و ود نصف رفاقه لأنه قرر النزول في يونيو للإطاحة بمن يرون أنه، بالرغم من كل ما يمثله من فاشية و ولاء لجماعته، كان رئيساً منتخباً ديمقراطياً، بينما فقدت معظم النصف الباقي في يونيو 2014 حين قررت اختيار السيسي لقيادة المرحلة الحالية عن قناعة لا يشوبها شك أنه الرجل الأنسب للمرحلة الأخطر من تاريخ مصر .. مرحلة تمثل الفارق بين الاستمرار كدولة ذات سيادة و تراب وطني موحد أو التحول إلى حالة من السيولة السياسية و العسكرية و الاجتماعية !

و لن أبالغ حين أقول أن حالتي أنا و رفاقي كانت في حقيقة الأمر حال كل بيت و كل أسرة و كل حارة في مصر .. ففي زاوية من المشهد الوطني، انقسم من هم على شاكلتي ممن يرون أن يونيو هي استمرار للمد الثوري الذي بدأ في يناير، بين اختيار صباحي و هو من قدم نفسه كمرشح للثورة بكل ما تعنيه من مبادئ الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية و رفض ضمني للعودة لحكم ذوي الخلفية عسكرية ، و بين السيسي و هو من استجاب لنداءاتهم في يونيو لإنقاذ سفينة الوطن من الغرق في غيابة بئر فاشية الحكم الديني، بالرغم من كل التحفظات على انتماء الرجل لمجلس طالما هتفوا ليرفع يده عن الحكم و مازالوا يطالبون بمحاسبته على الانتهاكات التي سجلت في عهده حتى تسليمه مقاليد الأمور لغير المأسوف على عزله.

بينما وجدنا في زاوية اخرى من المشهد المحتدم، اليساريون و القوميون و الاشتراكيون من أصحاب الصخب المعتاد و ادعاءات امتلاك الحقيقة المطلقة و هم بدورهم منقسمون بين اختيار صباحي المرشح اليساري التوجه، القومي النزعة، و بين السيسي الذي يرون أنه يمثل إعادة لنموذج أيقونة عبد الناصر الخالدة التي يمكنها التواصل مع الشعب و شحذ الهمم و إعادة هيبة الدولة و استعادة دورها الإقليمي و الدولي دون تبعية أو استكانة.

 
إلا أن من كانوا يشغلون المساحة الأكبر من المشهد بعد يونيو، و من صنعوا الفارق الحقيقي، كانوا أولئك المصريين البسطاء الذين لا يعنيهم من الأمر سوى أن هناك من أعاد لهم وطنهم الذي يعرفونه، و من خاطبهم بلغتهم التي اعتادوها، لا سيما و أن الرجل يرتدي الزي العسكري الذي طالما ارتبط في الوجدان المصري بالعزة و الكرامة الوطنية.

و لكن ما يعنيني حقيقةً في مشهد يونيو،  هم أولئك الذين لا تستطيع أن تلحظ لهم وجوداً لقلة عددهم و انحسار الأضواء عنهم بل و ترفعهم عن إثارة الصخب ليلتفت إليهم الجميع !
أولئك الذين أؤمن أنهم الأكثر صواباً، و الأكثر قدرة على تحليل الأمور و اتخاذ القرار الذي لا يصب إلا في إناء المصلحة العليا للوطن، و لا ينتقص بأي حال من حظوظ الثورة على المدى الطويل في بسط مبادئها رغماً عن الجميع.

هؤلاء الذين لم يعنيهم التقيد بشعارات جوفاء، أو التبعية لأيقونات واهية، أو الانتماء لأيديولوجيات جامدة، حتى و إن كان ذلك احياناً على حساب تراجع مؤقت للمسيرة الثورية، ليقينهم أنه و إن كانت الثورة في لحظة ما هي الوسيلة المثلى للتغيير، فهي ليست هدفاً بحد ذاتها.

هؤلاء ممن يظن المتابع الضحل لهم أنهم غير ثابتين على مبادئهم، فلقد رآهم يخرجون في يناير للمطالبة بالعيش و الحرية و العدالة الاجتماعية و مطالبين للجيش بمساندتهم، ثم رآهم بعدها و هم يطالبون بتنحي المجلس العسكري و إقامة الدولة المدنية و إرساء دعائم دولة القانون بدلاً من دولة البطش و الطوارئ، ثم رآهم في النهاية يخرجون بدهم من نفس الجيش على من قد يبدو رئيساً مدنياً منتخباً، بينما كان خروجهم ضد التفاف الإخوان على مبادئ الثورة و خيانتهم لثقة الملايين ممن أئتمنوهم على وطن لم يروه إلا لبنة ضمن أخريات في مشروع إعادة بناء الخلافة المزعوم.

هذه القلة التي لم تحيد عن مطلبها و هدفها في رؤية وطن موحد قوي ينعم فيه الجميع بالحرية و المساواة و الكرامة، و لكن الأهم أن يكون كل ذلك أولاً تحت راية واحدة و فوق تراب وطني موحد، و هو الهدف الذي يتطلب على المدى القصير وجود قيادة تمتلك الحد الأدنى لتحقيق ذلك ..
قيادة مدعومةَ بتاييد شعبي حقيقي ..
قيادة تمتلك الرؤية الاستراتيجية و القدرة على تحقيق التوازن الإقليمي و التواصل مع كافة القوى الكبرى لدعم مكانة مصر السياسية و الدبلوماسية و دعم القدرة العسكرية للجيش المصري للتعامل مع التهديدات الإقليمية ..
قيادة  تمتلك الحد الأدنى اللازم للتحكم في موارد و أجهزة الدولة دون إبطاء لإصلاح البنية التحتية التي تضمن عدم انهيار منظومة الاقتصاد بالكامل و تضمن بقاء ما يمكن البناء عليه لإصلاح تلك المنظومة ..
و أخيراً .. قيادة تمتلك القدر الكافي من الصرامة اللازمة لكبح جماح من سولت لهم أنفسهم استباحة الدماء و الأعراض و الملكيات العامة و الخاصة لكي لا نقع من جديد في فخ التخاذل و التوازنات فيضيع كل شيئ مرة أخرى!

قد يتوهم البعض أني، و من يوافقونني الرأي، نعطي بذلك الضوء الأخضر لمن تولى مقاليد الحكم ليفعل ما يشاء و أن يعود بالأمور لما قبل يناير، و لكني أؤكد لهؤلاء أنه و بالرغم من تأييدي و دعمي و قناعتي بحتمية يونيو و اختياري لهذه القيادة في المرحلة الآنية، فأنا على ثقة أن المصريين، بل و الرئيس نفسه، صاروا يمتلكون الحد الكافي من اليقظة للحيلولة دون إعادة تأليه الحاكم، و أني و من يتوافقون مع رؤيتي للأمور و من بذلوا الجهد الذي يستطيعون في صمت طوال السنوات الماضية بأموالهم و دمائهم و حناجرهم و أقلامهم، مصرون على  مواصلة العمل على تنمية الوعي السياسي و الإجتماعي و الثقافي للأمة و تعريف الجميع بحقوقهم التي صوتوا لدستور يمنحهم إياها ..

و الأهم من ذلك كله .. هو ثقتي في أن من خرجوا في يونيو لن يقبلوا إلا أن تكون هي الضمان أن يناير ستظل و بلا شك نقطة اللا عودة لما قبلها من قبول للقمع تحت ستار حفظ الامن، أو كبت الحريات تحت مظلة حماية الأمن القومي، أو تخوين المعارضة بحجة الحفاظ على وحدة الكلمة.

حفظ الله مصر .. و سدد على طريق الخير خطى أبنائها.