Tuesday, January 19, 2016

العراق .. جهنمية التبرير و أكذوبة التحرير

إيهاب الشيمي


 "الحداية ما بترميش كتاكيت"

مثل مصري يصف كيف أن الطيور الجارحة لا يمكن أن تفرط في فريستها بعد اقتناصها لتلقيها بكل بساطة في أيدينا من السماء، و هو تماماً ما ينطبق و بكل قوة على ما يحدث الآن في العراق، و تحديداً في "تكريت" و "الموصل".


فبالرغم مما قد يبدو عليه الأمر من وجود هجوم عراقي واسع النطاق على معاقل تنظيم "داعش" في "تكريت" منذ يوم الإثنين الماضي، و الإعلان عن هجوم آخر وشيك الحدوث ستشترك فيه قوات عراقية و كردية مع قوات أمريكية على محافظة "الأنبار" وصولاً إلى مدينة "الموصل" شمالاً في محافظة "نينوى"، ضد نفس التنظيم، و هو ما قد يفسره البعض على أنه صحوة للحكومة العراقية برئاسة "حيدر العبادي" لاستعادة ما فرط فيه سلفه "نوري المالكي"، إلا أن المدقق في الأمور سيجد أن المأساة ليست في طريقها للنهاية، بل في طريقها لتزداد ألماً و دموية و تعقيداً.

و لكي أقرب لك الأمور بعض الشئ، فعليك عزيزي القارئ أن تتخيل أن العراق مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، الجنوب بأغلبية شيعية، و الوسط و الشمال الغربي بأغلبية سنية، و الشمال الشرقي بأغلبية كردية، و تقع بغداد في المركز على الخط الفاصل بين مناطق الأغلبية السنية و الأغلبية الشيعية.

و لكي أقرب لك الأمور أكثر حول الوضع الحالي، فلك أن تعرف أن تنظيم "داعش" يسيطر منذ يونيو الماضي على كل المدن الرئيسية في المحافظات ذات الأغلبية السنية التي تلاصق "بغداد" مباشرة من الشمال، مثل "تكريت" بمحافظة "صلاح الدين" و "الفلوجة" و "الرمادي" بمحافظة "الأنبار"، و "الموصل" بمحافظة "نينوى"، و لكي تشن هجوماً من العاصمة "بغداد" مباشرة إلى عاصمة التنظيم في "الموصل"، فعليك اولاً أن تمر عبر "تكريت"، و ليس أن تتجه غرباً كما أعلن وزير الدفاع العراقي و حلفاؤه الأمريكان إلى "الفلوجة" لتصل منها إلى "الموصل" بطريقة "ودنك منين يا جحا !!"

و لكي تفهم هذه "الفزورة"، فلقد رأيت أنه من واجبي أن اصارحك بالحقيقة المؤلمة و هي أن الهجومين على "تكريت" و "الأنبار" لا علاقة لهما بالآخر !!
نعم، أستطيع الآن أن أرى دهشتك و أنت تتابع كلماتي، فكيف ألا يكون للهجومين علاقة ببعضهما البعض، بينما الهدف منهما واحد و هو تحرير العراق من سيطرة تنظيم "داعش" كما تم الإعلان عن ذلك ؟!

و هذا تماماً ما أريد أن أثبت لك أنه أكذوبة كبرى!

فمن كشف سر الهجوم الضخم على "الأنبار" الذي تنوي القيام به القوات العراقية بالاشتراك مع القوات الأمريكية بدعم من طيران التحالف هو احد قادة القيادة المركزية للجيش الأمريكي خلال مؤتمر صحفي عقد في شهر فبراير الماضي، و لكي تفهم لماذا ذكر هذا المسئول العسكري الامريكي هجوم "الأنبار" فقط، بينما تجاهل هجوم "تكريت"، و كيف يمكن الكشف عن هجوم بهذه الأهمية و السرية خلال مؤتمر صحفي؟! فعليك أن تعرف أن الجيش الأمريكي يضمر الكثير من الكراهية لتلك المحافظة بعينها، و تحديداً لمدينة "الفلوجة" التي وصمت الجيش الأمريكي بأكبر عار في جبين العسكرية الأقوى في العالم منذ هزيمتها النكراء في "فييتنام".

ففي عام 2004، و عقب غزو العراق و سقوط "صدام حسين"، واجهت القوات الأمريكية احتجاجات ضخمة في "الفلوجة" اضطرت معها هي و القوات العراقية الموالية لواشنطن على فض الاحتجاجات باستخدام أقصى درجات العنف، و هو ما أدى لسقوط عدد ضخم من الضحايا من أهل المدينة، و بدء عمليات مقاومة مسلحة نوعية ضد قوات الاحتلال الأمريكي شارك فيها أهالي المدينة بأسلحة خفيفة و كمائن كبدت الأمريكان أكبر خسائر لهم منذ الغزو و فشلوا معها في احتلال المدينة، بل و تم أسر و إعدام العديد من الأمريكان العاملين بشركة "بلاك ووتر" و عرض جثثهم بطرقات المدينة في مشهد قضى تماماً على هيبة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية أمام العالم.

و في مواجهة هجمات المحتل الأمريكي على المدينة، لم يجد أهلها بديلاً عن التحالف مع من يمكنهم مد يد العون لحمايتها من قوات الاحتلال، و لكن ذلك الحليف لم يكن حينها سوى تنظيم القاعدة و جماعة التوحيد و الجهاد بقيادة "أبو مصعب الزرقاوي"، و هو ما منح الأمريكان فرصة ذهبية لشيطنة المدينة و إعادة محاولة السيطرة عليها بما يزيد على خمسة عشر ألف جندي من القوات الأمريكية و البريطانية و العراقية المشتركة، و باستخدام سياسة الأرض المحروقة بقصف و حرق و قتل كل من تواجد من مقاتلين و مدنيين بالمدينة باستخدام القاذفات الثقيلة.

و يبدو أن الأمريكان حتى اليوم مازالوا يعانون من عقدة معركة "الفلوجة" الأولى، و يريدون أن يستكملوا انتقامهم ممن مرغوا أنوفهم في تراب الهزيمة النكراء، فأحكموا الخطة بالاشتراك مع حكومة بغداد المركزية التابعة لهم بحيث تغض الأخيرة النظر عن  انتهاكات الميليشيات الشيعية المسلحة ضد سكان المدن و العشائر السنية في وسط العراق ليتم وضعهم في نفس مأزق عام 2004، و هو الاختيار بين أن يتركوا أنفسهم نهباً مستباحاً للميليشيات الشيعية، و بين أن يتحالفوا مع تنظيم "داعش" ضد تلك الميليشيات لينجو بأنفسهم من انتهاكاتها ضدهم، و هكذا يمكن ببساطة تصنيفهم كإرهابيين يشكلون خطراً على العراق و المنطقة بأكملها، و يتم بالتالي تبرير إبادتهم و التخلص من الصداع الذي يشكله "العرب السنة" في العراق في رأس الولايات المتحدة الأمريكية و حكومة "بغداد" الموالية لها، و وقوفهم حجر عثرة في وجه مخططاتهما لتقسيم العراق و توزيع ثرواته كما يحلو لهم.

و لكي تتأكد مما أقول، فما عليك عزيز القارئ سوى أن تعرف أن وزير الدفاع العراقي لم يعلن في بيان واحد حتى الآن عن مجريات الأحداث في "تكريت" التي يشكل "داعش" فيها خطراً مباشراً على "بغداد"، بينما انشغل طوال الأسبوع الحالي بالاجتماع مع قادة عسكريين أمريكيين لبحث تفاصيل الهجوم على "الأنبار" و "الفلوجة" فيما يدعي أنه بداية هجوم لتحرير "الموصل"، و خصص يومين كاملين لزيارة وزير الدفاع التركي و الحديث معه عن المساعدات العسكرية و اللوجستية التي ستقدمها "أنقرة" و كيف أن تدريب القوات العراقية سيتم على الأراضي "التركية" و "القطرية" و بدعم مالي من "الدوحة" مباشرة، في مشهد لا يمكن استيعابه على أنه جهد موجه لتدمير "داعش" بينما يعرف الجميع كيف يخدم التنظيم مصالح "الدوحة" و "أنقرة" !

و يمكننا الآن أن ننتقل للهجوم الآخر في "تكريت" و هو الأكثر تعقيداً و الأخطر في تبعاته على وحدة العراق، و الأكبر تهديداً حال فشله على أمن "بغداد"، و هو ما يشترك فيه ما يزيد على خمسة و عشرين ألف مقاتل في هجوم مباغت بدأ يوم الإثنين الماضي تحت شعار "الثأر لشهداء سبايكر"

و لكي تفهم أبعاد الهجوم، فيجب أن أخبرك أولاً ما المقصود بشهداء "سبايكر" !

"سبايكر" هي قاعدة جوية عراقية بالقرب من "تكريت" كان يتدرب بها أكثر من أربعة آلاف طالب عسكري عراقي، و بعد يوم واحد من استيلاء "داعش" على مدينة "الموصل"، و قبل وصول التنظيم إلى "تكريت"، فوجئ الجميع بأوامر قائد القاعدة و الصادرة له من قيادة وزارة الدفاع في حكومة "نوري المالكي" بمنح الطلاب إجازات مفتوحة، و تجريدهم من الزي العسكري و الأسلحة لحين الاتصال بهم من جديد، و عند خروجهم من القاعدة مباشرة ظهرت فجأة شاحنات عليها مسلحين تدعوهم لتوصيلهم لخارج المدينة.

المثير للشك هنا، هو كيف علم هؤلاء المسلحون أن الطلاب قد تم منحهم إجازات مفتوحة، بحيث وفروا كل ذلك العدد من الشاحنات ليكفي الجميع؟!  و الأكثر إثارة للريبة هو كيفية تصوير الأمر برمته على أنه عملية تطهير طائفي ضد الشيعة حيث خرج رموز حكومة "المالكي" بعد ساعات قليلة ليؤكدوا أن الجناة هم من أعضاء "حزب البعث" و أفراد من العشائر السنية الموالية له، و لإسباغ مزيد من الحبكة الدرامية على الأمر فلقد تم اقتياد المختطفين لقصور "صدام حسين" الرئاسية الضخمة المهجورة في المدينة حيث تم إطلاق الرصاص عليهم جميعاً و دفنهم في الصحراء القريبة أو إلقاءهم في النهر بما فيهم المصابين و كأن من فعل ذلك يريد إلصاق الأمر بسنة العراق متمثلين في رموز النظام السابق.

ما يؤكد ما أقول هنا أيضاً هو ادعاء شبكات التليفزيون الأمريكية الإخبارية و منها "سي إن إن" المعروفة بارتباطها بدوائر الحزب الديمقراطي الحاكم في الولايات المتحدة أن الجريمة طائفية و أن الضحايا جميعهم من العراقيين الشيعة، بينما الحقيقة أن التحقيقات مازالت جارية حتى الآن لكشف حقيقة المشتركين في الجريمة، و أن من ساعد من استطاعوا النجاة منهم كان العشائر السنية الموجودة بالمنطقة، و أن من بين الضحايا عدد كبير من العراقيين السنة، و أنه لا أحد من حكومة "المالكي" استطاع الرد على حقيقة من قام بإصدار أوامر انسحاب الجيش و ترك أسلحته وراءه لداعش في "الموصل"، أو من أصدر أوامر إخلاء قاعدة "سبايكر"، أو كيفية اختطاف 1700 طالب من القاعدة و إعدامهم في "تكريت" بينما لم يكن "داعش" قد وصل للمدينة بالفعل، و الأهم و هو كيف أجرى "المالكي" تحقيقاً و كشف عن أن الجناة من "العرب السنة" من المنتمين للنظام السابق و العشائر السنية الموالية له بينما لا يمكن إجراء مثل هذا التحقيق و المدينة تحت سيطرة "داعش" !

ما يهم هنا في الموضوع، أن إعلان الولايات المتحدة عن اشتراكها و دعمها للعملية الكبرى في "الأنبار" و ما يحمله ذلك من احتمالات عودة النفوذ العسكري الأمريكي إلى العراق بعد انسحابها منه، و كذلك ظهور القوة السنية المتمثلة في تركيا في الصورة كحليف للحكومة العراقية الموالية لواشنطن في بغداد، يبدو و انه استفز المارد الشيعي الإيراني في الشرق، و الذي أخذ كل تلك التطورات على أساس كونها تهديداً مباشراً للمصالح الاستراتيجية له في العراق، و تلاعباً بالتوازنات الدقيقة التي تحكم محادثات إيران النووية مع الغرب، فبدأت "طهران" على الفور في اتخاذ إجراءات مضادة عن طريق إصدار المراجع الشيعية في العراق لفتوى تسمح لما يسمى "قوات الحشد الشعبي الشيعي" ببدء هجوم ضخم على "تكريت" بحجة طرد "داعش" من المدينة، و الانتقام لشهداء "سبايكر" ، و ما يؤكد نظريتي هنا و أهمية الوضع استراتيجياً لحكام "طهران" هو استدعاء أكثر الجنرالات خبرة في "الحرس الثوري" و هو "قاسم سليماني" قائد فيلق "القدس" ليقود بنفسه العمليات في "تكريت" بعد أن هبط بطائرته القادمة من "مطار دمشق" مباشرة في "مطار بغداد" و كأنه صار يمتلك مفاتيح كل تلك المدن!

و قد يعارضني البعض هنا فيقول أن "سليماني" جاء بصفة استشارية فقط للقادة العسكريين العراقيين المنفذين للعملية، و لكن يمكنني الإجابة بكل سهولة أن "وزارة الدفاع العراقية" لم تذكر حرفاً واحداً عن هجوم "تكريت" حتى الآن بصورة رسمية، بل إن من أعلن عن وجود "سليماني" هي وكالة "فارس" الإيرانية الرسمية للأنباء و ليس "الحكومة العراقية"، و دعني أزيد الطين بلة لأقول لك أنه من بين الخمسة و العشرين ألف مقاتل، فإن هناك خمسة عشر ألفاً من "قوات الحشد الشيعي"، بالإضافة لعدة آلاف من مقاتلي "حزب الله – فرع العراق"، و قوات خاصة من "الحرس الثوري الإيراني"، بينما لا يتعدى عدد القوات النظامية العراقية بضعة آلاف من "الفرقة الخامسة مشاة" التي انتقد قادتها تجاهل وزير الدفاع لهم!

و هكذا يمكنك بسهولة أن تتأكد أن ذلك الهجوم ما هو إلا محاولة لبسط سيطرة "طهران" من جديد على المشهد العراقي، و إيجاد وضع يمكنها من خلاله موازنة القوة الأمريكية على الأرض و تأثير واشنطن المتزايد على حكومة "بغداد"، و لكن مع إضافة جديدة هذه المرة و هي كسر أنوف "العرب السنة" و احتلال "تكريت" معقلهم الأكبر و مسقط رأس "صدام حسين" بواسطة قوات "الحشد الشعبي الشيعي" بالرغم من عدم وجود أية مراقد شيعية في المدينة تبرر تواجدهم هناك لتامينها، أو وجود تجمعات شيعية يتطلب الأمر حمايتها.

و يمكنك أيضاً أن تتخيل كيف سيكون الهجوم على المدينة و حجم الفظائع التي يمكن أن ترتكب بحق أهلها بعد أن روج قادة الهجوم لادعاءات خلو المدينة من المدنيين، و أنهم سيعتبرون كل من فيها من الأعداء أو من المتحالفين مع "داعش" و أنهم سيدمرون المدينة على رؤوس من فيها، و خاصةً أن هذه القوات معروفة بالعديد من الانتهاكات و المذابح ضد المواطنين السنة في العراق.

أعلم أن ما قرأته هنا يزيد من مأساوية المشهد العراقي و العربي في ذهنك، و يزيد من الألم الذي يعتصر قلبك حزنا على أمتنا التي تكالب عليها أعدائها، لكني في النهاية لا أريد لعقلك أن يذهب للنتيجة التي يريدها هؤلاء، فالمستهدف ليس نصرة "الشيعة" على "العرب السنة" كما قد يتبادر إلى ذهنك، و إلا لكان نظام "الأسد" في دمشق و هو شيعي المذهب في مأمن من كل تلك الخطط، أو لما كان هناك حاجة لوجود صراع من الأساس في ليبيا التي يتبع كل فرقاءها المذهب السني، بل الهدف الحقيقي من كل ما يحدث هو إضعاف كل عوامل القوة في أمتنا العربية لصالح أعدائها، و البحث عن كل ما يبث الفرقة بين أبناءها باستخدام من باعوا أنفسهم و أرواحهم لأعدائها مقابل وعود بسلطة أو مال أو نفوذ.

في النهاية عزيز القارئ، أوقن أنه ليس أمامنا إلا خيارين.. إما أن نرتقي بوعينا لنعرف الدوافع الحقيقية و التبعات الحتمية لما يحدث لنكون على قدر مسئولية حماية اوطاننا، أو أن نجعل عقولنا ألعوبة في أيادي أعدائنا و ننقاد وراء أكاذيب سعيهم لتحرير أرضنا من الإرهاب و التطرف الذي زرعوه هم بأنفسهم، و حينها ربما نجد أنفسنا في النهاية بلا إرهاب كما يدعون ..

و لكننا بالتأكيد لن نجد أوطاناً نحتفل بحريتها !