Saturday, January 16, 2016

هتنزل يوم خمسة و عشرين .. ؟!


 خطوات متسارعة تلك التي كنت أخطوها بينما تمتد يدي إلى جيبي لالتقاط بطاقة التعريف الخاصة بي و أنا متجه لذلك الباب المعدني الأبيض الذي يفصل إدارة تكنولوجيا المعلومات عن بقية المبنى الذي أعمل به ..

و ما أن لامست البطاقة تلك الشريحة الذكية الملاصقة للباب حتى صدر ذلك الأزيز المتقطع معلناً إمكانية دخولي لذلك المكان الذي يغص بصفوة العقول التي تعمل بالمؤسسة، و لن أبالغ إذا قلت عقلها المفكر الذي يدير كل شئ إليكترونياً و يربط كل فروعها في مصر و يربطها بالمؤسسة الأم هناك على شواطئ الخليج العربي.

و بينما أنا منهمكٌ في البحث عن زميلي الذي أعمل معه على أحد المشاريع الهامة .. فاجأني ذلك الصوت القادم من خلفي و هو يتساءل بلهفةٍ واضحة : " هتنزل يوم خمسة و عشرين .. ؟! "

لا أستطيع حتى الان تفسير رد فعلي في تلك اللحظة، فهو خليط غريب من الدهشة و الاستغراب و المفاجأة في آن واحد .. و دعوني لا أبالغ حين أقول .. و الغضب ايضاً !

توقفت قدماي بالطبع عن الاستجابة لرغبتي الملحة في الوصول لزميلي في المشروع، و التفت جسدي بالكامل بشدة نحو مصدر ذلك السؤال .. نعم إنه هو .. أحد تلك العقول النابغة في مجاله ممن أثق في قدراتهم المهنية  و خبراتهم العلمية .. و هو ما دفعني لتكذيب أذني و العودة لسؤاله : " عفواً سيدي . هل تسألني أنا عن نيتي النزول يوم الخامس و العشرين من يناير؟ .. و ما الذي يدفعني للنزول في ذلك اليوم ؟! "

فاجاب: " ألا تستطيع أن ترى ما يحدث من حولك ؟ .. لقد عاد كل شئ كما كان أيام حكم مبارك .. مبارك الذي خرجت أنت ضده في يناير، ثم استكملت مطالبتك بتحقيق مطالب الثورة أثناء حكم المجلس العسكري و الإخوان من بعده .. أم أنك تلونت و صرت سيساوياً كحال الكثيرين من الثوار ؟"

و هنا التقط زميل آخر طرف الحديث و هو مازال ينظر إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به دون أن يلتفت إلينا، ليقول بصوت عالٍ تلوح منه رائحة الاستهزاء : " الثورة !! .. أليست تلك هي من خربت البلاد، و دمرت الاقتصاد، و مررت المؤامرات تحت عباءة الحرية و الديمقراطية ؟! "

و لم أشعر بنفسي إلا و أنا ألتفت مرة أخرى بحدة إلى ذلك المستهزئ لأقول له بحدة لاحظها كل الموجودين:

الثورة التي تستهزئ بها قدمت لمصر ما لم يقدمه أي تحرك آخر طوال تاريخ نضال شعبها لنيل ما يستحقه ..

الثورة هي من صححت في أذهان الجميع  مفاهيم  الممارسة الديمقراطية و كشفت لهم أن من كان يبدو معارضاً للسلطة لم يكن بالضرورة ‫‏وطنياً مخلصاً، و أن من كان يؤيدها لم يكن بالضرورة ‫‏فاسداً تجب محاكمته ..

الثورة هي من فضحت ‫‏النخب السياسية التي طالما ملأت الدنيا ضجيجاً بفساد و شمولية السلطة بينما كشفت ممارساتها بعد الثورة أن فسادها و أنانيتها و سعيها نحو الشمولية و احتكار الوطنية لقادتها فقط أكثر عمقاً من السلطة التي كانت تعارضها ..

الثورة هي من قامت بتعرية الكثيرين ممن ظننت أنت أنهم أهل التقوى و الصلاح ممن لا هدف لهم سوى مصلحة الوطن، فتبين أن الوطن لديهم  مجرد معبد يريدون من خلاله تنصيب أئمتهم  و قادتهم آلهة و إلا وجب هدمه على رؤوس الجميع ..

الثورة هي من كشفت الفارق بين من يريد إسقاط النظام ليعيد بناء الوطن على أسس سليمة، و بين من يثور ليهدم  كل شئ دون أن يبذل الحد الأدنى من الجهد الذي يمكن أن يقدم حلولاً لبناء المستقبل ..

الثورة هي من خلقت الوعي بأن تفضيل شيطان على آخر هو بمثابة حكم إعدام على كل من في الوطن، و أن الفاشية الدينية أكثر خطراً من تلك العسكرية و أن معاناة ‫‏الشعب طوال عقود كانت نتاج تحالف كل هؤلاء ضده ..

الثورة هي من أتاح للجميع الإدراك  بأن ما سهل  خداع البسطاء بواسطة تجار الدين، و ما سمح للعملاء و المأجورين باستغلال انتفاضة الشعب ضد الفساد و الشمولية، لم يكن مؤامرات الخارج بقدر ما هو سياسات الأنظمة الحاكمة الفاسدة التي اعتمدت على قتل ‫‏الانتماء و ‫‏الوعي و نشر ‫‏الفقر لضمان بقائها في كرسي السلطة ..

الثورة هي من مهدت لإنهاء التبعية  المطلقة للولايات المتحدة، و عملت على إعادة روح الانتماء لهذا الوطن العظيم و الثقة في قدرة هذا الشعب على قهر التحديات و إعادة بناء جيشه و اقتصاده و بنيته التحتية و إعادة صياغة علاقاته بالعالم بناءً على مصالح الوطن و ليس مصالح القلة الحاكمة ..

هذا هو ما قدمته الثورة .. و هذا ما لا تريد أن تراه !

و هنا قاطعني بقوله : " كفى .. كفى .. لم يتبق إلا أن تنكر كل ما اكتشفناه من مؤامرات و ما عانيناه من إرهاب بسبب ثوراتكم المشئومة في البلاد العربية !"

و لم أستطع حينها إلا أن أصرخ في وجهه قائلاً : " إن الثورة هي كالعملية الجراحية التي كان لا بد منها لاستئصال أورام الفساد و القمع و الشمولية و التوريث، تلك الأورام الخبيثة التي انتشرت في جسد الوطن و هددت بموته بين لحظة و أخرى، بحيث لا يمكن لأي عاقل و وطني مخلص مدرك لخطورة الأمر أن ينكر ضرورة إجرائها. للأسف يا سيدي لقد تجاهلت أنت كل ذلك و تفرغت فقط للتشكيك في جدوى الجراحة و اتهام المريضة في شرفها لمجرد أن من بعض من أئتمنتهم على حياتها تبين فيما بعد أنهم من العملاء و تجار الدين ممن انتهكوا حرمة جسدها بينما كانت ضعيفة واهنة ! "

و استطردت قائلاً: " يا عزيزي، إن من يعد الثورة ضد الفساد في يناير مؤامرة لأن أمريكا و الإخوان استغلوها لتنفيذ مخططهم، هو كمن يعد يونيو انقلاباً لأن الجيش ساند شعبه فيها!" .. و حينها لم يستطع الرد على كلامي، إما لاقتناعه بما قلت، و إما لأن عناده منعه من أن يفكر به من الأساس !

و في تلك اللحظة هتف زميلي الأول الذي سألني عن النزول قائلاً : " ينصر دينك .. هذا يعني أنك ستنزل يوم الخامس و العشرين معي و مع الاخرين" .. و هنا أيضا تقمصت دور الفنانة راقية إبراهيم حين قالت لمحمد عبد الوهاب في أغنية "حكيم عيون" و فاجاته قائلاً: " بالطبع لأ" !

ثم جنبته إحراج السؤال و استطردت قائلاً :

نعم .. أعلم أن هناك الكثير مما يزال يحتاج المزيد من الإصلاح لتحقيق أهداف الثورة ..

نعم .. هناك الكثير من المسئولين المحسوبين على النظام البائد ممن يمارسون نفس الطقوس الكريهة لترسيخ الفساد و المحسوبية و الرشوة ..

نعم .. مازالت عقيدة الكثيرين من المنتمين للأجهزة الأمنية هي حماية السلطة و ليس حماية و خدمة المواطنين ..

نعم .. مازالت الموازنة العامة تتجاهل حقوق محدودي الدخل و تضغط على ميزانياتهم بزيادة الضرائب و أسعار الخدمات مقابل منح كل الامتيازات لذوي الثروة و رجال الأعمال و الصناعة بحجة تحسين مناخ الاستثمار و تنمية الاقتصاد الوطني ..

نعم مازال هناك الكثر مما يجب عمله لتطوير التعليم و منح الجميع الحق في رعاية طبية كاملة و حياة كريمة بدلاً من استجداء التبرعات لبناء المستشفيات على شاشات الفضائيات ..

لكن ذلك كله يا سيدي لا يمنحك الحق في القيام بثورة جديدة ..

فأجاب بدهشة و هو عاقد حاجبيه في غضبٍ واضح : " و ما الذي يعنيه ذلك كله إذا لم يكن مبررا للقيام بها ؟! " ..

فأجبته :

كل ذلك يفرض عليك و على من تريد النزول معهم أن تدركوا أن النية لتحسن الأمور و السير في الاتجاه الصحيح باتت موجودة لدى القيادة السياسية، و لكن تحقق ذلك على أرض الواقع يعتمد عليكم أنتم لتساعدوا من في السلطة على القيام بما هو واجب، أو في أسوأ الأحوال لمنعه من التخاذل عن تنفيذ وعوده نتيجة ضغط الجماعات الموالية للنظام البائد أو أولئك القابضين على مفاتيح الاقتصاد الوطني من أباطرة الصناعة و الإعلام ..

عليكم إدراك أن أي تحرك من شأنه تقويض الاستقرار سيكون الباب الذي ستدخل من خلاله من جديد أطماع و مؤامرات و خطط الإخوان و العملاء و الدول التي تحركهم لتنفيذ مخططاتهم للمنطقة و لمصر تحديداً ..

عليكم الاستماع لأصوات العقلاء و المخلصين بضرورة خلق كيانات سياسية فاعلة تطرح رؤية واضحة للمستقبل و تؤسس لمشاركة شعبية قائمة على التواصل الحقيقي مع الجميع بدلاً من الصراخ برفض كل شئ و المخاطرة بوحدة و سلامة الوطن دون طرح البدائل ..

عليكم التوقف عن الانسحاب من المشهد الانتخابي و دفن رؤؤسكم في حفرة التبريرات الساذجة، بتدخل الجهات السيادية و شراء الأصوات، لتتجنبوا الاعتراف بفشلكم طوال خمس سنوات في الحصول على ثقة الشعب و تمثيله و لو بنسبة ضئيلة في البرلمان يمكنم البناء عليها لتحقيق الأغلبية فيما بعد ..

عليكم ان تعترفوا لأنفسكم أولاً، أن سيطرة رموز الوطني و النظام البائد و رجال المال و النفوذ على المشهد البرلماني ليس لتواطؤ السلطة معهم، أو لحنين الشعب الذي خرج عليهم في يناير إلى ممارساتهم الفاسدة، أو لحاجة البسطاء لما يشترون أصواتهم  به، و لكن لأنكم لم تكونوا هناك من الأساس حيث أرادكم الشعب كي يختاركم  بدلاً عنهم !

حين تحقق أنت و من معك كل ذلك .. و تجد أن السلطة مازالت على حالها الذي ثرنا عليه في يناير، فسأنزل معك بالتأكيد يوم الخامس و العشرين من يناير .. و حتى ذلك الحين .. يمكن الاتصال بي في منزلي يومها بينما اقص على أولادي كيف أننا خرجنا في مثل ذلك اليوم من أجلهم، و كيف أننا سنواصل العمل الجاد من أجل مستقبل افضل لمصر.

انتهيت من كلامي، و تركت كلا منهما يفكر فيما قلته، و لكني أكاد أقسم أني سمعت صوت الأول و أنا أخطو مبتعداً عنه و هو يسأل نفسه قائلاً:

"هتنزل يوم خمسة و عشرين ؟! "