Thursday, February 25, 2016

الثقة .. بين التفويض و التقويض

 إيهاب الشيمي

" لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه .. هذا الشعب الأبى الذى برهن على إستعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفانى من أجله  "

كانت هذه هي كلمات وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي للشعب المصري في الأول من يوليو 2013، و التي ألقاها المتحدث العسكري للقوات المسلحة في بيان رسمي عبر وسائل الإعلام المرئي و المسموع و المقروء.

تلك الكلمات التي حركت الكثير داخل وجدان الملايين من أبناء الشعب الذين فقدوا الثقة في في كل من يتولى زمام الأمور، و كل من يدعي العمل من أجلهم، و كل من يدعي الحديث بلسان حالهم،  فأعادتها لهم من جديد في شخص الرجل و دفعت بعشرات الملايين منهم إلى كل شوارع و طرقات مصر معلنة تأييدهم له و الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين و محمد مرسي ممثلها في قصر الاتحادية !

و لا يستطيع أحد أن ينكر استمرار الشعب بعد ذلك في الإبقاء على ثقته في الرجل حين منحه تفويضاً يشمل كافة الصلاحيات لمحاربة الإرهاب، ثم انتخابه رئيساً للبلاد في يونيو 2014، ثم في شراء كل أسهم الاكتتاب العام لمشروع قناة السويس بقيمة 60 مليار جنيه في أقل من اسبوع، ثم في تحمل استمرار انقطاع الكهرباء في نفس الصيف بالرغم من عدم احتمالهم لنفس الانقطاع في عهد المعزول مرسي، ثم في عدم التذمر من رفع الدعم عن الطاقة و زيادة اسعار الوقود و ما تبعه من رفع أسعار كل السلع تقريباً.

و لا أستطيع هنا إلا أن أسجل أن الرجل لم يدخر وقتاً في المقابل، بل سعى بكل قوة لاستغلال ذلك الزخم ليبدأ خطة طموحة لبناء أسس و قواعد نهضة مصر اقتصادياً، فشرع على الفور في تنفيذ مشروع محور قناة السويس، و رفع كفاءة شبكة الطرق، و بناء الجسور، و رفع كفاءة شبكة الطاقة من خلال بناء محطات توليد حرارية جديدة، و التوجه لمصادر الطاقة غير التقليدية كما فعل في مشروع الضبعة النووي، و كذلك مشروعات الطاقة الشمسية التي تدفع جميعها بالمزيد من الدماء في شرايين قطاع الصناعة و الاستثمار في مصر. بل و دعوني أضيف بعضاً من المرح هنا حين أقول أن الرجل استمع لكلمات الممثل محمد سعد حين قال أننا لن نذهب إلى كأس العالم، بل سنجلبه هو إلى مصر، فلم ينتظر تحرك المستثمرون و الحكومات و الشركات العالمية  للاستثمار في مصر، بل دعاهم جميعاً إلى مصر في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي لفتح آفاق جديدة في مستقبل مصر الاقتصادي.

و بالرغم من أن الرجل حين تولى المسئولية أعلن صراحةً أنه ليس لديه أية فواتير يسددها لصالح أي جهة سوى هذا الشعب، و هذه الأرض الطيبة التي تستحق كل الجهد، إلا أنه يبدو أنه مازال يحتفظ ببعض الألفة أو دعني أقول الكثير من الشهامة المصرية و صون " العشرة " تجاه العديدين ممن جمعتهم به ضرورات العمل و تحديات التحول الديمقراطي قبل و أثناء و بعد ثورة الخامس و العشرين من يناير ، فمنح حق اتخاذ القرار و التخطيط  لعقول خربة ورثها من حكومات فاشلة قادتها مومياوات عهد مبارك البائد، و هو ما أدى في النهاية إلى أن يفعل الرجل كل شئ بنفسه و كأنه رئيس بمهام حكومة كاملة !

ما أرى أن الصواب قد جانب الرجل فيه أيضاً، هو كيفية معالجته و إدارته لمسألة توحيد الجبهة الداخلية و تقليل هوة الخلافات السياسية، فالفارق كبير بين " الوحدة " حول مصلحة الوطن، و محاربة الإرهاب، و دعم القيادة للمرور من النفق المظلم، و بين " الأحادية " في كيفية تناول و رؤية كيفية تحقيق تلك المصلحة، و سبل مكافحة الإرهاب، و أسلوب دعم القيادة.

و في ظل تلك المعالجة أصبح وجود برلمان يمثل المصريين و لا يسيطر عليه حزب الرئيس، هو مجرد حلم لم يمكن تحقيقه في ظل ظهور ائتلاف " دعم الدولة المصرية " تنفيذاً لرغبة الرئيس في وجود جبهة برلمانية موحدة. و لا أخفيك سراً عزيزي القارئ أن دهشتي لم تكن أكثر شدة منها تجاه إعلان هؤلاء النواب توقيع وثيقة يؤكدون فيها تجردهم من انتماءاتهم الحزبية وميولهم الفكرية واتجاهاتهم السياسية التي اختارهم الشعب الذي يمثلونه على أساسها، لصالح دعم الرئيس و الحكومة بحجة إرساء دعائم الدولة الحديثة !

و هنا تماماً، و بفضل هاتين الحقيقتين، بدأت بوادر تقويض الثقة بين الرجل و الشعب في الظهور، ففي ظل انشغال الرجل بما هو جيد لمصر على المدى الطويل على الأصعدة الاقتصادية و السياسية و العسكرية، فشلت الحكومات التي نصبها و البرلمان، الذي أعلن معظم أعضائه دعمهم له، في تحقيق الحد الأدنى لما يمكن اعتباره جيد لشعبها على المدى القصير إجتماعياً و معيشياً و تعليمياً و صحياً !

فلا يمكن إلا لجاهل أو ذي مصلحة إنكار حالة التذمر الشعبي الجارفة من ارتفاع أسعار الكهرباء و الماء و الغاز و السلع الأساسية و المواصلات، بل و عدم توافر المواد التموينية الأساسية المدعومة ببطاقات التموين الذكية الحديثة، و كذلك زيادة الرسوم على استخراج و إصدار أية بيانات أو أوراق أو تراخيص حكومية، و انهيار منظومتي التعليم و الصحة دون حلول مرئية، و ما زاد الطين بلة من تجاوزات المنتسبين لأجهزة الأمن في حق المواطنين في حوادث متعددة تجاوزت بكثير حد التعاطي معها بصورة فردية !

كما لا يمكن إنكار التضارب بين قرارات البنك المركزي و بين جهود جذب الاستثمارات الخارجية، بل و حتى تصريحات الحكومة الجوفاء بدعم المستثمرين المتواجدين بالفعل، فكيف لهؤلاء أن يضخوا أموالهم في دولة تمنع عليهم الخروج بعوائد استثماراتهم منها إلا في حدود خمسين الف دولار فقط شهرياً دون مراعاة لكل حالة على حدة، فيتساوى في ذلك لديها من يستورد أسماك الزينة و فوانيس رمضان، و من يشتري الماكينات العملاقة لتشغيل و دفع عجلة الصناعة و الاقتصاد الوطني !

و دعني عزيزي القارئ في إطار الثقة التي مازالت قائمة بيني و بين الرجل أن أذكره أن المستقبل لا تبنيه برلمانات تدعم حكومات تقليدية تنتظر التعليمات و تتوقع المكافاة في المقابل، و لكنه يحتاج برلماناً يمنح الثقة لحكومة قادرة على وضع خطط تستخدم بحكمة الاحتياطيات النقدية المحدودة لتنمية الموارد البشرية و الطبيعية اللامحدودة التي تمتلكها مصر..

حكومة يتولاها ذوي العلم و الخبرة و الكفاءة و الرؤية المستقبلية و القدرة على اتخاذ القرار ..

حكومة تطبق القانون بلا استثناء على الجميع و تحترم الحريات و الحقوق و تقبل النقد و الاختلاف مع رؤيتها للحلول دون تخوين ..

حكومة تعمل على تهيئة المناخ اللازم لبناء كيانات سياسية و اجتماعية فاعلة بعيداً عن أموال العمالة و أحلام تجار الدين و سيطرة الإقطاعيون الجدد على مقدرات الشعب ..

حكومة تعي تماماً حتمية وضع و تنفيذ إجراءات صارمة ضد الاحتكار و الفساد و إعادة هيكلة الموازنة و ضرورة تسلسل الأهداف المرحلية الواقعية و الممكنة و التي يمكن قياس مدى نجاحها ميدانياً، و ليس الأهداف التي تدغدغ أحلام الشعب لتتحول في النهاية إلى مجرد عناوين صاخبة في صدر الصفحات الأولى للصحف التي تدفع تلك الحكومة رواتب رؤساء تحريرها من ضرائب الشعب.

حين يفعل الرجل شيئاً تجاه كل ذلك، و حين يستطيع أن يأتي بمن يعينه على التحرك داخلياً و خارجياً في آن واحد، و من يرفع عن كاهله عبء التحرك وحده لفعل كل شئ، و من يدرك أن المشاكل اليومية المعيشية و الاجتماعية و الصحية و التعليمية للغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب لا تقل خطورة على استقرار الوطن من الإرهاب و المؤامرات الخارجية، حينها فقط .. سيمكن للرجل استعادة هدوءه الذي عهدناه عليه، و سيمكن له أن يكون اكثر تحكماً في زمام أعصابه الذي افلت منه مرات عديدة في خطاباته الأخيرة، و سيكون أكثر حلماً و اكثر تفهماً للانتقادات التي تطال أداءه و أداء حكومته، و سيمكنه حينها بالتأكيد استعادة ثقة شعب مصر الكاملة التي أرى أنه فقد جزءاً ليس باليسير منها !

حفظ الله مصر .. و سدد على طريق الخير خطى أبنائها.