Sunday, April 17, 2016

مصر و التهديدات الإرهابية .. فيما وراء الحدود الليبية !


إيهاب الشيمي

" ليبيا إيه بس و وجع قلب إيه اللي السيسي  و الحكومة شاغلين نفسهم بيها دي ؟!
 ما تخلونا في حالنا و بلدنا يا جدعان !! 
و بعدين هو حد فاهم حاجة؟ 

دة كله سمك .. لبن .. تمر ليبي  يا مولانا !!"

قد يكون ذلك هو لسان حال معظم المصريين في الأيام القليلة الماضية، خاصةً بعد تداول معظم وكالات الأنباء لأخبار امتداد المعارك الشرسة بين الفصائل الليبية المتناحرة إلى قلب العاصمة طرابلس و تدمير المطار، و ما تردد من تدخل بعض دول الجوار، و من بينها مصر، عسكرياً في ليبيا لمساندة أطراف بعينها، و هو ما نفته مصر و بشدة و على لسان أكبر سلطة فيها متمثة في شخص رئيس الجمهورية.

و أستطيع هنا تفهم  مواجهة الكثيرين لصعوبات بالغة في قراءة المشهد الليبي منذ اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير 2011 ضد القذافي، و حتى يومنا هذا، فاختلاط الأوراق، و تداخل المصالح، و تعدد السلطات، و تبدل المواقف، و كثرة المعسكرات جعلت الموقف يبدو للكثيرين مبهماً و عصياً على الفهم.

هل نؤيد "المؤتمر الوطني العام"، أم نساند "مجلس النواب"؟ .. ما الفارق بين قوات "درع ليبيا"، و قوات "عملية الكرامة"؟ .. و من هو رئيس الحكومة، و من  منهم الذي ينفذ أجندات خاصة، و من منهم يسعى ليرى ليبيا قوية موحدة تحت راية واحدة؟ .. 

و لكي تستطيع الإجابة على كل ذلك ببساطة و دون تعقيد  فدعني أطلب منك أن تمنحني تركيزك الكامل في السطور القادمة، و لن أمانع إذا تطلب منك الأمر أن تحذو حذو سمير غانم في مسرحية المتزوجون حين "ربط دماغه عشان ما تضربش" !

أصل الحكاية  يرجع للأيام الأولى للثورة، حين قرر الثوار الإعلان عن تشكيل "المجلس الوطني الانتقالي" في فبراير 2011 و قبل سقوط القذافي ليكون ذلك المجلس بمثابة الممثل الشرعي للثورة و المتحدث باسمها داخلياً و خارجياً، كما أنه سيكون بمثاية الحكومة المؤقتة التي ستتولى إدراة الأمور في حال سقوط القذافي. و تولى رئاسة "المجلس الوطني الانتقالي" حينها "مصطفى عبد الجليل" و هو وزير العدل الذي انشق عن نظام القذافي، و هو منصب يعادل منصب رئيس الجمهورية، و كان هناك منصب آخر على درجة كبيرة من الأهمية تحت مسمى رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي و هو  يعادل منصب رئيس الوزراء، و تولاه حينها "محمود جبريل" و هو أحد أعلام إصلاح الاقتصاد الليبي و من أسس المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي  في ليبيا على خلفية عمله كأستاذ للإقتصاد بجامعات الولايات المتحدة، و كان قد انشق أيضاً عن القذافي في 2009 و هو متزوج من ابنة وزير الداخلية المصري الأسبق "شعراوي جمعة" و حصل على درجته الجامعية في الاقتصاد و العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

المنصب الثالث، و الأكثر أهمية في نظري، هو منصب ممثل المجلس الوطني الانتقالي في فرنسا و أوروبا، و الذي نجح في انتزاع اعتراف الدول الأوروبية و حلفائها بالمجلس كممثل للشعب الليبي في أحلك لحظات الصراع مع القذافي، و تولى هذا المنصب "علي زيدان" و هو احد المعارضين الراديكاليين للقذافي منذ 1980 و أحد المنضمين و المؤسسين للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا حينها.
تولى المجلس الوطني الانتقالي السلطة بعد سقوط القذافي، و سلم السلطة في أكتوبر 2011 إلى حكومة انتقالية برئاسة "عبد الحكيم الكيب" و هو ليبي حاصل على الجنسية الأمريكية، و أستاذ في الهندسة في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، و قامت هذه الحكومة بإعداد كل ما يلزم من إجراءات تضمن إعلان قيام الأحزاب و تنظيم كل ما يتعلق بإجراء عملية انتخابية ديمقراطية في جميع أرجاء ليبيا لانتخاب "المؤتمر الوطني العام" أو ما قد نسميه نحن في مصر "البرلمان" أو "مجلس الشعب".

و بالفعل تم انتخاب أعضاء "المؤتمر الوطني العام" في 7 يوليو 2012، و تولى سلطاته التشريعية و الرقابية رسمياُ في اغسطس 2012، و هو تقريباً نفس التوقيت الذي تولى فيه مرسي رئاسة الجمهورية في مصر.  و انقسم "المؤتمر الوطني العام" بين معسكرين، الأول معسكر القوى الليبرالية و المدنية بزعامة "تحالف القوى الوطنية" الذي يقوده "محمود جبريل"،  و المعسكر الآخر الذي يمثل الإسلاميين و اليمين المتطرف بزعامة " حزب العدالة والبناء"  الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" في ليبيا، و تم انتخاب "محمد المقريف" اميناً عاماً للمؤتمر، و هو أحد المنشقين عن القذافي في 1980 أثناء توليه منصب سفير ليبيا لدى الهند.

و كما تلاحظون، فإن المشهد حتى الآن تقوده التيارات الوطنية و الليبرالية، و لذلك بدأ سعى الإسلاميين الحثيث منذ اللحظة الأولى بقيادة " حزب العدالة والبناء"  إلى السيطرة على الأمور داخل "المؤتمر الوطني العام"، و بدأ ذلك بتفصيل نص لمشروع العزل السياسي مكنهم من ضم "المقريف" لقائمة من يجب عزلهم بحجة توليه منصب سفير في نظام القذافي قبل انشقاقه، و تمكنوا في 24 يونيو 2013 من تنصيب "نوري أبو سهمين"  اميناً عاماً للمؤتمر بدلاً منه، و هو شخص يمكنهم بسهولة السيطرة عليه لضعف خبرته السياسية، و يمكنهم بالتالي التحكم في  شكل الدستور الجديد الذي سيشرف "ابو سهمين" على إعداده بصفته أميناً عاماً.

و حيث أن من مهام "المؤتمر الوطني العام" أيضاً تعيين رئيس حكومة جديد للبلاد، فلقد تم التصويت في نوفمبر 2012 على مرشحين اثنين لرئاسة الوزراء، و فاز بالتصويت "علي زيدان" المدعوم من الليبراليين بأغلبية 93 صوتاً ضد "محمد الحراري" المدعوم من الإسلاميين و حصل على 85 صوتاً فقط. و كان ذلك بمثابة إعلان فشل جديد للإسلاميين في مسعاهم للانفراد بالسلطة كما فعلوا في مصر و تونس. و لم يهدأ للإسلاميين بالاً فأخذوا يضعون العراقيل أمام "زيدان"  ليزيحوه من السلطة ، و وصل الأمر لدرجة اختطاف "زيدان" نفسه ثم إطلاق سراحه في 10 أكتوبر 2013 على يد ميليشيات "غرفة عمليات ثوار ليبيا" و هي ميليشيا إسلامية مدعومة من الإخوان في ليبيا أيضاً.

و في إطار سعي الإخوان، و من خلفهم سادتهم في الدوحة و أنقرة، للسيطرة على المشهد بشكل كامل، فقد عملوا جاهدين على إيهام الجميع برغبتهم في ضم الميليشيات المسلحة إلى الجيش الليبي ليصبحوا بمثابة حصان طروادة في أية ترتيبات لتسوية الوضع، و طلبوا من "زيدان" العمل على ذلك و إعلانه، و بالفعل تم إعلان ضم ما يعرف بميليشيات "درع ليبيا" إلى الجيش ، بالرغم من أن هذه الميليشيات التابعة لهم و لحلفائهم مقسمة فعلياً لثلاث أفرع رئيسية  (الشرق و الوسط و الغرب)، و بالرغم كذلك من بقاء ولاء هذه الميلشيات لقادتها و ليس لقادة الجيش او للحكومة المركزية.

و في خطوة غير مسبوقة، قام الإخوان و حلفاؤهم الإسلاميون في "المؤتمر الوطني العام" بعزل "زيدان" و تعيين وزير الدفاع "عبد الله الثني" قائماً بأعماله في 11 مارس 2014، و تلا ذلك إعلان ميلشيات "درع ليبيا" و المتحالفين معها من ميليشيات "أنصار الشريعة" و "مجلس شورى ثوار بنغازي" تأييدها لقرارات المؤتمر الوطني العام في تحد واضح لسلطة الحكومة المركزية !
و يجب هنا أن الفت انتباهك عزيزي القارئ أن
ميليشيات "أنصار الشريعة" موالية لتنظيم القاعدة و يقودها المدعو وسام بن حميد الوثيق الصلة بجماعة الإخوان المسلمين و علي الصلابي و عبد الحكيم بلحاج الممولين من قطر، و هي أيضاً من قامت باغتيال السفير الأمريكي  في بنغازي في عام 2012 !

و وسط كل هذه الأمواج التي تلاعبت بالسفينة الليبية، خرج اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في مايو 2014 و ليعلن القيام بعملية واسعة عرفت بعملية "الكرامة" للحفاظ على وحدة الأراضي الليبية واستعادة هيبة الحكومة و الجيش الليبيين، من أيدي الميليشيات الإسلامية ، و كان من الطبيعي أن يعلن الوطنيون اليبيون و القبائل الرئيسية، و كتائب و وحدات الجيش الليبي  و على رأسها كتائب القعقاع و الصواعق، و كذلك الأفرع الرئيسية من القوات الجوية و البحرية بالإضافة لقوات وزارة الداخلية  و مديريات الأمن تحالفهم مع "حفتر" في إطار عملية "الكرامة" لينضم إليهم كذلك ثوار الزنتان الأشداء في الجبل الغربي.

و يبدو أن الإسلاميين، وسط انشغالهم بكل هذه المعارك السياسية و المؤامرات الخفية، لم يلحظوا أن الفترة القانونية "للمؤتمر الوطني العام" قد انتهت و أنه قد وجب إجراء انتخابات جديدة لانتخاب "مجلس النواب" الذي سيتولى مقاليد الأمور، و بالفعل تم إعلان نتيجة الانتخابات التشريعية، في يوليو 2014 بصدمة مدوية للإخوان و حلفائهم بسقوط مدوي منحهم 23 مقعداً فقط من أصل 200 مقعد ذهبت غالبيتها للليبراليين و الفيدراليين و ممثلو القبائل و المستقلون، و وجب حينها تسليم السلطة للمجلس المنتخب الجديد، و هو ما رفضه "المؤتمر الوطني العام"، و ميليشيات "درع ليبيا" و حلفائها في انقلاب تام على الشرعية، بل و أعلنوا رفضهم لعملية "الكرامة"، و رفضهم كذلك الاعتراف بمجلس النواب المنتخب، بل و بسلطة الحكومة المركزية في طرابلس برئاسة "الثني"! ، و هو ما دعا "مجلس النواب" المنتخب لإعلانها كجماعات إرهابية، و نقل جلساته إلى طبرق تحت حماية وحدات الجيش الليبي.

و على إثر ذلك، قامت هذه الميليشيات منذ أيام بعملية موسعة للهجوم على الجيش و القوات المتحالفة مع "حفتر" في طرابلس ، و هو ما دعا "مجلس النواب" أيضاً للإعلان عن تنصيب رئيس جديد للأركان يمكنه توحيد كتائب الجيش و الأفرع الرئيسية لاستكمال عملية "الكرامة" و دحر الميليشيات الإسلامية الموالية للإخوان و القاعدة، و القضاء على تمرد أعضاء "المؤتمر الوطني العام" المنتهية ولايته،  و التأكيد على شرعية "مجلس النواب" المنتخب.

و هكذا عزيزي القارئ يمكنك  الآن أن تعرف أين يجب أن تقف مصر، و من الذي يشكل خطراً على أمنها القومي، و لماذا وقف وزير خارجيتنا اليوم مع وزير الخارجية الليبي، ورئاسة مجلس النواب الليبى المنتخب في طبرق، و رئيس الأركان الليبى الجديد، و لماذا عرض السيسي تدريب الجيش و الشرطة الليبيين ليمكنهما ضمان وحدة الراضي الليبية، فبالرغم من كل الأعباء و التحديات التي نواجهها هنا في الداخل، فلا بد لضمان امننا القومي في الداخل، ألا نغفل مواجهة التحديات الإرهابية فيما وراء الحدود الليبية.