Friday, April 8, 2016

كفتا الميزان .. بين السيسي و سلمان

إيهاب الشيمي

عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين أدركت القوى الاستعمارية الكبرى أن الصراع فيما بينها لن يصب سوى في مصلحة  أعدائهم المشتركين، و أن  توحدهم في كيانات ضخمة بالرغم من اختلافاتهم الداخلية و بنيتهم المجتمعية المتناقضة، و لغاتهم المتعددة و أعراقهم المختلفة، هو الحل الوحيد الذي يضمن سيطرتهم  على الشرق الأوسط  لضمان عدم عودة النفوذ الإسلامي من جديد من ناحية، و لضمان السيطرة على طرق التجارة و موارد الشرق الأوسط اللامحدودة لدعم آلة الحرب العملاقة لهذه الدول، و إمداد اقتصادياتها بما تحتاجه على حساب إفقار شعوب المنطقة من ناحية أخرى.

و استمرت تلك الدول منذ ذلك الحين في تنفيذ و دعم آليات تلك الاستراتيجة بدءاً من اتفاقية سايكس بيكو و مروراً بمعاهدة بازل و نهايةً بما نراه الآن من وجود الاتحاد الأوروبي و حلف النيتو .

لا أشك أن جميعنا نعلم ذلك، و أن قادتنا لا يحتاجون دروساً في التاريخ الذي يعلمون خباياه جيداً ..

نعم .. علينا ان نعترف أن من حق كل دولة من دولنا أن تسعى منفردةً لتنمية القدرات البشرية و خلق الآليات التي تحسن من إدارة الموارد المتاحة لديها، و أن تعمل بقوة على إصلاح الداخل و ضمان الحريات و إتاحة الفرص للجميع لخدمة الوطن ..

و لكن علينا أن ندرك كذلك أن من بدأوا بفلسطين، ثم لبنان، ثم العراق، ثم السودان، ثم سوريا، ثم ليبيا، و و مازالوا يحاولون في مصر و تونس ، سيواصلون مخططهم ليمتد إلى بقية الدول و على رأسهم المملكة العربية السعودية و شقيقاتها في الخليج العربي.

علينا أن نرى كيف أن واشنطن تسعى لفصل الرياض عن محيطها العربي و ربطها فقط بتحالفات أوروبية و تركية خاضعة لهيمنتها، و هو ما يمكن قراءته بين سطور تحالف الرياض مع واشنطن في الحرب على داعش في سوريا في نفس الوقت الذي طلبت فيه تأجيل التوقيع على بروتوكول القوة العربية المشتركة التي كانت ستوفر غطاءاً عربياً قوياً للحرب على الإرهاب بدلاً من أن تزج بقواتها منفردة على كل الجبهات !

علينا أن ندرك أن هؤلاء لا يعجبهم كون السعودية و مصر كفتا ميزان استقرار المنطقة و الضامنتين لبقاء العرب كقوة فاعلة، إحداهما بثقلها الاقتصادي و الديني، و الأخرى بثقلها التاريخي و البشري و العسكري، و بالتالي فلا يمكن أن نستبعد فرضية أن أعداء الأمة قرروا أن تكون السعودية هي  الضحية التالية للإرهاب و الفوضى و المعانة الاقتصادية ، لينهار ذلك التوازن الدقيق، و لننسى جميعا ًكل تلك الخرائط التي تحدد ما اعتدنا على تسميته بالوطن العربي ؟

و قد يظن البعض أني قد بالغت بعض الشئ هنا، فالسعودية هي الحليف الأهم لواشنطن و أوروبا طوال العقود الماضية، و لكن مبرراتي يمكن رؤيتها بوضوح في كل تلك الاتفاقات التي عقدتها أوروبا و الولايات المتحدة مع إيران بدايةً من إبرام الاتفاق النووي الذي يسمح لها باستكمال مخططاتها للسيطرة على المنطقة، و الذي يغض النظر عن استمراها في بناء منظومة صواريخها الباليستية التي يمكنها بها تهديد المنطقة برمتها، و نهاية برفع العقوبات الاقتصادية عنها ليمكنها الحصول عى المزيد من الموارد و الأموال اللازمة لدعم عملائها في المنطقة في اليمن و سوريا و لبنان و العراق، بل و تطوير سلاح العمائم الأخطر الذي سيعملون على استخدامه بإفراط في المرحلة القادمة  و هو بث الفتنة الطائفية و تأجيج الصراع الشيعي السني داخل المملكة بل و في أرجاء الخليج العربي بأكمله بدءاً من البحرين و مروراً بالكويت.

و لا يمكنني هنا إلا أن أضيف أمراً آخر قد لا يتفق معي الكثيرون في خطورته و هو انتظار أنقرة للفرصة الذهبية  التي يتم من خلالها إضعاف الرياض كممثل للقوى السنية في المنطقة، و إنهاكها إقتصادياً و عسكرياً، ليمكن لأردوغان حينها ادعاء أحقية تركيا في تمثيل تلك القوى بدلاً من السعودية، و تحقيق حلمه في اعتلاء كرسي الخلافة العثمانية من جديد على أنقاض الدول العربية، و هو ما يمكن كذلك استنباطه من تحالف أنقرة مع طهران عسكرياً و اقتصادياً برغم عدائها الواضح و التاريخي للعرب و وضوح مشروعها الصفوي للاستيلاء على المنطقة برمتها، بل و تشكيك كلاً من طهران و أنقرة على ألسنة مسؤولين بارزين في أهلية المملكة و قدرتها على احتضان أعظم الشعائر الدينية لدى المسلمين أثناء حادثة التدافع الأخيرة بمنى !

و لا أنكر هنا، و بالرغم من كل تلك المؤشرات على ضرورة الوحدة و التكامل، أن هناك الكثير من نقاط التعارض بين مصالح كل من الرياض و القاهرة في الكثير من الأمور الشائكة في المنطقة، إلا أنني و في الوقت ذاته لا أرى فيها تعارضاً في الأهداف المشتركة العليا بقدر ما هو تعارض في أدوات تحقيقها لدى كل طرف !

فبينما ترى الرياض ضرورة رحيل الأسد و دعم المعارضة في سوريا مثلاً، ترى القاهرة أنه لا بد من عدم الإطاحة بالرجل حتى التوصل لصيغة سياسية تضمن بقاء الدولة و وحدة الأراضي السورية حتى لا تصل لمرحلة السيولة الثورية التي تفقد معها كل مقومات الدولة بمعهناها الحديث كما حدث في ليبيا، لنسقط في مستنقع قاعدة جديدة، و داعش أكثر وحشية و نفوذاً،  و هو ما ترجمه البعض من مثيري الفتنة على أنه تأييد مصري للمعسكر الروسي ضد الرياض، و ترجمه آخرون على أنه ارتماء من الرياض في أحضان واشنطن ضد مصالح القاهرة !

كما أنه لا يمكن أن نغفل أن الحملة العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن لا يمكن أن تنجح ضد أذناب طهران بالقصف الجوي فقط، أو بتواجد قوات التحالف العربي التي تظل في النهاية مجرد داعمة للشرعية، فالأمر يتطلب و بشدة حليفاً من أهل البلاد يمكنه الوقوف في وجه الحوثي و صالح، ذلك الحليف الذي رأيت منذ بداية انطلاق عاصفة سلمان أنه سيكون حزب الإصلاح اليمني، الذراع السياسي للإخوان المسلمين في اليمن، و هو ما بدا جلياً مؤخراً في استعانة الرئيس هادي باللواء علي محسن الأحمر أحد مؤسسي الحزب و أحد المقربين من الإسلاميين هناك كرئيس للوزراء, و كحليف لا بد من وجوده في معركة صنعاء المرتقبة !

و هو الأمر الذي ستتفهمه القاهرة بالتأكيد لأن ما فرضته هي ظروف الميدان و التركيبة المعقدة للمشهد السياسي في اليمن، و لكنه أيضاً ما ستتحفظ عليه و تتعامل معه بالكثير من الحرص لما نعلمه من التوتر الشديد في العلاقة بين جماعة الإخوان و الشعب المصري بأسره، و ما تقوم به الجماعة من حملة شرسة ضد مصر في أروقة الدبلوماسية العالمية بدءاً من الدوحة و مروراً بأنقرة، و وصولاً إلى الكابيتول في واشنطن !

و لست هنا بصدد الدعوة لتخلي أي طرف عن مصالحه، و لكن للتنبيه من جديد أنه علينا الترفع عن نقاط الاختلاف و تجاوز مناطق الصراع و التركيز على عوامل الوحدة و أدوات القوة و السيطرة على المشهدين السياسي و الاقتصادي و العسكري، و هو ما اراه السلاح الوحيد القادر على التصدي للمؤامرة ضد الأمة العربية ليمكننا مواجهة الغرب بنفس السلاح الذي استخدمه ضدنا، و ما أفلحوا فيه و بشدة خلال العقود الثلاثة الماضية من خلال " الوحدة " و " التكامل" بينما انفرط في المقابل عقد وحدتنا و انتهكت حرمة أراضينا !

خلاصة القول يا سادة .. أننا الآن أمام خيارين لا ثالث لهما ..

إما أن يستغل قادتنا القدر المتاح من الاتفاق الآن، أو ليحصروا أهدافنا في مصالحنا الفردية لنمنح أعدائنا فرصة اصطيادنا كالشياه المنفردة ..