Friday, November 4, 2016

الدولة الأبوية.. و الطفل الأخرق !

إيهاب الشيمي
لن أتحدث هنا، كما قد يتوقع البعض، عن موظفي الحكومة " التنابلة " الذين لا يفعلون شيئاً سوى انتظار العلاوة و انتقاد قانون الخدمة المدنية لما فيه من ربط الأجر بالأداء، بينما لا يقدمون هم أي إسهام فعلي نحو تقدم الوطن ..
و لن أتحدث أيضاً عن الطبقة الكادحة التي تشكو من عدم قدرتها على شراء الطعام لأبنائها بينما ينفق أرباب اسرها مئات الجنيهات على السجائر و مكالمات المحمول بحجة تفريغ الغضب و شحنات الكبت !

بل أنا هنا من اجل أن أخاطبك أنت ! 
أنت يا من لك القدرة على امتلاك حساب فيسبوك و تويتر و انستجرام بينما تملأ الدنيا ضجيجاً و صراخاً و عويلاً عن معاناتك و كيف أن البلد أصبحت جحيماً لا يطاق ..
و أحب أن أبدأ حديثي بأن أقول لك في برود أيها الزعيم الفيسبوكي التويتري أن ما يعانيه بقية الشعب ممن لا يملكون رفاهية الحديث على وسائل التواصل الاجتماعي " زي حضرتك كدة" هو بسبب ما تفعله أنت !
نعم .. أنت من تبدد احتياطي النقد الأجنبي و أنت من تسبب عجز الموازنة ..
و لن أنتظر منك أن تسألني في غضب " و إزاي بقى أنا السبب يا استاذ ؟!!" .. فسأجيب على سؤالك قبل أن تتفوه به ..
الهواتف المحمولة التي تتفاخر بامتلاك الأحدث منها أنت و أمثالك و لا تستخدموها سوى في التنافس في الألعاب أو في حوارات الواتساب السفسطائية نستوردها بالدولار ..
السيارات التي تبدلها كل حين و آخر أنت و أمثالك لا لشئ إلا لترضي إحساسك المريض بأنك الأفضل على الطريق نستوردها بالدولار !

سيارات الدفع الرباعي التي تملأ الطرقات و تسد الشوارع بينما أقصى استخدام لها هو السير على أسفلت مارينا أو مراسي في الساحل الشمالي في الصيف .. نستوردها أيضاً بالدولار و تحرق أضعاف كمية الوقود الذي تتحمل الدولة عبء دعمه أيضاً !

كل تلك " الاوتينجس" و " الخروجات" أو أياً كان ما تحب أن تسميها، التي لا طائل منها سوى أن تقضي وقت ظريف بعد خروجك من العمل و سحب بضعة أنفاس من "الشيشة الفواكه الفاخرة" بحجة أنك اقلعت عن تدخين السجائر، و وضع تعليقات "كول" على صورك أنت و رفاقك و "مززك" بعدها على الانستجرام .. تستخدم فيها سيارتك التي تحرق البنزين الذي تدعمه الدولة و تدفع ثمن استخراجه و توريده للشركات الأجنبية بالدولار ايضاً !

تلك السيجارة الاليكترونية الحمقاء التي أقنعت نفسك أنها بديل صحي للسجائر، نستوردها بالدولار و نستورد سائلها بالدولار، و نستورد بطاريتها الليثيوم طويلة العمر بالدولار .. 

ماكينة النسبريسو التي تتفاخر بوجودها في مكتبك مع أفضل نكهات كبسولات القهوة بدلاً من " البن التعبان بتاع البوفيه" نستوردها ايضاً بالدولار !

" الشاليهات " التي تملأ الدنيا بكاءاً و عويلاً أنك تقترض " يا حرام " من أجل سداد أقساطها   بينما لا نسمع لك صوتاً حين تقوم بتأجيرها لتجلب لك أضعاف ما دفعته فيها .. كل هذه تقوم الدولة بتحمل نفقات البنية التحتية من كهرباء و مياه و صرف و طرق من أجل أن تتمكن و أمثالك من الانتفاع بها و تقضية اسبوعين أو ثلاثة في الصيف بها بينما تظل مهجورة طوال االعام !

العلامات التجارية و "البراندات" التي تسعى لشرائها دائماً حين يتعلق الأمر بملابسك و مقتنياتك الجلدية بل و أزرار قميصك لتتفاخر بها أمام الجميع .. كلها نستوردها بالدولار أو يدفع وكيلها قيمة استغلال علامتها التجارية ايضاً بالدولار!

ما يثير السخرية أنك و أمثالك تصرخون و تنتقدون بينما لا تقدمون الحلول .. لأنكم ببساطة لم تكلفوا انفسكم وسط قراءتكم للتعليقات السخيفة و الساخرة على حساباتكم الاجتماعية، و وسط مشاهدتكم لمقاطع الفيديو الكوميدية أو الساخنة،  و في غمرة انغماسكم الشديد في متابعة الجديد من حلقات " جيم أوف ثرونز" لم تكلفوا أنفسكم أن تقرأوا خبراً سياسياً حول ما يحدث من حولنا و تأثير ذلك على مصر، و لم تحمل نفسك عناء الاستماع لتحليل اقتصادي على بلومبيرج أو سي ان بي سي أو سكاي نيوز أو حتى النيل للأخبار عن تداعيات أزمة أسعار الوقود العالمية و تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، أو ضم اليوان الصيني لسلة عملات صندوق النقد الدولي، أو حتى أن تتعرف على بنود مشروع الموازنة العامة للدولة !

و ما يثير السخرية أيضاً أنك و أمثالك تساوون أنفسكم بالطبقات التي تعاني بسبب ما تفعلونه انتم من ضغط متواصل على موارد الدولة و استنزاف لاحتياطياتها النقدية و تبديد للدعم الذي توجهه بالأساس لمحدودي الدخل !

و أكاد أسمع هنا صوت أحدهم و هو يقول بغضب: " و انت مالك ؟ دي فلوسي و أنا حر فيها .. !"
و لهذا الغاضب أقول أيضاً: " لا .. ليست أموالك .. و لست حراً في إهدارها !"
فبحسبة بسيطة و باحتساب السعر القديم للدولار أمام الجنيه و هو تسعة جنيهات تقريباً
ستجد أن متوسط سعر لتر البنزين حول العالم هو دولاراً و نصف، أي ما يعادل ثلاثة عشر جنيهاً و نصف تقريباً و هو ما يعني أن الحكومة تتحمل في اللتر الواحد ما قيمته 10 جنيهات مقارنةً بما كان من المفترض أن تجنيه لو باعت اللتر بالسعر العالمي !
و هكذا، و بافتراض أنك تستخدم 40 لتراً أسبوعياً، أي 160 لتراً تقريباً شهرياً، فذاك يعني أن الموازنة العامة تدعمك بما قيمته 1600 جنيها شهرياً أو ما قيمته 19200 جنيها سنوياً ..
و لاستكمال حساباتي المتواضعة، فسأفترض أيضاً أن لديك سيارة واحدة لك و أخرى لزوجتك لتقوم بقضاء حاجياتها بها أو لتوصيل الأبناء لمدارسهم أو للنادي في حال كان الحال ميسوراً .. و ذلك يعني أن ما تتحمله الموازنة نيابة عنك هو 38400 جنيهاً سنوياً لبند دعم الوقود فقط !


و لو افترضنا جدلاً أن هناك 200 ألف أسرة فقط تنطبق عليها نفس المواصفات  فسيصبح حجم دعم الوقود الممنوح لكم  وحدكم هو 8 مليار جنيهاً مصرياً ..
و يمكنك هنا أن تضيف نفس الرقم تقريباً كدعم للكهرباء، و مثله للغاز ليتجاوز المجموع بالرغم من كل التحفظات ما قيمته 24 مليار جنيهاً سنوياً أدفعها أنا و كل دافعي الضرائب لكي تستمتع بها أنت أيها الغاضب كثير الشكوى !


قد يبدو لك الرقم كبيراً أو أني بالغت في التقدير، و لكن عليك أن تدرك أن حجم الدعم على اختلاف أنواعه في الموازنة العامة قبل تحرير سعر الصرف كان 206 ملياراً و سيقترب الآن من النصف تريليون جنيه باحتساب سعر الصرف الجديد !


نعم .. لا أنكر أن الحكومة مازال أمامها الكثير لتفعله لمحاربة الفساد و تشديد الرقابة و فرض القانون و تحصيل الضرائب من أباطرة الصناعة و إعادة هيكلة الدعم ليصل لمن يستحقونه فعلاً .. و لكن ذلك وحده لن يقضي على كل ما نمر به من عبث و فوضى اقتصادية و اجتماعية !

سينتهي كل هذا الهراء و كل ذلك العبث و ستتقدم مصر اقتصادياً و اجتماعياً و ثقافياً حين تكف أنت و أمثالك عن تلك الممارسات، و حين تتحمل أعباءك و تقرر أن تخرج من دائرة الأنانية ..

سينتهي كل هذا العبث حين يتم نسف مفهوم " الدولة الأبوية " التي تتحمل من موازنتها و من مواردها ثمن رفاهيتك و كسلك و جهلك و قلة وعيك بتداعيات ما تفعله أنت، و بتداعيات ما يحدث من حولنا في المنطقة، و ما نتأثر به من أحداث على مستوى العالم كله ..

عفواً ايها الزعيم الفيسبوكي الخالد .. الدولة الأبوية لا يمكن أن تدللك للأبد .. و أنت يجب أن تتوقف عن التصرف كطفل أخرق !