Wednesday, November 2, 2016

داخل الوعاء الزجاجي

إيهاب الشيمي


شعاع بسيط من الضوء يتسلسل عبر النافذة ليشق طريقه في ظلام غرفتك الصغيرة و يصطدم دون جلبة بأرضيتها الخشبية، ثم يتحرك في خفة متسلقاً ملاءة السرير الذي تستلقي عليه، ليشق طريقه بسرعة فوق تلال الأغطية التي يختفي جسدك تحتها ليلامس دفئه في النهاية أجفانك، و يقنعها في سهولة مدهشة أن تفارق عيناك المغمضتان، بينما تتراقص في رقة في خلفية المشهد تلك الستائر البيضاء الشفافة مع نسمات الهواء الباردة و كأنهما تحتفلان باستيقاظك لتستقبل يوم جديد.
و لم تكن السهولة التي رضخت بها أجفانك لمفارقة عينيك هي نفسها التي واجهتها أنت محاولاً أن تقنع ساقيك بأن تتحركا لتخلصاك من أسر سجن الأغطية الدافئ، و لكن مع قليل من المثابرة لم يكن أمامهما إلا أن يستسلما في النهاية لرغبتك في أن تتوجه لتلك النافذة و تغمر وجهك في ذلك الشعاع الذهبي اللامع بينما تزيح تلك الستائر لتراقص أنت نسمات الهواء الباردة بدلاً عنها.
لم تمر سوى دقائق حتى فاجئت نفسك بأنك تقفز الدرجة تلو الأخرى نزولاً على سلم منزلك لتلحق بالمقعد الأخير في عرض ذلك الصباح الخريفي الجميل في المحروسة، حيث لا ضوضاء، و لا عادم، و لا أجساد تصطدم بها من شدة الزحام، على عكس العرض التالي الذي سيبدأ خلال ساعةٍ أو أقل بحضور الملايين ممن سيندفعون في كل اتجاه لقضاء مصالحهم.
ها هو "عم إبراهيم" يلقي عليك السلام، و ها هي "أم محمد" تهرع إلى سيارتك لتمسح ما قد يكون قد تراكم عليها من ذرات الغبار و لتعيد "ماسحات المطر" مجدداً إلى مكانها، في حين يقطع هدوء العرض صراخ ذلك الطفل في مدخل الروضة المواجهة لمنزلك، بينما تستطيع ان تسمع كلمات أمه و هي تحاول إقناعه بابتسامة حانية أنه سيجد بالداخل كل ما يسره، و أنها لن تتأخر سوى دقائق معدودة ..
تتجاوز ذلك المشهد في عجالةٍ و كأنك قد تذكرت فجأة تلال الأوراق التي تنتظرك منذ البارحة على مكتبك، لتخرج مفاتيح السيارة من جيبك بيد بينما تمنح "أم محمد" باليد الاخرى ما جادت به نفسك اليوم "من اللي فيه القسمة"، لتطلق هي العنان لدعواتها لك بالسلامة و سعة الرزق و أن يرزقك الله ببنت الحلال.
و بينما تلقي بجسدك على المقعد الأمامي ممسكاً بمقود السيارة مستمتعاً بالدقائق الأخيرة في ذلك العرض، ترى في أقصى المشهد و في نهاية الشارع طابور من السيارات المصفحة و عربات جنود مكافحة الشغب، الذي يبدو أن الجميع في الشارع قد اعتادوا رؤيته في الفترة الأخيرة، و قد اندفع ليقطع رومانسية العرض مقترباً منك في سرعة..
و بينما تهم بتشغيل المحرك يدوي فجأة صوت انفجار هائل  !!
و على الفور تشعر و كأن هناك من ضغط على زر تشغيل العرض بالحركة البطيئة، بينما ينتابك ذلك الشعور الغريب، و المخيف في الوقت ذاته، أن جسدك يسقط داخل وعاء زجاجي ضخم مملوء بالمياه لترى صورة مشوشة من داخله لكل ما يجري حولك، بينما عيناك تتنقل ببطء بين وجوه كل من في المشهد و هم ينظرون بهلع إلى إلى مصدر ذلك الصوت الهادر ..
الأصوات داخل الوعاء الزجاجي كلها مختلطة في صدى مخيف و كأنها لم تعبر من خلال أذنيك بل عبرت مباشرة إلى داخل دماغك
كل شئ مشوش.. الوجوه .. الأصوات .. بل حتى ألوان الأشياء .. لا يمكنك تمييز كلمة بعينها مما تسمعه .. كل ما يمكنك تمييزه هو صراخ الجميع بينما تتحطم كل الأشياء لتتناثر شظاياها في جنبات المشهد مخترقة أجساد الجميع..
و بنفس السرعة و دون أن تتدخل في أي قرارات يتخذها دماغك، يقرر هو فجأة إيقاف عمل زر تشغيل الحركة البطيئة، لتتمكن من السعال بشدة لطرد رائحة الدخان اﻷسود الذي سرعان ما اكتشفت أنه يملأ رئتيك..
نعم .. ها أنت ذا تستجمع قواك ..
نعم .. ها أنت ذا تخرج من ذلك الوعاء لتعيد نفسك للواقع من جديد ..
يمكنك بالكاد، بعد أن تمكنت من فتح إحدى عينيك، أن ترى الجميع يفرون بأرواحهم بعيداً عن الخطر ..
الجميع يركض هاربا بينما تخضبت ملابسهم و أجسادهم بحبات العرق و قطرات دماء جراحهم ..
نعم .. الجميع يفرون بأرواحهم، حتى أولئك الذين خرجوا في سياراتهم المصفحة لحماية الوطن من غدر العملاء ..
إلا هي ..
هي وحدها تركض في الاتجاه المعاكس..
هي وحدها تجري في اتجاه الخطر ..
هي وحدها من يمكنك أن تفهم ما تصرخ به وسط كل تلك الفوضى..
"سيبوني .. سيبوني .. ابني في الحضانة اللي هناك .."
"ابني في الحضانة اللي هناك .."
"ابني في الحضانة .."
"ابني .."
"ابني .."
لا ..
أنت لا تريد أن ترى نهاية ذلك المشهد
أنت لا تريد أن تعرف إجابات كل تلك الأسئلة التي تدور برأسك..
هل ستجف دموعها التي تنهمر من عينيها الحمراوتين كالجمر حتى تكاد تزيد من استعار نيران الانفجار، أم أنها ستظل تجري بالدموع دون انقطاع ؟
هل ستظل كلماتها المنتحبة تتردد في أذنيك للأبد، مفجرة غضبا لم تعهده من قبل، أم  أنها ستكون مجرد ذكرى تقصها على وليدها حين يكبر إذا كتب الله له النجاة ؟
ها هي هناك .. مازالت تجري نحو النيران و كلماتها تتردد بلا توقف ..
و من جديد و في غضون لحظات، يبدو و كأن دماغك قرر مرة أخرى التحكم بزمام اﻷمور رغما عنك..
ها هو يخفض تدريجيا صوت العرض ..
ها هو يحاول جاهداً و في غريزية مطلقة أن يدفعك بعيداً عن المشهد برمته ..
اﻵن فقط يمكنك تنشق بعض الهواء بينما وجدت نفسك مرتميا بجانب سيارتك على حافة الرصيف وسط مجموعة من الغرباء ممن يحاولون مساعدتك بينما يصرخون:  " إسعاف .. إسعاف .. حد يكلم الإسعاف .."
ها هو المشهد داخل عقلك يصبح أكثر وضوحا شيئاً فشيئاً .. أو هكذا توهمت !
فالمشهد اﻵن لم يعد أكثر وضوحاً، بل أكثر إيلاماً من تلك الشظايا التي بدأت تشعر بوخزاتها في كل أنحاء جسدك ..
المشهد اﻵن لم يعد إلا أكثر بعداً عن وطنك الذي ألفت فيه السلام و الأمن و التسامح ..
المشهد اﻵن لم يعد إلا أكثر قسوة من قلوب هؤلاء الذين ظننت أنهم استنفذوا كل مخزون البشرية من القسوة و العنف و الكراهية بعد أن فقدوا السلطة، و ضاع منهم حلم الخلافة.
ما أود منك أن تتيقن منه هنا هو أن العرض التالي بالتأكيد هو رهن بقرارك أنت وحدك..
فإما أن تستسلم لجراحك تاركاً وطنك لخفافيش الظلام و تسقط مرة اخرى داخل ذلك الوعاء..
 أو أن يكون قرارك هو عدم الرضوخ لكل ذلك الإرهاب، و كل ذلك الرعب الذي يريدون أن يزرعوه داخل قلوب الجميع، و أن تؤمن أننا بوحدتنا، و تقبلنا لاختلافنا في رؤية مصلحة الوطن، و بنقدنا لعيوبنا دون مزايدة او تجريح، قادرون على هزيمة إرهابهم و تجاوز هذه الأوقات العصيبة من عمر الوطن لكي نمنح تلك الأم، و ملايين الأمهات الأخريات، فرصة أخرى لكي ترى وليدها الذي تركته في الروضة سالماً مرة أخرى، و لكي تعلمه كم هي مصر جديرة بحبنا لها، و كم هو مقدس ترابها الذي نحيا فوقه، و كم هو عظيم شعبها الذي طالما كان على قدر التحديات ليخرج من محنة بعد الأخرى أفضل تلاحماً، و أعمق وعياً، و أشد قوةً، و أكثر إيماناً بأن مصر حتماً .. ستنتصر.
حمى الله مصر و شعبها.