Saturday, September 24, 2016

رشيد .. الحلم و المأساة و الغضب !

إيهاب الشيمي

رغم اقتناعي أن غرق كل تلك الأرواح البريئة هو نتيجة لقرارها الخاطئ و الكارثي بالهجرة غير الشرعية نحو المجهول و نحو قارة لن تقدم لهم دولها سوي الاحتجاز في كانتونات تتعرض لهجمات أتباع اليمين المتطرف، أو لحملات السلطات المختصة لإعادة معظمهم إلى دولهم مرة أخرى، إلا أن الأمر لا يحتمل إسقاط التهم عن الحكومة و إلصاق الأمر كله بالضحايا أو بمن فقدوا ما تبقى من آدميتهم من تجار البشر و أباطرة الهجرة غير الشرعية ..

 و لا استثني من الحكومة هنا مسؤولا واحداً .. بدايةً من رئيسها الذي تغاضى عن حث البرلمان على إقرار قانون تغليظ العقوبة على تجارة البشر و الهجرة غير الشرعية و اهتم فقط بتمرير حزمة القوانين الاقتصادية التي تتيح له الحصول على تسهيلات ائتمانية دولية و اقليمية .. !

و لا بمجلسها بكامل أعضائه الذين تجاهلوا عقد اجتماع للتحقيق في الحادث حتى بعد مرور اكثر من 96 ساعة على وقوعه و كأن أكثر من ثلاثمائة روح مصرية لا تستحق عناء اجتماع هؤلاء من أجلهم .. !

و لا وزير داخليتها الذي فشل في تطوير قدرات أجهزته الأمنية ليمكنها محاصرة و تعقب المهاجرين الأفارقة و المهربين المحليين، و فشل بصورة أكبر في محاصرة الفساد داخل وزارته ليمنع استمرار هؤلاء في أنشطتهم الاجرامية نتيجة حماية بعض كبار الضباط لهم مقابل مبالغ و امتيازات لا يمكن إنكارها .. !

 و لا وزير نقلها الذي استشرى الفساد في وزارته و ضربت الفوضى كل ركن فيها بحيث أصبح من شلطة موظف صغير فاسد في هيئة موانئ رشيد أن يصدر تصاريح وهمية لمثل ذلك المركب بغرض الصيد بينما الحقيقة أن مالك المركب أجرها لمافيا التهريب و الهجرة .. !

و لن أستثني أيضاً خفر السواحل الذي لم تستطع دورياته كشف وجود المركب لمدة يومين بعرض البحر في انتظار زبائنه دون أن يلفت ذلك انتباه ضباطه و جنوده لأسباب تثير الكثير من التساؤلات حول كفاءة هذه القوات في مراقبة حدودنا و سواحلنا من الأساس .. !

و مروراً بوزراء العمل و الاستثمار الذين حصروا جهودهم في خلق فرص العمل و منح التسهيلات للمستثمرين على محافظات بعينها بينما لا يرى شباب المحافظات الأخرى أي بصيص من النور لتحسن أحوالهم المعيشية و الاقتصادية في المستقبل القريب  ..!

و كذلك تلك المنظومة الإعلامية الحكومية الفاشلة التي لم تستطع كبح جماح تلك الأحلام الواهية التي حركت تلك الموجات المتعاقبة من المهاجرين غير الشرعيين ببيان المخاطر التي تحيق بهم، و كيفية استغلال تجار الهجرة لطموحاتهم و امانيهم، بل و كشف أكذوبة المستقبل المشرق الذي ينتظرهم على سواحل جنوب أوروبا إن حالفهم الحظ و استطاعوا الوصول إليها من الأساس !

بقي لي في النهاية قبل أن أطلق سراحك من زنزانة اليأس و الألم و المرارة التي حبستك فيها من خلال قراءة هذه السطور .. أن أنقل إليك إحساسي بالغضب و الاحتقار الشديدين تجاه أولئك المشوهين نفسياً الذين أصدروا قراراً بوضع القيود في أيدي الجرحى ممن تم إنقاذهم و نقلهم إلى المستشفيات، ليتم في النهاية ربطهم بالأسرة التي يرقدون عليها في مشهد لم نعهده حتى في التعامل مع أسرى الحروب، و كأننا لا نستطيع مجرد التظاهر أمام العالم بأننا نحترم الحد الأدنى  من حقوق الإنسان، و كأنه لا يكفي هؤلاء ما واجهوه من معاناة، و لا تشفع لهم تلك الصدمة التي يعانونها نتيجة فقد احبائهم ممن ظنوا أنهم سيعبروا بهم البحر نحو مستقبل افضل !

رحم الله من رحل، و أنعم بالشفاء على من نجا .. !

و ألهم من فقدوا أحبتهم الصبر و القدرة على احتمال آلام الفراق .. !

و منحنا جميعاً الإيمان من جديد أن هذه الأرض ستمنح يوماً لأبنائها ما يجعل غيرهم يعبر البحر أملاً في الحصول على ما لديهم، بدلاً من أن يعبروه هم إلى المجهول هرباً من المجهول أيضاً !