Saturday, September 3, 2016

مصر .. بين إدارة الفقر و تنمية الموارد !




 إيهاب الشيمي

لا يستطيع أحد ممن يقرأون هذه السطور أن ينكر أن معظم الأحاديث الخاصة بين أفراد الأسرة في البيوت المصرية، أو بين الأصدقاء على المقاهي، أو بين العمال في فترات الراحة في المصانع، بل و بين من جمعهم القدر على غير ميعاد دون سابق معرفة في وسائل المواصلات تدور الآن عن ارتفاع أسعار السلع و الخدمات يوماً بعد الآخر و كأن هناك سباقاً محموماً فيما بينها للوصول لقمة الجبل التي لا يستطيع أحد من هؤلاء حين يصل إليها أن يجد في جيوبه ما يمكن أن يكفيه للحصول عليها !

 و لن أخفيكم سراً حين أقول أن تلك الأحاديث لا تدور في فلك الطبقات الفقيرة و الأكثر فقراً ممن دأبت الحكومات المتعاقبة على وصفهم بمحدوي الدخل الذين يجب أن يحظوا بالقدر الأوفر من الرعاية و الدعم، بل إن الأمر تخطى هؤلاء ليطال الطبقات المتوسطة و المرتفعة الدخل نسبياً ليهدد جودة الحياة التي اعتادوا عليها أو التي حرصوا على أن يوفروها لأبنائهم من جودة التعليم و العلاج و الغذاء.

و لن أخوض هنا في تفاصيل المعاناة النفسية و المالية التي يعانيها كل فرد من هؤلاء، فالتفاصيل ليست بالأمر المهم طالما ظلت الخطوط العريضة و تأثيراتها و تبعاتها تقترب من التطابق لديهم جميعاً، و الأمر بكل همومه يطال الجميع و منهم كاتب هذه السطور. و لكن ما يهمني هنا هو تلك التفصيلة الثابتة في كل هذه الأحاديث، و التي تتمثل في استغلال كل من يريد العبث باستقرار مصر ممن ينتمون للإخوان المسلمين تنظيمياً أو أيديولوجياً، أو يعارضون ثورة الثلاثين من يونيو سياسياً، أو كارهي المؤسسة العسكرية المصرية، و بالطبع المتعاطفين مع نظامي مبارك و مرسي لهذا الاحتقان و السخط الشعبي.

و يمكنك عزيزي القارئ أن ترى علامات ذلك الاستغلال من خلال عدة جمل نمطية يكررها كل هؤلاء مثل: " شفت السيسي عمل إيه في البلد ؟ الناس خلاص مش لاقية تاكل " ..  و " الجيش خلاص خربها !" .. و " ما كانش عاجبكم أيام مرسي لما كان الدولار بستة جنيه ! اشربوا بقى دولار السيسي أبو 12 جنيه " .. و أيضاً " فين أيام مبارك لما كانت العشرين جنيه بتكفي الواحد أسبوع !"

لا أستطيع أن أمنع نفسي من الابتسام بخبث هنا، فأنا أعلم أن الكثيرين ممن ينتمون لهؤلاء قد امتنعوا الآن عن استكمال قراءة مقالي هذا .. و لكني سأكتفي بك وحدك عزيزي القارئ لأطلعك على بعض الخطوط العريضة لأسباب ما تمر به البلاد الآن !
فأسباب ارتفاع الأسعار يمكن حصرها في رأيي المتواضع في ثلاثة أسباب رئيسية :
.. جشع التجار و غياب الرقابة الحكومية
.. التقليص التدريجي لدعم الوقود و الطاقة و زيادة الرسوم على الواردات
.. انخفاض قيمة العملة المحلية و تراجع احتياطي النقد الأجنبي

و لن أخوض في تفاصيل النقطة الأولى لأنها ببساطة لا تخفى عليك، فأنت غالباً تعرف هؤلاء التجار شخصياً، كما أنك تطالع وجوه رئيس و أعضاء الحكومة يومياً على شاشات التليفزيون و في صدر صفحات الجرائد و تبتسم في سخرية كلما استمعت لقراراتهم حول تشديد االرقابة و استحداث العقوبات بالتنسيق مع الغرف التجارية المختلفة، تلك القرارات التي تعلم جيداً أن مصيرها هو أدراج أرشيف الوزارة لتعلوها الأتربة حتى يلتهمها حريق مجهول الأسباب في النهاية !

و لكني سأركز هنا على النقطتين الأخرتين و سأبدأ بتأثير الدعم على ارتفاع السعار و غلاء المعيشة ..
فلو أنك ممن تجاوزوا الثلاثين من العمر فسيمكنك بسهولة أن تسترجع تلك الصورة المثيرة للسخرية التي كنا نشاهدها على شاشة التليفزيون الرسمي في عيد العمال، حين كان يصرخ أحد القابعين في الصفوف الخلفية هاتفاً: " المنحة يا ريس" .. ثم يرد آخر من الجهة المقابلة: " العلاوة يا ريس" و هنا يبتسم ذلك الأخير موجهاً كلامه لرئيس الحكومة قائلاً: " عايزينك تزود العلاوة حبتين السنة دي .. قول للحكومة تفك الكيس شوية !"  لينفجر الجميع في الضحك ثم يتعالى التصفيق و الهتاف بحياة الرئيس !
ذلك المشهد الذي يبدو في ظاهره انحياز الرئيس للطبقة الكادحة و محدودي الدخل، بينما في الحقيقة يبطن في طياته أسباب الواقع الأليم الذي نعيشه الان جميعاً !

فنظام مبارك خدع الجميع ببقاء الأسعار عند مستويات ثابتة تقريباً، أو دعني أكون أكثر تحديداً بقولي أنه أبقاها عند مستويات تمكنه من تجنب الغضب الشعبي لأكبر فترة ممكنة.
فلقد اعتمد مبارك على الزيادة المستمرة للأجور عاماً بعد الاخر، و الإعلان عن وظائف حكومية لا حاجة لها سنوياً، و توفير مخصصات هائلة لدعم مشتقات الوقود من الغاز و المازوت و البنزين و كذلك دعم الكهرباء و هو ما مثل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة.
و ما زاد الطين بلة، أن ما تكلفته الدولة هنا لم يتم توجيهه إلى مستحقيه، بل استفاد منه أباطرة صناعة الحديد و الإسمنت و السيراميك الذين حصلوا على الوقود و الطاقة بالسعر المدعوم بينما باعوا منتجاتهم بالأسعار العالمية ليحتفظوا بالفارق في خزائنهم، و ليزيد نفوذهم، و يزيد بالتالي نفوذ و سطوة الحزب الحاكم الذي مثلوا رموزه و قياداته العليا !

و هكذا يمكنك بسهولة عزيزي القارئ تبين الحقيقة المؤلمة، و الإجابة عن السؤال الأكثر إثارة للحيرة بين الجميع: " هو مبارك كان مدورها إزاي ؟!" .. فالرجل لم يفعل شيئاً سوى توجيه معظم بنود النفقات في الموازنة العامة نحو تخدير الشعب و ضمان تجنب سخطه و غضبه و ذلك بالعمل على الزيادة الدورية للأجور، و خلق فرص عمل وهمية لا تساهم بأي شكل في زيادة الانتاجية، و العمل كذلك على زيادة الدعم الذي يلتهمه في النهاية رجاله المقربين أو من يشبهونهم من "حيتان السوق" كما يحب البعض أن يطلق عليهم، ممن أدمنوا التحايل على القانون لتمرير الدعم لصالحهم كما حدث مؤخراً في قضية صوامع القمح، و هو ما يفعله مئات غيرهم في سلع و مواد أخرى ، بدايةً من المواد التموينية، و نهايةً بلبن الأطفال الذي يستولي عليه موزعي الأدوية بالسعر المدعم ليبيعوه بأضعاف ذلك السعر في الصيدليات الأهلية !

و يمكنك أيضاً أن تكتشف كيف أن عشرات المليارات المهدرة كان يمكنها أن تنشئ بنية تحتية ضخمة تشمل محطات لتوليد الكهرباء، و شبكات طرق، و موانئ ضخمة، تسهم في فتح آفاق جديدة للاستثمار في مصر، و تعمل على خلق وظائف و فرص عمل حقيقية للجميع تضاعف من الناتج القومي، تجذب المزيد من المستثمرين الرئيسيين من أطراف العالم، و تزيد من موارد العملة الصعبة، و ترفع بالتالي من قيمة احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي .. و لكنه للأسف ما لم يحدث على الإطلاق، و هو ما نحاول الآن أن نتداركه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه !

و كنتيجة لكل ذلك الفساد، و تلك الإدارة الفوضوية لموارد و اقتصاد البلاد، و غياب بنية تحتية حقيقية تسمح بإنشاء قاعدة صناعية تتيح لنا التصدير و الاحتفاظ بقيمة مقبولة و عادلة للعملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، ظلت مصر رهينة الاعتماد على السياحة و قناة السويس كمصدرين أساسيين للنقد الأجنبي، بالإضافة بالطبع لتحويلات المصريين العاملين بالخارج. و أصبح من السهل على أية قوة خارجية تريد العبث باستقرار مصر الاقتصادي و الاجتماعي أن تصل لمبتغاها بتمويل تنظيمات إرهابية و مؤسسات سياسية و مجتمعية تنفذ مخططاتها، بل و افتعال حوادث و اتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر تقوض من قدرتها الاقتصادية و التنافسية.

و لكي أبسط لك الأمور، فقيمة العملة الوطنية و قوتها و ثباتها تعتمد بشكل أساسي على الطلب على هذه العملة، أو بمعنى آخر على المنتجات و الخدمات التي توفرها الدولة التي تتعامل بهذه العملة للأسواق العالمية، فالأمر يشبه تماماً السلعة المعروضة في الأسواق، فإذا كان الطلب عليها ثابتاً و متزايداً، احتفظت بقيمتها النسبية أمام السلع الأخرى، و إذا لم يكن لها حاجة، تدهورت قيمتها بشكل متسارع. و طالما لا نستطيع لأسباب عدة أن نقدم للعالم ما يحتاجه، فلا تنتظر في المقابل إلا أن تتراجع قيمة عملتك المحلية.

و تبسيطاً للأمور أيضاً، فدعنا نفترض أن احتياطي النقد الأجنبي موضوع بصندوق مقسم لجزئين رئيسيين، جزء لا يمكن المساس به و هو الخاص بسداد أقساط الديون الخارجية المستحقة للدائنين، و جزء آخر يتم استخدامه لسد الطلب على النقد الأجنبي سواء من جانب الحكومة لتوفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الأساسية، أو للبنوك العاملة في مصر التي تقوم بدورها بتوفيره للمستثمرين و المستوردين في صورة ضمانات أو تحويلات تمكنهم من إتمام صفقاتهم التجارية و الصناعية اللازمة لدفع عجلة الاقتصاد، و بالطبع للأفراد العاديين الذين يحتاجون للنقد الأجنبي أثناء سفرهم خارج البلاد للعمل أو للسياحة أو حتى لأداء شعائرهم الدينية.

و تخيل معي عزيزي القارئ أن ذلك الصندوق لا يتم تزويده بأي مبالغ تعويضاً عن تلك التي تتناقص تدريجياً من الجزء الأول المخصص لأقساط الديون الخارجية، كما أنه و في إطار غياب مناخ إستثماري حقيقي نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطوط عريضة له، و فشل محافظي البنك المركزي في وضع سياسات تضمن مصالح المستثمرين، و تحفز الآخرين على الدخول في السوق المصرية، فإن  تراجع الصادرات و ما يرافقها من تراجع الدخل السياحي، و تراجع حركة الاقتصاد العالمية و بالتالي حجم الحركة في قناة السويس، تعمل جميعاً على أن يتناقص الجزء الآخر بسرعة شديدة دون أمل قريب في التعويض، خاصةً في ظل توجيه جزء كبير منه لسلع استهلاكية مثل الهواتف المحمولة و السيارات الفارهة و الأجهزة الاليكترونية التي مازال المصريون يصرون على اقتناء الأحدث منها، و ليذهب الاحتياطي النقدي إلى الجحيم !

و يمكنك أيضاً هنا استنتاج سبب تجاوز فارق السعر بين السعر الرسمي و غير الرسمي للدولار لأكثر من 50%، فالبنك المركزي سيضطر حتماً أن يعوض تناقص الجزء الأول من الجزء الثاني من الصندوق، و مع تناقص المتوافر بالجزء الثاني بشكل متسارع، فلن يمكن للبنك المركزي إعطاء القدر الكافي من العملة الأجنبية للبنوك المحلية، و بالتالي لا يمكن للمستفيدين من الجزء الثاني من الصندوق الحصول على احتياجاتهم لاستمرار أعمالهم، و هو ما سيدفعهم للبحث عن النقد الأجنبي في " السوق السوداء"، و التي يستغل تجارها الأمر لفرض ما يريدون من فارق في السعر.

و هكذا يمكنك أيضاً عزيزي القارئ أن تتوقع أن الأمر في النهاية سيصل بنا إلى فراغ الصندوق تماماً لنجد أنفسنا عاجزين عن سداد التزاماتنا الدولية، و عاجزين أيضاً عن استيراد السلع الأساسية و مستلزمات الإنتاج لينهار كل شئ !

و بالتالي أصبح من الحتمي على الحكومة البحث عن مصدر يعوض و بشكل سريع ذلك التناقص الكارثي في احتياطيات النقد الأجنبي، و للأسف فإن ذلك الحل لم يكن سوى العودة للاقتراض من صندوق النقد  الدولي و المؤسسات المالية الإقليمية مثل البنك الإفريقي، أو من خلال طرح سندات خزانة دولارية متوسطة الأجل.
و لن أخوض في جدلية صلاحية ذلك الحل من عدمه، أو في حقيقة فرض صندوق النقد الدولي شروطاً لضمان قدرة الحكومة على السداد للدول الأعضاء من عدمه أيضاً، فالأمر لن يقدم أو يؤخر طالما انتهت المفاوضات و تقرر الحصول على القرض ..

و لن أدعي أيضاً كوني خبيراً استراتيجياً إقتصادياً كأولئك الذين يطالعونا على شاشات الفضائيات، و لكني سأوجز هنا ما اتفق عليه معظم الخبراء في هذا الشأن، فالحكومة مطالبة بتنفيذ الإجراءات الاقتصادية التالية لضمان قدرتها على سداد القرض لصندوق النقد الدولي، و بالتالي موافقة مجلسه التنفيذي على منحها ذلك القرض:
•  خفض فاتورة أجور موظفي الحكومة إلى 7,5% من الناتج المحلي وذلك من خلال التطبيق الصحيح لقانون الخدمة المدنية
•  زيادة مساهمة ضريبة الشركات والمبيعات إلى 6,7% من الناتج المحلي بحلول عام 2018، وذلك من خلال تطبيق قانون القيمة المضافة
•  خفض دعم الطاقة من 6,6% إلى 3,3% من خلال :
زيادة متوسط تعريفة الكهرباء
تفعيل قانون الكهرباء والطاقة بحلول عام 2018
تحقيق فائض في الطاقة الكهربائية قدره 1000 ميجاوات خلال 3 سنوات.
زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الطاقة المتجددة إلى 1500 ميجاوات نهاية 2018
•  تخفيض تعريفة المرور لجذب الناقلات العملاقة و الاستفادة من تطوير المجرى الملاحي لقناة السويس
•  شراء الذهب  لتعظيم موارد البنك المركزي لمواجهة عدم استقرار الدولار

و لكن ما أود أن أؤكد عليه هنا، هو أن ذلك القرض لن يكون سوى دين جديد نضعه فوق أكتاف الأجيال القادمة، و أن كل تلك الإجراءات الاقتصادية لن تكون سوى حزمة جديدة من الأعباء على كاهل الأجيال الحالية، ما لم تلتزم الحكومة و من قبلها الرئيس الذي قام باختيارها و البرلمان الذي منحها الثقة بفرض إجراءات إصلاحية إدارية و تشريعية و تنفيذية تستهدف الفساد داخل أروقة الحكومة بشكل أساسي، جنباً إلى جنب مع الإجراءات الاقتصادية التقشفية و إعادة هيكلة الدعم، فلا يمكن أن يكون الشعب دائماً هو ضحية محاولات انقاذ الاقتصاد.
و لا بد أن تشمل هذه الإجراءات ما يلي:
•  أن تلعب القيادة السياسية دورا حاسما فى مكافحة الفساد، وضمان اتخاذ إجراءات مناسبة عند الحاجة
•  تعزيز الشفافية واعتماد معايير دولية فى الشفافية الضريبية والمالية.
•  تعزيز سيادة القانون والملاحقة القانونية الفعالة، وتعيين مؤسسات متخصصة لمواجهة الفساد مع إطار فعال لمكافحة غسل الأموال للحد من عائدات الفساد.
•  تنظيم وتبسيط اختصاصات الموظفين العموميين و الحد من سلطاتهم التقديرية التي تمكنهم من تجاوز القانون و طلب الرشى و تعطيل تدفق الاستثمارات.
•  وضع إطار مؤسسى لمنع الاحتكار.
•  وضع حوافر مناسبة للسلوك الجيد و ضمان أجور وإجراءات فعالة تضمن عدم مساواة العاطل بالباطل، و تحفز الجميع على الأداء من أجل مصلحة الوطن.

و طالما التزمت الحكومة و الرئيس و البرلمان بكافة جوانب الإصلاح الاقتصادي و التشريعي و التنفيذي و ليس فقط بفرض المزيد من الضرائب و تقليص الدعم، و فرض المزيد من القيود الحمقاء على التعامل في النقد الأجنبي، فلن يكون لدي من خيار سوى تأييدهم جميعاً .. و حتى يتحقق ذلك الأمر فسأبقى في جانب المنتقدين طالما ظل القائمين على الأمور لا يملكون من الخبرات سوى تلك التي تعمل على أدارة الفقر، بدلاً من الواجب توافرها و التي تعلم كيفية استغلال الإمكانيات المحدودة حالياً لتنمية الموارد اللامحدودة لهذا الوطن العظيم من أجل مستقبل أفضل لكل المصريين.