Friday, June 22, 2018

مصر و آيسلندا .. بين فساد المقارنة و فساد الادارة !



إيهاب الشيمي :

تابعت بمزيد من الأسف و السخرية في الوقت ذاته ما تم تداوله من نقاشات ساخنة حول كيفية وصول منتخب آيسلندا إلى كأس العالم بلاعبين غير محترفين و بعدد سكان لا يتعدى 350 ألف نسمة ..

و تابعت كيف استمرت تلك النقاشات لتصل لنقطة يحاول فيها من يثيرها زرع فكرة معينة داخل عقول المتابعين مفادها أن هؤلاء وصلوا لكأس العالم لأنهم فضلوا الانتاج و العلم و الفن على الكرة و لم يمنحوا الرياضة ذلك الاهتمام الذي نمنحها نحن إياه و لذلك فاللاعبين يمتهنون مهناً غير كرة القدم ، فمنهم الطبيب و منهم المخرج و منهم المحامي، ثم يمتد الهدف من تلك النقاشات ليشمل كيف أن هؤلاء استطاعوا اختيار منتخب يقارع الكبار من بين ذلك العدد القليل جداً من السكان و كيف أصبحوا ضمن الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً بينما فشلنا نحن في الاختيار من بين 100 مليون مصري ليسوا سوى تركة ثقيلة يجب التخلص منها أو الهروب منها !

ما استطعت استخلاصه هو أن أهداف ذلك الطرح، و إن كانت منطقية في ظاهرها، إلا أنها بصورة خفية تصب في الرغبة في زرع فكرة وجوب التخلى عن الاهتمام بالرياضة كهدف للشباب المصري و كسلاح من أسلحة الامن القومي و دعامة أساسية للنمو البشري و أن نتقبل ضمنياً فكرة تفوق العرق الأبيض و الأوروبي تحت ذريعة أن عشرات الملايين منا لا تساوي بضعة آلاف منهم من حيث القيمة و الانتاجية !

و لكل من ساهم في هذه الحلقات النقاشية بحسن نية أو لتنفيس غضب أو لنشر روح الإحباط و اليأس من إمكانية هذا الوطن على التقدم، أحب أن أوضح أمرين :

الأمر الأول .. هو أن لاعبي آيسلندا "جميعاً" هم لاعبون محترفون في الدوريات الأوروبية المختلفة و ليسوا مجموعة من الهواة ممن وصلوا إلى كأس العالم بالصدفة كما تدعي أنت !

آيسلندا وصلت لما وصلت إليه ليس بالصدفة و الهواية كما تدعون و لكن لأن لديها اتحاد كرة يديره محترفون و متخصصون في الإدارة الرياضية و الطب الرياضي و التسويق الرياضي و يعترفون بالرياضة كعلم و مصدر للدخل القومي و أداة للتنمية البشرية و ليس مجرد وسيلة للإلهاء و المنفعة الشخصية لحفنة من الفاسدين و أنصاف المتعلمين كما هو الحال لدينا !

الأمر الثاني .. هو بالتأكيد فساد المنطق و الاستدلال حول ارتباط عدد السكان بالناتج القومي او بنوعية و جودة الخيارات المتاحة في مجال معين .. فلو أن الأمر كذلك لحصلت الصين على كأس العالم دون غيرها من الدول في كل مرة، و لكانت الهند هي ضمن كبار الدول التي تمتلك اكبر ناتج محلي في المجرة و ليس في كوكب الارض فقط بسبب تعداد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة !

ببساطة .. 
آيسلندا ذات معدل نمو اقتصادي متميز لأنه ليس لديها ما يجعل الآخرين يسعون لوقف هذا النمو بل و السعي الدائم لتدمير اقتصادهم و تحجيم قدراتهم كما يحدث مع مصر منذ خمسينيات القرن الماضي ..
آيسلندا ذات معدل نمو اقتصادي متميز لأنه ليس لديها من يدفع ملايبن الجنيهات من عائدات وظيفته و عمله في بضع أحجار و كتل أسمنتية وسط الصحراء بحجة ان ذلك نوع من الاستثمار العقاري بينما هو مجرد تجميد لثروات الوطن و تحجيم لقدرتنا على خلق فرص عمل جديدة من الاستثمار في مجالات إنتاجية زراعية و صناعية
آيسلندا ذات معدل نمو اقتصادي متميز لأنه ليس لديها من يسعى نتيجة موروثات ثقافية عفنة لزيادة عدد السكان و التباهي بفحولته و كثرة ذريته دون التفكير في الإضافة التي يمكن أن تقدمها هذه الذرية له و لمجتمعه !
و الأهم من كل ذلك .. آيسلندا ذات معدل نمو اقتصادي متميز لأن لديها شعب قرر المشاركة في صنع القرار و اختيار ممثليه و اختيار حكومة تدرك كل التحديات و تضع قائمة عادلة و رشيدة للأولويات .. شعب لم يكتف فقط بالمشاهدة و الإغراق في النواح أو الافراط في البهجة دون تأثير يذكر على صناعة القرار !

ببساطة .. هم ليسوا كائنات فضائية أو عرق افضل، بل نحن من نمتلك كل شيء و لكننا ندمن الإعجاب بالآخرين و التقليل من شأن أنفسنا دون السعي لرؤية ما يجب أن نفعله لاستغلال ما نمتلكه، و دون علاج الأخطاء التي حالت دون تحقيق النجاح المفترض حدوثه لمن يمتلك كل تلك القدرات البشرية و ذلك القدر اللامحدود من الموارد و الإمكانات الطبيعية و التاريخية و الثقافية..
 نحن من نتكاسل عن المشاركة و نحن من نتغاضى عن حساب من أخطأوا بحجج ساذجة مثل التسامح و الشفقة و الرحمة و ضرورة النظر للمستقبل بدلاً من مراجعة أوراق الماضي .. !
و الأهم و هو أننا نغفل دائماً عن وضع معايير المقارنة العادلة بين ظروفنا السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و ظروف من نرى أنهم دوماً الأفضل !

عفواً يا سادة .. الحل هو أن نتمكن نحن من إدراك قيمتنا و أن نشارك بفاعلية في صنع القرار، و أن تمتلك السلطة الحاكمة الرغبة قبل القدرة على توفير الإدارة الجيدة للبشر و الموارد بدءاً من معلمي رياض الأطفال و مروراً بمسؤولي اتحاد الكرة و انتهاءاً برئاسة الحكومة، و أن نتوقف جميعاً عن التعظيم من شأن الآخرين مقابل الاستهانة بقيمتنا البشرية و الإنسانية لصالح من يريدون بقائنا في القاع !

حين نفعل ذلك .. سيمكننا الفوز بكل شيئ .. حتى كأس العالم !

No comments:

Post a Comment