Friday, December 11, 2015

الجانب الآخر من المرآة !

إيهاب الشيمي
 
يقتلني في كل لحظة المجهود الخارق الذي أبذله لكي أخفي ذلك الإحساس العميق بأن كل ما فعلته و أفعله يذهب أدراج الرياح !
 
ترهقني تلك المقاومة الرهيبة لرغبتي المتزايدة يوماً بعد الآخر في الإنفصال عن كل ما حولي و التقوقع حول نفسي التي غير ملامحها في السنوات الأخيرة الكثير من مشاعر الألم، و الأمل، و المهانة، و الثورة، و الصدمة، و الغضب.
 
يؤلمني ذلك الشعور المقيت الذي ينتابني و أنا أرى الجميع يتحركون على الجانب الآخر من المرآه بينما أتشبث أنا بالأمل أن يلحظ أحدهم وجودي على هذا الجانب، أو أن يعبر صراخي ذلك السطح الأملس البارد للمرآة ليخترق مسامعهم و يسرعوا بمد أيديهم لإنقاذي قبل أن أسقط في هوة يأسي أن يروا شيئاً غير انفسهم و قناعاتهم و رؤيتهم الخاصة لمستقبل الوطن.
 
نعم، يمكنني أن أراهم يبتسمون على الجانب الآخر .. ها هم يتسامرون على ذلك الشاطئ الرملي الذي حالما وصلوا إليه و توهموا أنه يمنحهم الأمان، بينما لا يلحظ أحد منهم ذلك الجدار المائي الضخم الذي يتحرك نحوهم من جديد تحت جنح الظلام ليجتاح في طريقه كل شيئ و ليحطم كل ما يصطدم به .. حتى جدار المرآة الزجاجي السميك الذي يفصل بيني و بينهم، و الذي ميز الفشل كل محاولاتي لتسلقه ، و كل مجهوداتي لمجرد شرخه.
 
رفيقي الوحيد على هذا الجانب هو ذلك الصوت الكريه الخافت الذي يمر عبر رأسي كل آونة و أخرى هامساً لي أنهم لا يستحقون كل ذلك العناء، و كل ذلك الذي أكنه لهم من حب، و كل ما اختلقت لهم من أعذار تبرر غفلتهم عن كل تلك الأخطار المحدقة بهم، و كل تلك الأحلام التي طالما تمنيت أن تتحقق لهم و لأبنائهم، فهم أول من كفر بكل ما أؤمن به من قيم الديمقراطية، و رفض الإقصاء، و قبول الآخر بالرغم من التقاء كلاهما على طريق حب الوطن ..
 
ها هو ذلك الصوت الكريه يتمتم داخل رأسي مجدداً أنهم من حولوا أنفسهم إلى مجرد عرائس خشبية يمسك بخيوطها مسوخ تتبع غرائزها المادية وتتحرك تبعا لمصالح نخب سياسية فاسدة، أو مكاسب فئة ليس لها من سبيل لتحقيقها إلا نفاق الحاكم و تخوين منتقديه..
 
ها هو الصوت يردد أنهم هم من حولوا أنفسهم إلى شخوص ثانوية في عرض مسرحي يؤدون فيه أدواراً كتب نصوصها من لا يريدون إلا ضرب وحدتنا و بث روح الفرقة و نشر دعاوى العمالة ضد كل من يحاول تنقيح النص، حتى لو صب ذلك التنقيح في النهاية لمصلحة العرض و زيادة متعة و فائدة كل من يتابعونه !
 
عفواً، أظن أنني أخطات،  فذلك الصوت ليس هو رفيقي الوحيد هنا، فيبدو أن من تعودت رفقته أيضاً هو غضبي من عدم قدرة من وثقت أن لديهم البصيرة النافذة و الرؤية الثاقبة، ممن ظننت أنهم معي على نفس الجانب من المرآة، أن يدركوا أن ما  يدفعني لبذل المزيد من الجهد للتشبث بتلك الحافة الضيقة، التي تفصل بين جدار المرآة و بين هوة اليأس السحيقة، ليس انتمائي لأيديولوجيات جامدة اعتنقوها، و ليس إيماني بسبل لم يجدوا لها من بديل للتغيير، و ليس ولائي لتنظيمات أسسوها ليملأ صخبها جنبات المشهد الوطني .. بل إن ما يجعل أطراف أصابعي أكثر إصراراً على عدم ترك تلك الحافة، و حمل جسدي المثقل بكل همومه و إحباطاته، هو ذلك الإيمان الراسخ الذي لم يفارقني لحظة واحدة أن الوطن يمكنه أن يتسع لتمتد ربوعه على جانبي المرآة.
 
نعم، أعلم أن من يقفون على الجانب الآخر هم من سمحوا للكراهية أن تتسلل إلى قلوبهم تجاهي حين قررت مواجهة  الفساد و القمع و الأحادية و الإقصاء بالرغم من علمي بحتمية اقتران تلك المواجهة بالكثير من الفوضى و التضحيات و الدماء..
 
و لكني أعلم أيضاً أنهم إخوتي الذين شاركوني عشق كل حبة تراب من أرض هذا الوطن و اقتسموا معي كل لحظات الخوف من الحاضر، و القلق من المستقبل، و الغضب من العمالة و التكفير و تجارة الدين، و الألم لإراقة الدماء الزكية، و الفرح حين النصر، والنشوة بإمكانية تحقيق المستحيل، و أنهم يستحقون فرصة أخرى ليثبتوا فيها أنه يمكنهم التخلص من كل تلك الخيوط التي تتحكم بهم، ومن كل سطور ذلك النص العقيم الأصم الذي ظلوا يعيدونه في استسلام و رتابة لأكثر من ثلاثة عقود، ليسمحوا لأنفسهم بإبداع نص جديد يسمح بتقبل النقد البناء، و وجود معارضة وطنية، و قبول رؤية أخرى للمستقبل قد تكون أفضل من تلك التي تطرحها السلطة الحاكمة .. نص تعبر سطوره و كلماته عن طموحاتهم و آمالهم و حقهم في وطن يفخرون به، و مستقبل يرضونه لأبنائهم.
 
ما أخشاه هو أني قد لا أجد الفرصة لمشاركة أحد من الجانب الآخر لتلك الأفكار، فكل ما اختزنته من طاقة للبقاء متعلقاً بتلك الحافة قد بدء في النفاذ، و لن أستطيع على الأرجح التشبث لأكثر من ذلك بذلك الإفريز الضيق، لأسقط في النهاية في قلب تلك الهوة السحيقة بينما بصري متعلق بالسماء الملبدة بالغيوم من فوقي باحثاً عن ذلك الضوء الذي طالما أردته أن يخرج من بينها ليلفت انتباه الجميع للخطر و ليمكن لخيوط شعاعه أن تلتقط جسدي المتهاوي بسرعة قبل لحظة ارتطامه بقاع الهوة ... الذي أشك انه موجود من الأساس !